يروى من غير وجه سمعنا أن علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه قال:
لا يزهّدنّك فى المعروف من لا يشكرك عليه، فقد شكرك عليه من لم يستمتع منك بشىء، وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع منه الكافر. وكان من دعائه:
الحمد لله أحمده معترفا بالتقصير فى شكره، وأستغفره طامعا فى عفوه، وأتوكّل عليه فاقة إلى كفايته. وكان يقول: لا تكونّن كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويطلب
[ ٩٤ ]
المزيد، يأمر الناس بما لا يأتى، يحبّ الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويكره المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها فى حياته. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﷿ ليحمد العبد إذا قال الحمد لله»، فلذلك قال «١» محمود الورّاق فى هذا المعنى:
إذا كان شكرى نعمة الله نعمة علىّ له فى مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضله وإن طالت الأيّام واتّصل العمر
إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورها وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلّا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر
فهذا معنى لطيف، يعنى أن الله ﷿ لا يحمد إلّا بتوفيق يجب أن يحمد على توفيقه، ثم وجب فى الحمد الثانى ما وجب فى الحمد الأوّل، ثم إلى ما لا نهاية له.
ويروى فى الخبر أن داود ﵇ قال: إلهى كيف لى أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلّا بنعمتك! فأوحى الله ﷿ إليه: أن يا داود، ألست تعلم أن الّذى بك من النعم هو منّى! قال: بلى يا ربّ، قال: فأنى أرضى بذلك منك شكرا.
فلو «٢» كان يستغنى عن الشكر ماجد لعزّة مجد أو علوّ مكان
لما أمر الله العباد بشكره فقال اشكروا لى أيها الثقلان
وكان يقال: كثرة الامتنان من النعم تهدم الصنيعة وتكدّر المعروف. وكان يقال:
من كفر النعمة كتمانها من المنعم عليه، ومن تكديرها إظهارها من المنعم. فعلى المنعم أن لا يمتنّ، وعلى المنعم عليه أن لا يكفر، وأنشد «٣»:
[ ٩٥ ]
زاد معروفك عندى عظما أنّه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته وهو عند الله مشكور كبير
وقال آخر «١»:
لأشكرنّك معروفا هممت به إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر فالشىء بالقدر المجلوب مصروف
وكان معاوية يقول: من همّ بالمعروف ثم عجز عنه فقد وجب شكره، ويروى عن سليمان التّيمى «٢» أنه قال: إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته، وكلّفهم من الشكر بقدر طاقتهم. وشكر أعرابىّ رجلا أولاه جميلا فقال له: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: قيّدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتابة. وقالت هند بنة المهلّب: اغتنموا شكر النعمة قبل زوالها. وقال محمود الورّاق «٣»:
أعارك ماله لتقوم فيه بطاعته وتقضى فضل حقّه
فلم تشكره نعمته ولكن قويت على معاصيه برزقه
تجاهره بها عودا وبدءا وتستخفى بها من شرّ خلقه
[ ٩٦ ]
وقال بعض الظرفاء «١»:
وزهّدنى فى كلّ خير فعلته إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
إذا أنت لم تنظر لنفسك حظّها أحاطت بك الأشياء من حيث لا تدرى
وكان الناس يحبّون أن يحمدوا على ما أولوا، وأن يظهروا الشكر لهم على ما قدّموا، وأن يكون ذلك فى غير وجوههم. ويروى أن أعرابيّا دخل على هشام بن عبد الملك فأثنى عليه، فقال: إنا لا نحب أن نمدح فى وجوهنا، قال: لست أمدحك، ولكنى أحمد الله فيك، وأنشد:
شكرى كفعلك «٢» فانظر فى عواقبه تعرف بفضلك ما عندى من الشّكر
وقال آخر «٣»:
فلو كان للشكر شخص يبين إذا ما تأمّله الناظر
لمثّلته لك حتى تراه فتعلم أنّى امرؤ شاكر
وقال آخر:
كنت أثنى على معاوية الأو سىّ قبل العطاء خير الثناء
فأرانى بعد البلاء تناهي ت وخير الثناء بعد البلاء
ويروى أن رسول الله ﷺ قال: «قال لى جبرائيل ﵇: من أسديت إليه معروفا فكافأ فذاك، ومن عجز عن ذلك فأثنى فقد كافأ» . وأنشد:
ثمن الصنيعة شكر صاحبها والشكر شىء ما له ثمن
[ ٩٧ ]
وقال آخر «١»:
ولا يشترى الحمد أمنيّة ولا يشترى الحمد بالمقصر
ولكنّه يشترى غاليا فمن يعط أثمانه يشتر
ومن يعتطفه على مئزر فنعم الرداء على مئزر
ويروى أن عبد الله «٢» بن العباس- وكان من الأجواد- أمر لسائل سأله بعشرة آلاف درهم، فصبّت فى حجره فتخرّق ثوبه، فبكى، فقال له: أعلى قميصك تبكى؟
فقال: لا والله ولكن على ما يأكل التراب منك، فقال: شكرك أحسن من صنيعتنا، يا غلام أعطه مثلها. ويروى عن «٣» بعض الحكماء أنه قال: من شكر استحقّ الإحسان، ومن أحسن استحقّ الشكر. ولقد أحسن أبو نواس حيث يقول فى كلمة له «٤»:
أنت امرؤ طوّقتنى مننا أوهت قوى شكرى فقد ضعفا
لا تسدينّ إلىّ عارفة حتّى أقوم بشكر ما سلفا
وقال آخر «٥»:
سأشكر عمرا ما تراخت منيّتى أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
[ ٩٨ ]
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتى تجلّت
إذا استقبلت منه المودّة أقبلت وإن غمزت منه القناة اكفهرّت
وقال آخر «١»:
شكرتك إنّ الشكر منّى سجيّة وما كلّ من أوليته نعمة يقضى
ونبّهت من ذكرى وما كان خاملا ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
وقال آخر:
جلّت أياديك عن الذكر فحار فى معقولها شكرى
ما تنقضى منك يد ثيّب حتى تثنّى بيد بكر
فالشكر فى عرفك مستهلك كقطرة فى لجّة البحر
لم يعف معروفك عندى ولا يعفو إلى المبعث والحشر
وشكر أعرابى رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن ماء لا يخاف كدره. وشكر آخر رجلا فقال: الحمد لله على توفيقه إيّاك فى إعطائى، وعلى توفيقه إيّاى فى مسألة مثلك، أعاشك الله صالحا. وقال بعض الحكماء: الشكر بالغ ما بلغ أدقّ من الصنيعة كائنة ما كانت، لأن الشكر فرع من فروع الصنيعة، ولها وعنها كان، ولولا الصنيعة لم يكن شكر.
قد أردنا أن نصل كتابنا بما شرطناه على أنفسنا من ذكر ما ينتفع به من يأخذه عنّا، وينشره من ينسبه إلينا، وقد أتينا منه بعض ما أردنا وقصدنا، وكرهنا الإطالة، وخفنا على قارئه السآمة، وأشفقنا أن يبلغ به حدّ المجاوزة، فإن الإكثار سرف «٢»، كما أن التقصير عجز. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من أطال الحديث عرّض أصحابه للسآمة وسوء الاستماع.
[ ٩٩ ]
ونحن خاتمو كتابنا هذا بباب يشتمل على فنون من الآداب، ويتضمّن بعض ما نستحسنه من الأخبار والأشعار التى يشاكل بعضها بعضا، ونضيف إلى ذلك من العظات الموجزة، والأمثال السائرة، والأشعار الموزونة. وبالله الحول والقوّة.