إنما قيل في الشعر " إنه يرفع من قدر الوضيع الجاهل، مثل ما يضع من قدر الشريف الكامل، وإنه أسنى مروءة الدني، وأدنى مروءة السرى " لأمر ظاهر غاب عن بعض الناس فتأوله أشد التأويل، وظنه مثلبة وهو منقبة، وذلك أن الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به، مثل ما يضع من قدر الشريف إذا اتخذه مكسبًا، كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني بامتداحه النعمان بن المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان،
[ ١ / ٤٠ ]
هذا، وإنما امتدح قاهر العرب، وصاحب البؤس والنعيم.. وكاشتهار عرابة الأوسي بشعر الشماخ بن ضرار، وقد بذل له في سنة شديدة وسق بعير تمرًا، فقال:
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
حتى صار ذلك مثلًا سائرًا، وأثرًا باقيًا، لا تبلى جدته، ولا تتغير بهجته، وقدح ذلك في مروءة الشماخ، وحط من قدره؛ لسقوط همته عن درجة مثله من أهل البيوتات وذوي الأقدار.
فأما من صنع الشعر فصاحة ولسنا، وافتخارًا بنفسه وحسبه، وتخليدًا لمآثر قومه، ولم يصنعه رغبة ولا رهبة، ولا مدحًا ولا هجاء، كما قال واحد دهرنا وسيد كتاب عصرنا أبو الحسن أحسن الله إليه وإلينا فيه:
وجدت طريق البأس أسهل مسلكًا وأحرى بنجح من طريق المطامع
فلست بمطر ما حييت أخا ندى ولا أنا في عرض البخيل بواقع
فلا نقص عليه في ذلك، بل هو زائد في أدبه، وشهادة بفضله، كما أنه نباهة في ذكر الخامل، ورفع لقدر الساقط، وإنما فضل امرؤ القيس وهو من هو لما صنع بطبعه، وعلا بسجيته، عن غير طمع ولا جزع.
حكي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لو أن الشعراء المتقدمين ضمنهم زمان واحد ونصبت لهم راية فجروا معًا علمنا من السابق منهم، وإذ لم
[ ١ / ٤١ ]
يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا لرهبة، فقيل: ومن هو؟ فقال: الكندي، قيل: ولم؟ قال: لأني رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة.
وقال علي بن الجهم في مدح المتوكل:
وما الشعر مما أستظل بظله ولا زادني قدرًا، ولا حط من قدري
ثم قال:
ولكن إحسان الخليفة جعفر دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فذكر أنه لا يستظل بظل الشعر، أي: لا يتكسب به، وأنه لم يزده قدرًا لأنه كان نابه الذكر قبل عمل الشعر، ثم قال ولا حط من قدري فأحسن الاعتذار لنفسه وللشعر، يقول: ليس الشعر ضعة في نفسه، ولا صنعته فيمن دون الخليفة، وما كفاه ذلك حتى جعل نفسه بإزاء الخليفة، بل مكافئًا له بشعره على إحسان بدأه الخليفة به، ولم يرض أن يجعل نفسه راغبًا ولا مجتديًا.
قال الطائي في هذا المعنى لمحمد بن عبد الملك الزيات، على ما كان فيه من الكبر والإعجاب، وهو حينئذ الوزير الأكبر:
لقد زدت أوضاحي امتدادًا، ولم أكن بهيمًا ولا أرضى من الأرض مجهلا
ولكن أياد صادفتني جسامها أغر فوافت بي أغر محجلا
فطمع بنفسه إلى حيث ترى، وجعل الغرة من كسبه وهي في الوجه مشهورة والتحجيل من زيادات الممدوح، وهو في القوائم.
وقد سبق إلى هذا المعنى أبو نخلة السعدي فقال يمدح مسلمة بن عبد الملك:
[ ١ / ٤٢ ]
وأحييت من ذكري، وما كان خاملًا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وقد حكى أن امرأ القيس نفاه أبوه لما قال الشعر، وغفل أكثر الناس عن السبب، وذلك أنه كان خليعًا، ومتهتكًا، شبب بنساء أبيه، وبدأ وبهذا الشر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرياسة، فكان إليه من أبيه ما كان، ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة؛ فهذه العلة، وقد جاوزت كثيرًا من الناس ومرت عليهم صفحًا.
وأما تفسير القول الآخر في السري والدني؛ فإنه إذا بلغت بالدنى نفسه، وطمحت به همته إلى أن يصنع الشعر الذي هو أخو الأدب، وتجارة العرب، تكافأ به الأيادي، ويحل به صدر النادي، ويرفع صوته على من فوقه، ويزيده في القدر على ما استحقه فقد صار سريًا، على أن القائل، فإن كان المقول له فذلك أعظم مزية، وأشرف خطة ومنزلة، وإذا انحطت بالسري همته، وقصرت مروءته، إلى أن يصنع الشعر ليتكسب به المال ويكافئ به الأيادي دون غيره وهو يعلم أنه أبقى من المال، وأنفس ذخائر الرجال، وأنه إن خاطب به من فوقه فقد رضي بالضراعة، وإن خاطب به كفأه ونظيره فقد نزل عن المساواة، وإن خاطب به من دونه سقط جملة ذلك على أن يكون شعره مزحًا أو عتابًا، وأما أن يكون هجاء فأبقى لخزيه وأضل لسعيه.
وسأذكر ممن رفعه أو ممن وضعه ما قال أو قيل فيه من الشعر بعض من ذكر الناس؛ لئلا أخلي الكتاب من ذلك، وإن كنت حريصًا على الإيجاز والاختصار.
فممن رفعه ما قال من القدماء الحارث بن حلزة اليشكري، وكان أبرص، فأنشد الملك عمرو بن هند قصيدته:
آذنتنا ببينها أسماء
[ ١ / ٤٣ ]
وبينه وبينه سبعة حجب؛ فما زال يرفعها حجابًا فحجابًا لحسن ما يسمع من شعره حتى لم يبق بينهما حجاب، ثم أدناه وقربه، وأمثاله كثير.
ومن المخضرمين حسان بن ثابت ﵀، لم تكن له ماتة ولا سابقة في الجاهلية والإسلام إلا شعره، وقد بلغ من رضا الله ﷿ ورضا نبيه ﵊ ما أورثه الجنة.
ومن الفحول المتأخرين الأخطل واسمه غياث بن غوث، وكان نصرانيًا من تغلب بلغت به الحال في الشعر إلى أن نادم عبد الملك بن مروان، وأركبه ظهر جرير بن عطية بن الخطفي، وهو تقي مسلم، وقيل: أمره بذلك بسبب شعر فاخره فيه بين يديه وطول لسانه، حتى قال مجاهرًا: لعنة الله عليه، لا يستتر في الطعن على الدين والاستخفاف بالمسلمين:
ولست بصائم رمضان طوعًا ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنسًا بكورًا إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست مناديًا أبدًا بليل كمثل العير " حي على الفلاح "
ولكني سأشربها شمولًا وأسجد قبل منبلج الصباح
وهذه غاية عظيمة ومنزلة غريبة حملت من المسامحة في الدين على مثل ما نسمع والملوك ملوك بزعمهم. وهجا الأنصار ليزيد بمن معاوية، لما شبب عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بعمته فاطمة بنت أبي سفيان وقيل: بل بأخته هند بنت معاوية قيل: ولولا شعره لقتل دون أقل من ذلك.. وقد رد على جرير أقبح رد، وتناول من أعراض المسلمين وأشرافهم، ما لا ينجو مع مثله علوي، فضلًا عن نصراني.
ومن المحدثين أبو نواس، كان نديمًا للأمين محمد بن زبيدة طول خلافته..
[ ١ / ٤٤ ]
ومسلم بن الوليد صريع الغواني، اتصل بذي الرياستين ومات على جرجان وكان تولاها على يديه.. والبحتري، كان نديمًا للمتوكل لا يكاد يفارقه، وبمحضره قتل المتوكل. وكثير ممن أكتفي بهؤلاء عن ذكره.
وقد خطب أبو الطيب هذه الرتبة إلى كافور الإخشيدي، فوعده بها وأجابه إليها، ثم خافه لما رأى من تحامله وكبره، واقتضاه أبو الطيب مرارًا، وعاتبه فما وجد عنده راحة.. فمن ذلك قوله يقتضيه:
وهبت على مقدار كفي زماننا ونفسي على مقدار كفيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية فجودك يكسوني وشغلك يسلب
وقوله يقتضيه أيضًا ويعاتبه من قصيدة مشهورة:
ولي عند هذا الدهر حق يلطه وقد قل إعتاب وطال عتاب
ثم قال بعد أبيات:
أرى لي بقربي منك عينًا قريرة وإن كان قربًا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ودون الذي أملت منك حجاب
أقل سلامي حب ما خف عنكم وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي بيان عندها وخطاب
[ ١ / ٤٥ ]
وما أنا بالباغي على الحب رشوة ضعيف هوى يبغي عليه ثواب
وما شئت إلا أن أذل عواذلي على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قومًا خالفوني فشرقوا وغربت أني قد ظفرت وخابوا
فهؤلاء رفعهم ما قالوه من الشعر؛ فنالوا الرتب، واتصلوا بالملوك، وليس ذلك ببدع للشاعر ولا عجيب منه. وقد كنت صنعت بين يدي سيدنا من أمر العالي زاده الله علوًا:
الشعر شيء حسن ليس به من حرج
أقل ما فيه ذها ب الهم عن نفس الشجي
يحكم في لطافة حل عقود الحجج
كم نظرة حسنها في وجه عذر سمج
وحرقة بردها عن قلب صب منضج
ورحمة أوقعها في قلب قاس حرج
وحاجة يسرها عند غزال غنج
وشاعر مطرح مغلق باب الفرج
قربه لسانه من ملك متوج
فعلموا أولادكم عقار طب المهج
وطائفة أخرى نطقوا في الشعر بألفاظ صارت لهم شهرة يلبسونها، وألقابًا يدعون بها فلا ينكرونها: منهم عائد الكلب، واسمه عبد الله بن مصعب، كان واليًا على المدينة للرشيد، لقب بذلك لقوله:
مالي مرضت فلم يعدني عائد منكم، ويمرض كلبكم فأعود؟!
[ ١ / ٤٦ ]
والممزق، واسمه شاس بن نهار، لقب بقوله لعمرو بن هند:
فإن كنت مأكولًا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق
وقد تمثل بهذا البيت عثمان بن عفان ﵁ في رسالة كتب بها علي بن أبي طالب ﵁.
ولقب مسكين الدرامي واسمه ربيعة، من ولد عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن درام بقوله:
أنا مسكين لمن أبصرني ولمن حاورني جد نطق
فلما سمي مسكينًا قال:
وسميت مسكينًا وكانت لجاجة وإني لمسكين إلى الله راغب
وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهم بشعري، ولا تعمى علي المكاسب
وإنما هذا لمكان الشعر من قلوب العرب، وسرعة ولوجه في آذانهم، وتعلقه بأنفسهم.
ومنهم من سمي بلفظة من شعره لشناعتها، مثل النابغة الذبياني واسمه زياد بن عمرو وسمي نابغة لقوله:
فقد نبغت لنا منهم شئون
[ ١ / ٤٧ ]
وأما الجعدي واسمه قيس بن عبد الله فإنما نبغ بالشعر بعد أربعين سنة فسمي نابغة لذلك.
وجران العود، سمي بذلك لقوله:
عمدت لعود فالتحيت جرانه وللكيس خير في الأمور وأنجح
خذا حذرًا يا خلتي فإنني رأيت جران العود قد كان يصلح
يخاطب امرأتيه، وقد تركتاه ونشزتا عليه؛ فلزمه هذا الاسم وذهب اسمه كرهًا.
كذلك أبو العيال، لا يعرف له اسم غير هذا؛ ولقوله:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترًا من المال؛ يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرًا أو يصيب رغيبة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
أمثالهم ممن ذكره المؤلفون لا يحصون كثرة، وليسوا من هذا الباب في شيء؛ لأن غلبة هذه الأسماء عليهم ليست شرفًا لهم ولا ضعة، وإنما هي من جهة الشناعة فقط، ولكن الكلام ذو شجون.
ومن ههنا عظم الشعر، وتهيب أهله، خوفًا من بيت سائر تحدى به الإبل، أو لفظة شاردة يضرب بها المثل، ورجاء في مثل ذلك؛ فقد رفع كثيرًا من الناس ما قيل فيهم من الشعر بعد الخمول والإطراح، حتى افتخروا بما كانوا يعيرون به ووضع جماعة من أهل السوابق والأقدار الشريفة حتى عيروا بما كانوا يفتخرون به.
فمن رفعه ما قيل فيه من الشعر بعد الخمول الملحق، وذلك أن الأعشى قدم مكة وتسامح الناس به، وكانت للمحلق امرأة عاقلة وقيل: بل أم فقالت له: إن الأعشى قدم، وهو رجل مفوه، مجدود في الشعر ما مدح أحدًا إلا رفعه،
[ ١ / ٤٨ ]
ولا هجا أحدًا إلا وضعه وأنت رجل كما علمت فقيرًا خامل الذكر ذو بنات، وعندنا لقحة نعيش بها فلو سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة ونحرت له واحتلت لك فما تشتري به شرابًا يتعاطاه؛ لرجوت لك حسن العاقبة، فسبق إليه المحلق، فأنزله ونجر له، ووجد المرأة قد خبزت خبزًا وأخرجت نحيًا فيه سمن وجاءت بوطب لبن، فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسية، قدم إليه الشراب واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعياله فعرف البؤس في كلامه، وذكر البنات، فقال الأعشى: كفيت أمرهن، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق وما بي من سقم وما بي معشق
ورأى المحلق اجتماع الناس، فوقف يستمع، وهو لا يدري أين يريد الأعشى بقوله، إلى أن سمع:
نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق
ترى القوم فيها شارعين، وبينهم مع القوم ولدان من النسل دردق
لعمري قد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار باليفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تحالفا بأسحم داج عوض لا نتفرق
ترى الجود يجري ظاهرًا فوق وجهه كما زان متن الهندواني رونق
فما أتم القصيدة إلا والناس ينسلون إلى الملحق يهنئونه، والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جريًا يخطبون بناته؛ لمكان شعر الأعشى، فلم تمس منهن واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف.
[ ١ / ٤٩ ]
وكذلك بنو أنف الناقة، كانوا يفرقون من هذا الاسم، حتى إن الرجل منهم يسأل: ممن هو؟ فيقول: من بني قريع، فيتجاوز جعفرًا أنف الناقة بن قريع بن عوف بن مالك ويلغي ذكره فرارًا من هذا اللقب، إلى أن نقل الحطيئة واسمه جرول بن أوس أجدهم وهو بغيض بن عامر بن لؤي بن شماس بن جعفر أنف الناقة من ضيافة الزبرقان بن بدر إلى ضيافته وأحسن إليه فقال:
سيري أمام فإن الأكثرين حصًا والأكرمين إذا ما ينسبون أبًا
قوم هم الأنف، والأذناب غيرهم ومن يساوي بأنف الناقة الذنبًا؟
فصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة.
وإنما سمي جعفر أنف الناقة لأن أباه قسم ناقة جزورًا ونسيه، فبعثته أمه ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك بهذا، فأدخل أصابعه في أنف الناقة وأقبل يجره، فسمي بذلك.
ومثل هاتين القصتين قصة عرابة الأوسي مع الشماخ، وقد تقدم ذكرها.
وممن وضعه ما قيل فيه الشعر حنى انكسر نسبه، وسقط عن رتبته، وعيب بفضيلته بنو نمير، وكانوا جمرة من جمرات العرب، إذا سئل أحدهم: ممن الرجل؟ فخم لفظه ومد صوته وقال: من بني نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التي هجا بها عبيد بن حصين الراعي، فسهر لها، وطالت ليلته إلى أن قال:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
فأطفأ سراجه ونام وقال: قد والله أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأسًا بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لباهلة، كان يرد سوق البصرة ممتارًا فيصيح به بنو نمير: يا جواذب باهلة، فقص الخبر على مواليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
[ ١ / ٥٠ ]
ومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غمض وإلا جاءك ما تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها.
ومرت امرأة ببعض مجالس بني نمير فأداموا النظر إليها، فقالت:
قبحكم الله يا بني نمير! ما قبلتم قول الله ﷿: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " ولا قول الشاعر "
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدماغة، تركت بني نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نميرًا إلى أبيه، هربًا من ذكر نمير، وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة.
والربيع بن زياد، كان من ندماء النعمان بن المنذر، وكان فحاشًا عيابًا بذيًا سبابًا لا يسلم منه أحد ممن يفد على النعمان، فرمي بلبيد وهو غلام مراهق فنافسه وقد وضع الطعام بين يدي النعمان، وتقدم الربيع وحده ليأكل معه على عادته، فقام لبيد فقال مرتجلًا:
يا رب هيجا هي خير من دعة نحن بني أم البنين الأربعه
ونحن خير عامر بن صعصعه المطعمون الجفنة المدعدعه
والضاربون الهام تحت الخيضعه مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه
فقال النعمان: ولمه؟ فقال:
إن استه من برص ملمعه
فقال النعمان: وما علينا من ذلك؟ فقال:
إنه يولج فيها إصبعه
يولجها حتى يواري أشجعه كأنما يطلب شيئًا أودعه
ويروي أطمعه فرفع النعمان يده عن الطعام، وقال: ما تقول يا ربيع؟ فقال: أبيت اللعن كذب الغلام، فقال لبيد: مره فليجب، فقال النعمان: أجبه
[ ١ / ٥١ ]
يا ربيع، فقال: والله لما تسومني أنت من الخسف أشد علي مما عضهني به الغلام، فحجبه بعد ذلك، وسقطت منزلته، وأراد الاعتذار، فقال النعمان:
قد قيل ما قيل إن حقًا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟؟
وبنو العجلان، كانوا يفخرون بهذا الاسم لقصة كانت لصاحبه في تعجيل قرى الأضياف، إلى أن هجاهم به النجاشي فضجروا منه، وسبوا به، واستعدوا عليه عمر بن الخطاب ﵁، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، فقال: وما قال؟ فأنشدوه:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر بن الخطاب: إنما دعا عليكم ولعله لا يجاب، فقالوا: إنه قال:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر ﵁: ليتني من هؤلاء، أو قال: ليت آل الخطاب كذلك، أو كلامًا يشبه هذا، قالوا: فإنه قال:
ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل
فقال عمر: ذلك أقل للسكاك، يعني الزحام، قالوا: فإنه قال:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
فقال عمر: كفى ضياعًا من تأكل الكلاب لحمه، قالوا: فإنه قال:
وما سمي العجلان إلا لقولهم خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: كلنا عبد، وخير القوم خادمهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، فقال: ما أسمع ذلك، فقالوا: فاسأل حسان بن ثابت، فسأله فقال: ما هجاهم ولكن سلح عليهم، وكان عمر ﵁ أبصر الناس بما قال النجاشي، ولكن أراد أن يدرأ الحد بالشبهات، فلما قال حسان ما قال سجن النجاشي، وقيل: إنه حده.
وهذه جملة كافية، ونبذة مقنعة، فيما قصدت إليه من هذا الباب.
[ ١ / ٥٢ ]