حدّثنى مسعود بن بشر قال: قدم عمرو بن العاص مكة وفتيان قريش يتحدّثون، فلما رأوه رموه «١» بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: كأنكم كنتم فى حديثنا، فقالوا: نعم كنا نفضّل بينك وبين أخيك، فقال: إن له علىّ لأربعا، أمّه ابنة هشام بن المغيرة وأمّى من قد علمتم، وكان أحبّ إلى أبى منّى وقد عرفتم رأى الأب فى ابنه، وأسلم قبلى واستشهد وبقيت. وكان هشام بن المغيرة شريفا مسوّدا «٢»، وكان الناس يؤرّخون بالأمور العظام تحدث، مثل عام الفيل، وعام الرمادة، وموت هشام بن المغيرة وفيه يقول القائل «٣»:
فأصبح بطن مكّة مقشعرّا كأنّ الأرض ليس بها هشام
وحدّثنى مسعود بن بشر قال: كان عمرو بن العاص جيّد الفطنة كثير الدهاء سريع الجواب بليغ الكلام. ويروى أنه جعل «٤» لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرا عن أمّه- وكان يطعن عليها- فأتاه وهو يومئذ أمير مصر، فقال: أصلح الله الأمير! أردت أن أعرف أمّ الأمير، فقال: نعم، امرأة من عنزة ثم من بنى العنبر ثم من جلّان، اسمها ليلى وتعرف بالنّابغة. اذهب فخذ جعلك.
[ ٤٩ ]
وحدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد متّصل قال: قال المنذر بن الجارود لعمرو:
يا أبا عبد الله، إنك أفضل الناس لولا أنّ أمّك أمّك، فقال: قد خطر هذا ببالى البارحة والله، فأقبلت أقّلبها على أحياء العرب ممن كنت أحبّ أن تكون فيهم فلم يخطر لى عبد القييس ببال- يعنى منذرا.
ومما يستحسن من سرعة الجواب وحضوره عند وقته ما يروى أن خالد بن صفوان لقى الفرزدق- وكان دميما- وقد لبس ثيابا سريّة، فقال له: يا أبا فراس مرحبا بهذا الوجه الذى لو رآه صواحب يوسف لم يكبرنه ولم يقطّعن أيديهنّ فقال الفرزدق: وأهلا ومرحبا بوجهك الذى لو رأته صاحبة موسى لم تقل لأبيها:
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.
وحدّثت «١» أن شريكا النميرىّ ساير عمر بن هبيرة وهو على بغلة، فجاوزت بغلته برذون عمر، فقال له: اغضض من لجامها، فقال: إنها مكتوبة، فقال:
ما أردت ذلك، قال: ولا أنا أيضا أردته. ظنّ شريك أن عمر عنى بقوله:
«اغضض من لجامها» قول جرير «٢»:
فغضّ الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وعنى شريك بقوله: «مكتوبة» قوله «٣»:
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
[ ٥٠ ]
أى اشددها. ويروى أن ابن ملجم قال لعلىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه:
إنى اشتريت سيفى هذا بألف، وسممته بألف، وسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه فقال: قد أجاب الله دعوتك، يا حسن، إذا متّ فاقتله بسيفه.
ويروى «١» أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج بن يوسف «بسم الله الرحمن الرحيم- أمّا بعد- فإنّك سالم والسلام» فأشكل على الحجّاج وأرق لذلك ليلته، فقال له ابن هبيرة «٢»: ما يسهر الأمير؟ فقال: كتاب كتبه إلىّ أمير المؤمنين فيه كذا، قال: فإن أعلمتك معناه فمالى عندك؟ قال: ولاية خراسان، فقرأ عليه الكتاب، فقال عمر: أخذه من قول القائل «٣»:
يديروننى عن سالم وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم
فولّاه خراسان.
ويروى أن [أبا] دلامة الشاعر دخل على المنصور أو المهدىّ وعليه جبّة فاخرة فقال ما هذه الجبّة يا [أبا] دلامة؟ فقال: هذه «٤» لا ألبسها إلا فى كلّ موت خليفة، قال: فأرانى ميّتا ولا أدرى.
ويروى أن الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما دخل على معاوية وهو فى علّة غليظة فقال معاوية: ساندونى، ثم تمثّل ببيت أبى ذؤيب «٥»:
وتجلّدى للشامتين أريهم أنّى لريب الدّهر لا أتضعضع،
فسلّم الحسين و«٦» تمثّل ببيت أبى ذؤيب:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
[ ٥١ ]
وكان معاوية مع حدّة جوابه وصواب رأيه حليما جوادا، وكان يضيف إلى ذلك شجاعة وخرما. ويروى أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قال له: إنّى لأراك تقدم أحيانا حتى أقول أشجع الناس، وأراك تحجم أحيانا حتى أقول أجبن الناس، قال:
إنى أقدم ما كان الإقدام غنما، وأحجم ما كان الإحجام حزما، فأنا كما قال القائل «١»:
شجاع إذا ما أمكنتنى فرصة وإن لم تكن لى فرصة فجبان
وكان المهلّب يقول: الإقدام على الهلكة تضييع، كما أن الإحجام عن الفرصة جبن.
ويروى أن جرّة «٢» هوت على رأس يزيد ابنه فلم يتوقّها، فقال له المهلّب: حفظت الشجاعة من حيث ضيّعت الحزم. ويروى عن أحد الحكماء قال: يجب على الرجل أن يكون سخيا ولا يبلغ التبذير، وأن يكون حافظا ولا يبلغ البخل، وأن يكون «٣» شجاعا ولا يبلغ التضييع، وأن يكون محترسا ولا يبلغ الجبن، وأن يكون ماضيا ولا يبلغ القحة، وأن يكون قوّالا ولا يبلغ الهذر، وأن يكون صموتا ولا يبلغ العىّ، وأن يكون حليما ولا يبلغ الذل، وأن يكون منتصرا ولا يبلغ الظلم، وأن يكون أنفا ولا يبلغ الزّهو، وأن يكون حييّا ولا يبلغ العجز.
وحدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد ذكره قال: لما قال «٤» حسّان بن ثابت فى كلمة له يعيّر بها الحارث بن هشام بن المغيرة- حيث فرّ يوم بدر عن أخيه أبى جهل ابن هشام:
إن كنت كاذبة الذى حدّثتنى فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة لم يقاتل دونهم ونجا برأس طمرّة ولجام «٥»
[ ٥٢ ]
وقال الحارث يعتذر من فزارة «١»:
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسى بأشقر مزبد «٢»
وعلمت أنى إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوّى مشهدى
فصددت عنهم والأحبّة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
وقال سعيد بن المسيّب لرجل من قريش: من جاءكم بخبر الجمل؟ قال:
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال سعيد: كان أبوه أوّل من جاء بخبر بدر.
وفرّ الحارث يوم بدر، وفرّ هشام أبوه يوم الفجار، وفرّ عبد الرحمن يوم الجمل.
وأنشدنى التوّزىّ لأبى ثور عمرو بن معد يكرب «٣»:
ولقد أرفع رجلىّ «٤» بها حذر الموت وإنى لفرور
ولقد أعطفها كارهة حين للنفس من الموت هرير
كلّ ما ذلك منّى خلق وبكلّ أنا فى الرّوع جدير
ومثله قول زيد «٥» بن المهلهل:
أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس
ولست بذى كهرورة «٦» غير أننى إذا طلعت أولى المغيرة أعبس
[ ٥٣ ]
ومنه قول أبى «١» كعب الأنصارى:
ألا لا تقل عرسى على حين ساعة ألا فرّ عنى مالك بن أبى كعب
أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
وقال آخر:
وماذا على مروان لو كنت خلفه رديفا على أقتاد أصهب بازل «٢»
ورفّعت من رجلىّ ألتمس الذى وجدت على عهد القرون الأوائل
هذا رجل فرّ من حرب، فطلب إلى مروان هذا أن يردفه فأبى عليه، فعدا على رجليه حتى أفلت. وإنما أراد قول وعلة الجرمىّ حين نجا يوم الكلاب على رجليه «٣»:
فدى لكما رجلىّ أمّى وخالتى غداة الكلاب إذ تحزّ الدوابر
يقول: إنما فعلت ما كان يفعل من كان قبلى من القرون الأوائل.
ويروى أن رجلا من أهل الشام انهزم من حرب، فلقيه لاق فقال: ما الخبر؟
قال: من صبر أخزاه الله، ومن انهزم نجاه الله.