حدثنى المازنىّ عن أبى زيد الأنصارىّ قال: سمعت «١» العرب تقول فى أسماء الدواهى: لقيت منه البرحين والبرحين والفتكرين والفتكرين. قال: وحكيت لى الفتكرين ولم أسمعها من العرب «٢»، وأنشد:
قد كلّفت راعيها الفتكرين إضمامة «٣» من ذودنا الثلاثين
ولقيت منه الدهارس، واحدها دهرس، وهى الدواهى. وقال الكلبىّ: الدهاريس، قال المتلمّس «٤»:
حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها بسل حرام ألا تلك الدهاريس
[ ٧٨ ]
وقال أبو زيد «١»: البسل الحرام، والبسل الحلال، وهو عندهم من الأضداد، قال ابن همام السّلولىّ للنعمان بن بشير الأنصارى:
زيادتنا نعمان لا تحرمنّنا تق الله فينا والكتاب الذى تتلو
أيثبت ما زدتم وتلقى «٢» زيادتى دمى- إن أحلّت هذه لكم- بسل
يقول: حلال.
وأنشد أبو زيد لضمرة «٣» بن ضمرة النهشلى، وكان فى الجاهليّة من الفتّاك:
بكرت تلومك بعد وهن فى الندى بسل «٤» عليك ملامتى وعتابى
أأصرّها «٥» وبنىّ عمّى ساغب فكفاك من إبة علىّ وعاب
يقال فى كل شىء عجل به: فى أىّ وقت بكربه، ويقال: بكرت على فلان عشية أمس، أى فى أول أوقات العشىّ، ليس البكرة للغداة، ألا ترى إلى قوله: «بعد وهن» أى بعد ساعة من الليل، ومنه سمّيت الباكورة. وقوله: «من إبة علىّ» يقال أوبت «٦» إبة أى استحييت واحتشمت، وكذلك اتّأبت من الشىء. وأوأبت الرجل أحشمته.
ويقال لطعام الفجأة: طعام ذو توبة، أى ذو حشمة. ويقال: لقيت منه الذّربين والذّربيّا، والأقورين والأقوريّات. ولقيت منه بنات برح، وبنى برح، وبنات
[ ٧٩ ]
بئس «١»، وبنى بئس، وبنات أودك، ولقيت منه الأمرّين، ولقيت منه بنات طبق، يعنى الداهية، وأمّ الرّبيق على وريق وعلى أريق «٢»، وأنشد:
إنى رأيت العنز يمنع ربّها من أن يضيح «٣» جارها بالسنبس
وهى الداهية. والقناذع «٤»: الدواهى، وأنشد:
ومن لا يورّع نفسه تتبع الخنا ومن يتبع الجرباء يغش القناذعا
ولقيت منه الزّبير، وهى الداهية، وأنشد «٥»:
فلاقوا من آل الزّبير الزّبيرا
وأنشد «٦»:
إذا تمطّين على القياقى لاقين منها أذنى عناق
والقياقى: واحدها قيقاءة، وهو ما ارتفع من الأرض. وأذنى عناق، يريد شرّا وداهية. ولقيت منه الدقارير، واحدتها دقرارة. ولقيت منه صلّا من الأصلال، وصمّة من الصمم، يريد الداهية. ويقال للداهية حوّل قلّب. ومما تمثّل «٧» به معاوية عند موته:
الحوّل القلّب الأريب وهل يدفع صرف المنية الحيل
والدّرخمين الداهية.
[ ٨٠ ]
وحدّثنى التّوزىّ قال: سألت الأصمعىّ عن الدّرفس والدّرفسة فقال:
هو الجمل الشديد، وأنشد للعجّاح «١»:
كم قد حسرنا من علاة عنس كبداء كالقوس وأخرى جلس
درفسة أو بازل درفس
وكان الأصمعىّ لا يعرف الدّرفس فى بيت عبيد الله بن قيس الرقيّات وهو يمدح عبد العزيز بن مروان «٢»:
تكنّه خرقة الدّرفس من الشّمس كليث يفرّج الأجما فقال: الدّرفس البعير، وماله هاهنا موضع، ولو كان إلىّ لقلت: «تكنّه خرقة الدّمقس»، يعنى الحرير.
وقال أبو العبّاس: وإنّما الدرفس اسم لواء للعجم حملوه يوم القادسيّة لرستم يقال له بالعجميّة «درفش «٣» كابيان»، فأعربه عبد الله بن قيس فقال: الدّرفس.
وحدّثنى التّوزىّ قال: صحّف «٤» الأصمعىّ فى بيت الحطيئة مرّة فلم نسمع تصحيفا أحسن منه، وهو:
أغررتنى وزعمت أنّك لا تنى بالضّيف تأمر أى لا تنى تأمر بالضيف، تأمر بإكرامه وحسن قراه، والشعر:
أغررتنى وزعمت أنّك لابن بالصّيف تامر
[ ٨١ ]
أى كثير اللبن والتمر. ويقال: شاة لبنة وغنم لبان ولبن ولبن. ويقال: كم لبن غنمك؟ وكم رسلها؟ قال: إنه إنما قيل: كم لبن غنمك، أى كم فيها مما يحلب، وفلان لابن وتامر إذا كان ذا لبن وتمر، وتمرت القوم ولبنتهم ألبنهم لبنا وقد ألبن الرجل: كثر لبنه، وتمرته فأنا أتمره «١» . ولم نقصد فيما نذكره فى هذا الفصل طعنا على الأصمعىّ، ولا دفعا لعلمه، وكذلك غيره، ولكنّ الشىء يذكر بالشىء، والحديث يجرّ الحديث.
حدّثنى التّوّزىّ عن أبى عبيدة قال أنشدنى المفضّل:
وإذا «٢» ألمّ خيالها طرقت عينى فماء شؤونها سجم
وإنما هى «طرفت»، فصحّف، وهى للمخبّل السعدىّ.
وقال «٣» الأصمعىّ: هى لطرفة، وأوّلها:
ذكر الرّباب وذكرها سقم
وأخبرنى التّوّزىّ عن أبى عبيدة أن المفضّل أنشد بيت أوس بن حجر «٤»:
وذات هدم عار نواشرها تصمت بالماء تولبا جذعا
وإنما هو جدعا. والجدع السّيّىء الغذاء، ويقال جدعته وأجدعته: أسأت غذاءه. ويقال للسيّىء الغذاء الحجن «٥» والقتين، ويقال للّذى قد أحسن غذاؤه
[ ٨٢ ]
مسرهف ومعذلج ومخرفج «١»، والتّولب: الصغير «٢» . والأهدام: خلقان الثياب.
وحدّثنى التّوزىّ قال: أنشد المفضّل قول اليشكرىّ «٣»:
وكنت زمينا جار بيت وصاحبا ولكنّ قيسا فى مسامعه صمم
وأخبرنى أبو عبيدة والأصمعىّ قالا: إنما هو زميتا أى قريبا.
وأخبرنى الأصمعىّ وأصحابنا أنّ المفضّل أنشد قول البرجمىّ:
أفاطم «٤» إنّى هالك فتبيّنى ولا تجزعى كلّ النساء يتيم
وقال المفضّل: امرأة يتيم إذا مات زوجها، وغلام يتيم مات أبوه، واليتم فى البهائم موت الأمّ. قال الأصمعى: وإنما هو: «كلّ النساء تئيم» أى تصير أيّما والأيّم: التى لا زوج لها بكرا كانت أم ثيّبا، والأيّم عند العامة: الثيّب.
وأخبرنى الشّيبانىّ قال: سألت المفضّل عن قول «٥» متمم بن نويرة:
لعمرى وما دهرى «٦» بتأبين هالك ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا
ما التأبين؟ قال: لا أدرى. والتأبين: ندبة الميّت، وقال أبو زيد: أبّنت الميّت تأبينا إذا بكيته بعد موته.
[ ٨٣ ]
وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ قال: ناظرنى المفضّل عند عيسى بن جعفر فأخطأ أو صحّف، فجعل يصيح ويشغب، فقلت له: أصب، وليكن كلامك كلام النمل، لو صحت إلى النشور ما نفعك.
وحدّثنى التّوّزىّ قال: شهدت الأصمعىّ فقرأ عليه رجل: ما فى بعيرى هاتّة فجوّزها له، ومضى الرجل، فرددت على الرجل فقلت: إنما هى هانّة «١»، والهانّة الشّحم، فسكت الأصمعى وما أجابنى بحرف.
قال: وشهدته أيضا- وقرأ عليه رجل: ما سمعنا العام قابّة- قال الأصمعىّ:
يريد صوت الرعد، من القبيب «٢»، فقلت له: إنما قابّة قطرة من المطر، يقال:
ما سمعنا العام قابّة، أى قطرة مطر- وكان كيسان «٣»، وابن أبى يحيى الغنوىّ حاضرين فوافقانى- فسكت الأصمعىّ.
وحدّثنى عن أبى عمرو الشّيبانىّ قال: كنا بالرّقّة فأنشد الأصمعىّ:
عننا «٤» باطلا وظلما كما تع نز «٥» عن حجرة الرّبيض الظّباء
[ ٨٤ ]
فقلت له: «تعتر» من العتيرة. والشعر للحارث بن حلّزة، وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا بلغت إبل الرجل ألفا فقئوا عين الفحل لتدفع العين عنها، فهو المفقّأ يافتى، وإذا زادت على الألف فقئوا العين الأخرى، فهو المعمّى. وفى ذلك يقول قائلهم «١»:
فقأت لها عين الفحيل «٢» تعيّفا
ومن نذورهم: إذا بلغت إبلى كذا ذبحت كذا وكذا شاة، ثمّ يقولون الظباء شاء، فيذبحون مكان الشاة ظبية مما يصيدون، ويسمّونها العتيرة، وحقّ ذلك أن يكون فى رجب، فذلك قول الحارث بن حلّزة: «عننا باطلا » البيت.