نذكره ونشرح فيه بعض أخبار المعمّرين وأشعار العرب المحدثين فى ذمّ الشيب وفقد الشباب، ومدح من مدح شيبه وذمّ من ذمّه، ووصف إسراعه إليه وتغييره إياه على كثرة ذلك وتفاوته، ونفضّل ما نحكيه من ذلك، ولم اخترنا ما اخترناه.
وبالله الحول والقوة.
حدّثنى الرياشىّ عن الأصمعى قال: كان ربيعة بن نزار يحمل أخاه مضر على عنقه ويقول: اللهم بلّغ به، وكان أكبر منه بنحو من خمسين سنة.
وحدّثنى الرياشىّ عن الأصمعىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد ذهب منه المأكل والمشرب والنكاح: هل تشتهى أن تموت؟ قال: لا، فقيل له:
فما تشتهى؟ قال: أشتهى أن أعيش وأسمع الأعاجيب.
وأنشدنى الرياشىّ لعلىّ بن الغدير الغنوى:
وهلك الفتى ألّا يراح «١» إلى النّدى وألّا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
وحدّثنى الرياشىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: [قيل] لشيخ قد بلغ ثلاثين ومائتى سنة: كيف رأيت عيشك؟ قال: عشت مائة سنة لا أصدّع، وأصابنى فى الثلاثين والمائة ما يصيب الناس «٢» .
[ ٦٨ ]
وحدثنى الرياشىّ قال: سمعت الأصمعى يقول قال أبو عمرو: عاش المستوغر «١» ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عشرين وثلاثمائة سنة. وزعموا أن سعدا تناسلت فى شيبه. وسمعت ابن العجاج قال: مرّ المستوغر بن ربيعة يقود ابن ابنه بعكاظ، فقيل: من ذا؟ قال: ابن ابنى، قالوا: وما رأينا كاليوم فى الكذب مثلك قط، لو كنت المستوغر ما زاد، قال: فأنا المستوغر. وفى حديث آخر: فلما رأوه يقوده ظنّوا أنه أبوه فقالوا: ارفق به فطالما رفق بك، فقال: إنه ابن ابنى.
ويروى من غير وجه أن معاوية قال لجلسائه: أشتهى أن أرى رجلا قد لقى الناس، وسمع الأعاجيب، ورأى من كان قبلنا يحدّثنا عن زمانه، وأين زماننا مما مرّ عليه.
فقيل له: ذاك رجل بحضرموت، فأتى به، فأقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنّ؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: كذبت، وتشاغل عنه بغيره. ثم أقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال:
أمد، قال: ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنين؟ قال:
ثلاثمائة وستون سنة، قال: فحدّثنا عما رأيت من الأزمنة، أين زماننا منها؟ قال:
وكيف تسأل رجلا يكذب؟ قال: أحببت أن أعرف مقدار عقلك، قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، ولد مولود، ووالد مفقود، فلولا من يولد لم يبق على ظهرها أحد، ولولا من يموت لم يسعهم بلد، قال: ما كانت صناعتك؟ قال:
كنت تاجرا، قال: فما بلغت فى تجارتك؟ قال: كنت لا أشترى غبنا، ولا أردّ ربحا، قال: سلنى حاجتك، قال: أسألك أن تدخلنى الجنة، قال: ليس ذاك إلىّ، قال: فأسألك أن تردّ إلىّ شبابى، قال: ولا ذاك إلىّ. قال:
[ ٦٩ ]
فلست أرى بيدك شيئا من أمور الدنيا والآخرة، قال: هو والله ذاك، قال:
فارددنى من حيث جئت، ففعل به ذلك.
ويروى أنه مكتوب فى الحكمة: من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة.
وأنشدت عن الزّبير «١» .
أرجّى شبابا بعد تسعين حجّة لهنّى «٢» لا فى مطمع لطموع
وقال آخر «٣»:
هزئت «٤» أسماء منى وقالت أنت يا بن الموصلىّ كبير
ورأت شيبا علانى فصدّت وابن ستّين بشيب جدير
وقال أحد المحسنين، وهو النّمر بن تولب «٥»:
كانت قناتى لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّى بالسلامة جاهدا ليصحّنى فإذا السلامة داء
وقال بعض الأعراب «٦»:
وللكبير رثيات أربع الرّكبتان والنّسا والأخدع «٧»
ولا يزال رأسه يصّدّع وكلّ شىء بعد ذاك ييجع
وقال الهيثم بن عدىّ: لقى رجل «٨» الهيثم بن الأسود فقال له: كيف تجدك
[ ٧٠ ]
يا أبا العريان؟ قال: أجدنى صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيضّ منى ما كنت أحبّ أن يسودّ، واسودّ منى ما كنت أحبّ أن يبيضّ، واشتدّ منى ما كنت أحبّ أن يلين، ولان منى ما كنت أحبّ أن يشتدّ، ثم قال:
إنى سأنبيك بآيات الكبر تقارب المشى وضعف فى البصر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر وقلة الطّعم إذا الزاد حضر
وتركى الحسناء فى قبل الطّهر وكثرة النسيان فيما يدّكر
والناس يبلون كما يبلى الشجر فهذه أعلام آيات الكبر
وقال أعرابى:
لا بارك الله على وجه الكبر فإنه يأمر للمرء بشرّ
وخبث ريح وبياض فى الشّعر
وقال آخر «١»:
إنى وإن أفنى الزمان نحضى «٢» وأسرعت أيامه فى نقضى
بمنحفات وأمور تمضى «٣» حتّى حنت طولى وضمّت عرضى
وابتزّنى بعضى وأبقى بعضى وقصرت رجلاى دون الأرض
وهمّ أهل ثقتى برفضى ينفع حبّى ويضرّ بغضى
وقال آخر:
قد صرت يا عمرو كأنّى نقض تسوّر الشّيب وخفّ النّحض «٤»
وصار قدّام قيامى نهض وصار لا يحمل بعضى بعض
[ ٧١ ]
يقول: تسوّر الشيب وأنا غافل، أى كما يفعل اللّص، أى تقحم. وقوله: قدّام قيامى نهض. يقول: إذا أردت أن أقوم نؤت أوّلا ثم استقللت، أى صرت كبيرا لا أستقل بنهضتين «١» ولا ثلاث.
وحدّثنى التوّزىّ قال: رأى رجل «٢» من العرب بنيه يركبون الخيل باقتدار، فأعجبه ذلك منهم، فحاول مثل ذلك مرّة أو مرتين، فأعجزه الوثوب، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه. وقال بعضهم:
يموت منّى كلّ يوم شىّ وأنا فى ذاك صحيح حىّ
وكم عسى ما قد يدوم الفىّ «٣» وآخر الداء العياء الكىّ
وحدّثنى الرياشىّ- ولا أحفظ عمن حدّثنيه- قال: دخل أبو الأسود الدّئلىّ على عبيد الله «٤» بن زياد فقال يهزأ به: يا أبا الأسود، لو علّقت عليك تميمة! فإنك جميل الوجه، فقال أبو الأسود «٥»:
أفنى الشباب الذى أفنيت جدّته مرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لى فى طول اختلافهما شيئا يخاف عليه لذعة الحدق
وأنشد:
من يشترى شيخين منّى بفتى إنّ الشيوخ فيهم كلّ أذى
قال أبو العباس: كانت العرب تذكر الشيب فى أشعارها إمّا مدحا وإما ذمّا، وشعرهم فى ذمّه أكثر منه فى مدحه. ويروى أنه قيل: ما بال شعركم فى الشيب أحسن أشعاركم فى سائر قولكم؟ قالوا «٦»: لأنا نقوله وقلوبنا قرحة.
[ ٧٢ ]
وقال يونس النحوى: ما بكت العرب على شىء بكاءها على الشباب، وما بلغت به كنه ما يستحقّ. ويروى أن بعضهم رأى يوما شيبة فى رأسه فقال: شرّ بديل وخير مبدول. وقال ابن قيس الرّقيّات «١»:
رأت «٢» بى شيبة فى الرأ س منى ما أغيّبها
فقالت «٣»: أبن قيس ذا؟ وبعض الشيب يعجبها
أى تتعجّب منه، ليس أنها معجبة به. وأنشدنى أبو العالية «٤»:
يا ربّ بيضاء على مهشّمه أعجبها أكل البعير الينمه «٥»
بيضاء: امرأة. ومهشّمة: موضع، أعجبها أى تعجّبت منه، كما قال الجعدىّ يصف ثورا:
فأراه صورة تعجبه
وقال النمر بن تولب:
لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى خلائق منها لم تكن من شمائلى
مطاوعتى من كنت لست أطيعه وأنى أرى بثّى عن اللهو شاغلى
وبدّل رأسى الشيب بعد سواده فأصبحت ذا شغل وأقصر باطلى
وأصبحت قد أعرضن عنى وسؤننى وأخلفننى عهد الخليل المماطل
ألا إن شيب الرأس ليس بأفة تضيرك إلا فى النساء الجواهل
وحدّثنى الرياشى قال: تزوّج عبد الله بن عامر بأم كلثوم بنت معاوية، فنظر إلى وجهه فى المرآة مع وجهها فرأى شيبة فى لحيته، فقال لها: أيتها المرأة، الحقى بأهلك،
[ ٧٣ ]
فلما جاءت إلى أبيها قال لها: لعلك أسأت عشرة زوجك، قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أدرى لم طلّقنى؟ فوجّه إليه معاوية فأحضره، فقال: ما أنكرت من أهلك؟
قال: لا شىء والله يا أمير المؤمنين، إلا أنى نظرت إلى وجهى ووجهها فى المرآة، فرأيت شيئا قد ظهر بى، فكرهت أن يفسد شبابها معى، فطلقتها لتتمتّع بالأزواج.
وقال جرير فى كلمة له «١»:
يا قلّ خير الغوانى كيف رعن به فشربه وشل فيهنّ تصريد
أعرضن من شمط فى الرأس مشتعل فهنّ عنى إذا أبصرننى حيد
قد كنّ يعهدن منّى مضحكا حسنا ومفرقا حسرت عنه العناقيد
فهنّ ينشدن منى بعض معرفة وهن بالودّ لا بخل ولا جود
قد كان عهدى حديثا فاستبدّ به والعهد متّبع ما فيه منشود
فقلن لا أنت بعل «٢» يستقاد له ولا الشباب الذى قد فات مردود
كأنما باتت الصّردان «٣» تنتفه حتى تطاير عنه طيره السود
هل الشباب الذى قد فات مردود أم هل دواء يردّ الشيب موجود
لن يرجع الشّيب شبّانا ولن يجدوا عدل الشباب لهم ما أورق العود
إن الشباب لمحمود بشاشته والشيب منصرف عنه ومصدود
وأنشدنى مسعود «٤» بن بشر:
قعد «٥» الشيب بى عن اللّذّات ورمانى بجفوة القينات
فإذا رمت ستره بخضاب فضحته طلائع الناصلات
[ ٧٤ ]
ما رأيت إلّا الشباب إلّا سرابا غرّنى لمعه بأرض فلاة
فإذا ما دعاك للكأس داع قيل ما للكبير والنّشوات
لست بعد الشباب ألتذّ بالعيد ش فدعنى بغصّة العبرات
إنّ فقد الشباب أنزلنى بع دك دار الهموم والحسرات
ورمانى بحادث الدهر شيب قارعتنى أيّامه عن حياتى
وقال الطائى «١»:
أرى ألفات قد كتبن على راسى بأقلام شيب فى صحائف أنقاسى «٢»
فأن تسألينى من يخطّ كتابها فكفّ الليالى تستمدّ بأنفاسى
جرت فى قلوب الغانيات لشقوتى «٣» قشعريرة من بعد لين وإيناس
وقد كنت أجرى فى حشاهنّ مرّة مجارى معين الماء فى قضب الآس
وقال أبو العتاهية «٤» فى مثل قوله:
فكفّ اللّيالى تستمدّ بأنفاسى
الشيب كره وكره أن يفارقنى أعجب بشىء على البغضاء مودود
يمضى الشباب وقد يأتى له خلف والشيب يذهب مفقودا بمفقود
ومثله قول الآخر وهو علىّ بن محمد العلوىّ «٥»:
لعمرك للمشيب علىّ ممّا فقدت من الشباب أشدّ فوتا
تملّيت الشباب فصار شيبا وأبليت المشيب فصار موتا
[ ٧٥ ]
وقال الحسن: الشباب الصحة، والسلطان المال، والعزّ الغنى عن الناس.
وأنشدنى مسعود «١» بن بشر فى مدح الشيب لكثيّر فى عبد الملك بن مروان «٢»:
رأيت أبا الوليد غداة جمع به شيب وما فقد الشبابا «٣»
ولكن تحت ذاك الشيب حزم إذا ما ظن أمرض «٤» أو أصابا
وقال إبراهيم بن المهدى «٥»:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب!
لقد جلّ قدر الشّيب إن كان كلّما بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وقال آخر:
ألقى عصاه وأرخى من عمامته وقال ضيف فقلت الشّيب قال أجل
فقلت أخطأت دار الحىّ قال ألا تمّت لك الأربعون الحول ثم نزل
لله شيب رمى قلبى بلوعته كأنما اعتمّ منه مفرقى بجبل
وأنشد إسحاق:
كان الشباب كخضاب فنصل واختاره الشيب محلّا فنزل
فأزعج الشيب الشباب فارتحل والشيب داء قاتل وإن مطل
ولأبى العتاهية «٦»:
يا خاضب الشيب بالحنّاء تستره سل المليك له سترا من النار
لن يرحل الشيب عن دار ألمّ بها حتى يرحّل عنها صاحب الدار
[ ٧٦ ]
وكان الخضاب يستحبّ. وقد خضب أبو عبد الله الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما. ويروى أنّ قائلا قال للرضىّ: أأخضب؟ قال: نعم، بالحنّاء والخطر «١»، ثم قال: أما علمت أن لك فى ذلك أجرا؟ قال: وكيف؟ قال: ألا تعلم أنها تحبّ أن ترى منك مثل الذى تحبّ أن ترى منها؟ لقد خرج نساء من العفّة ما أخرجهن إلّا قلّة هيئة أزواجهن لهن. قال وأنشد:
الشيب زهّد فيك من تصل ولقد جفا بك بعده الغزل
ولذاك ما قالت لجارتها هيهات شيّخ بعدنا الرجل
قولى له يختار بى بدلا من حيث شاء فلى به بدل
وقال آخر «٢»:
رأين الغوانى الشيب لاح بعارضى فأعرضن عنّى بالحدود النواضر
وكنّ إذا أبصرننى [أ] وسمعن بى سعين فرقّعن الكوى بالمحاجر «٣»
وقال محمد «٤» بن عبد الملك الزيات يشتكى مصابه ويذكر فجيعته ويبكى على زمانه:
عريت من الشباب وكنت غضّا كما يعرى من الورق القضيب
ونحت على الشباب بدمع عينى فما نفع البكاء ولا النحيب
فيا أسفا أسفت على شباب نفاه «٥» الشيب والرأس الخضيب
ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب
[ ٧٧ ]