أنشدنى أبو محمد التّوزىّ عن أبى عبيدة لأخت عمرو ذى الكلب ترثيه فى كلمة «٢» وصفته فيها فأطنبت، وعدّدت فضائله فأكثرت، وذكرت عظم فقده ومبلغ قدره فى حياته وانحطاط كل فخر وذكر بعد موته، وهو:-
يا من بمقتله زهى الدهر قد كان فيك تضاءل البدر «٣»
كنت المجير عليه تقهره فإذا سطوت فقد سطا القهر
وإذا سكتّ فإنها عدة وإذا نطقت تدفّق البحر
وإذا نظرت إلى أخى عدم أثرى وزال بلحظك الفقر
وإذا رقدت فأنت منتبه وإذا بدوت فوجهك البدر
والله لو بك لم أدع أحدا الا قتلت لفاتنى الوتر
[ ٥٩ ]
ما زال يحسد بطن أرضك ظهرها إذ تمّ أمرك واستوى القدر
حتى حللت ببطنها فتقدّست فاليوم يحسد بطنها الظهر «١»
وهذا من أحسن المعانى وألطفها. ولها فيه أيضا كلمة أوّلها «٢»:
سألت بعمرو أخى صحبه فأوحشنى حين هابوا السؤالا
وقالوا تركناه فى غارة بآية ما قد ورثنا «٣» النّبالا
أتيح له نمرا أجبل فنالا لعمرك منه منالا
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك إذن نبّها منك داء غضالا
إذن نبّها ليث عرّيسة مفيدا مفيتا نفوسا ومالا «٤»
وكان سبب وفاته أن النمر وثب عليه فقتله. وفى هذه القصيدة من حرّ الكلام وصادق المدح قولها:
وخرق تجاوزت مجهوله بوجناء حرف تشكّى الكلالا «٥»
فكنت النهار به شمسه وكنت دجى الليل فيه الهلالا
فما بلغت مدحتى لامرئ يزمّ الكماة ويعطى النوالا «٦»
وينزل فى غمرات الحروب إذا كره المحجمون النزالا
ومما اخترناه منها قولها:-
وخوف وردت وثغر سددت وعلج شددت عليه الحبالا
[ ٦٠ ]
ومال حويت وخيل حميت وضيف قريت يخاف الوكالا
وأبراد عصب وخطّيّة بنيت لقومك منها الظّلالا
وقالت امرأة من بنى أسد ترثى ابنها «١»:
لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل «٢» قرى للصفيح البيض والأسل السمر
لعمرى لقد أرديت «٣» غير مزنّد ولا مغلق باب السماحة بالعذر
فتى لم يزل مذ شدّ عقد إزاره مشيد معال أو مقيما على ثغر
فتى لم يكذّب فعله نادباته بما قلن فيه لا ولا المادح المطرى
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه فطيب تراب القبر دلّ على القبر
فيقال إن هذا أرثى بيت قالته العرب.
وقال أحد المحسنين «٤» أيضا:
وأخ رمانى الدهر فيه بفقده فالوجد من قلبى عليه دخيل
هيهات لا يأتى الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل
وقال آخر:
هاتوا فتى يكفى مقام محمّد هيهات ذلك واحد لا يوجد
وهذا من الأبيات النادرة، وكذلك سبيلنا فيما نحكيه فى كتابنا.
[ ٦١ ]
وقال «١»:
جلّت صنيعته فعمّ مصابه فالناس فيه كلّهم مأجور
فالناس مأتمهم عليه واحد فى كلّ دار رنّة وزفير
تجرى عليك دموع من لم توله خيرا لأنك بالثناء جدير
ويشاكل هذا الباب قول عمارة بن عقيل لخالد بن يزيد بن مزيد «٢»:
أرى الناس طرّا حامدين لخالد وما كلّهم أفضت إليه صنائعه
ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى إذا كرمت أعراقه وطبائعه
فتى أمعنت ضراؤه فى عدوّه وخصّت وعمّت فى الصديق منافعه
وأنشدنى عمارة بيتين لحرير يرثى بهما أخويه عمرا وحكيما «٣»:
خليلىّ كم من زفرة قد رددتها ومن ظلمة وارت علىّ ضحى حجرا
إذا ما دعا قوم علىّ أخاهم دعوت فلم أسمع حكيما ولا عمرا
وحدّثنى الرياشى فى إسناد ذكره قال قال عمر بن الخطاب للخنساء: ما أقرح مآقى عينيك؟ قالت: بكائى على السادات من مضر. قال: يا خنساء، إنهم فى النار قالت: ذلك أطول لعويلى.
ويروى أنها قالت: كنت أبكى لصخر على الحياة وأنا أبكى له اليوم من النار.
[ ٦٢ ]
وهذا نظير ما يروى أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه- قال لمتمم بن نويرة حين سمعه ينشد فى أخيه مالك «١»:
لا يمسك العوراء تحت ثيابه حلو شمائله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدرع كنت وحاسرا ولنعم مأوى الطارق المتنوّر
لوددت أنك رثيت أخى بما رثيت به أخاك، فقال له: يا أبا حفص، لو أعلم أن أخى صار حيث صار أخوك ما رثيته، يقول: إن أخاه قتل شهيدا. فقال عمر: ما عزّانى أحد بمثل تعزيته. وفى حديث آخر أنه رثى زيد بن الخطاب فلم يجد، فقال عمر: لم أرك رثيت زيدا كما رثيت مالكا! فقال: إنه والله يحرّكنى لمالك ما لا يحرّكنى لزيد.
وأنشدنى «٢» الرياشىّ لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز فى عاصم بن عمر أخيه:
لئن تك أحزان «٣» وفائض عبرة أمرن نجيعا من دم الجوف منقعا
تجرّعتها فى عاصم واحتسيتها لأعظم منها ما احتسى وتجرّعا
فليت المنايا كنّ صادفن غيره «٤» فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن يرثى أخاه «٥» محمدا:
أبا المنازل يا عبر الفوارس من يفجع بمثلك فى الدنيا فقد فجعا
[ ٦٣ ]
الله يعلم أنّى لو خشيتهم أو أوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوك ولم أسلم أخى لهم حتى نعيش جميعا أو نموت معا
قال: وكان قتله فى المعركة عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس وهو «١» الذى قتل أخاه- ويروى أنه قال: ما استغفرت الله قطّ من قتلهما.
وأنشدنى الرياشى لابن ميّادة «٢» فى رياح بن عثمان بن حيان المرّى وقتل معه محمد بن عبد الله بن حسن:
أمرتك يا رياح بأمر حزم فقلت هشيمة من آل «٣» نجد
نهيتك عن رجال من قريش على محبوكة الأصلاب جرد «٤»
ووجدا ما وجدت على رياح وما أغنيت شيئا غير وجدى
ويروى «٥» لعلىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه بيتان فى النبى ﷺ، وهما:
فو الله لا أنساك أحمد ما مشت بى العيس فى أرض وجاوزت واديا
وإنى متى أهبط من الأرض تلعة «٦» أجد أثرا منها «٧» جديدا وعافيا
ويروى أنه لما مات أخو الحسن البصرى أجهش عليه بالبكاء، فقال له رجل:
وأنت يا أبا سعيد تبكى! فقال: لقد بكى يعقوب على يوسف حتى ابيضّت عيناه فما
[ ٦٤ ]
عيره الله بذلك. وقال رسول الله صلّى الله عليه: «ما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن القسوة والشيطان» .
ويروى أن عبيد الله بن العباس كان عاملا لعلىّ بن أبى طالب ﵁ على اليمن، فخرج إلى علىّ واستخلف على صنعاء عمرو بن أراكة الثقفى، فوجّه إليه معاوية بسر بن أرطاة، فقتل عمرو بن أراكة، فجزع عليه أخوه عبد الله فقال أبوه «١» فى كلمة له:
وقلت لعبد الله إذ جدّ باكيا حزينا وماء العين منحدر يجرى
لعمرى لئن أتبعت عينيك ما مضى به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر
تأمّل فإن كان البكا ردّ هالكا على أحد فاجهد بكاء على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أجنّه علىّ وعباس وآل أبى بكر «٢»
وكان بسر قتل خلقا باليمن- يقول بعضهم- حتى أخاض الخيل فى الدماء.
وكان فيمن قتل طفلان لعبيد «٣» الله بن العباس أخذهما من المكتب، فروى أنه قتلهما وهما يقولان: يا عمّ لا نعود. وأما الرواية الفاشية التى كأنها إجماع فإنه
[ ٦٥ ]
أخذهما من تحت ذيل أمّهما- وهى امرأة من بنى الحارث بن كعب- ففى ذلك تقول لما خرج بهما من عندها:
ألا من بيّن الأخوي ن أمّهما هى الثّكلى
تسائل من رأى ابنيها وتستبغى فما تبغى «١»
وقالت أيضا «٢»:
يا من أحسّ بنيّى اللذين هما كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف
يا من أحس بنيّى اللذين هما قلبى وطرفى فقلبى اليوم مختطف
يا من أحسّ بنيّى اللذين هما مخّ العظام فمخّى اليوم مزدهف «٣»
نبّئت بسرا وما صدّقت ما ذكروا من قولهم ومن الإفك الذى اقترفوا
أنحى على ودجى شبلىّ مرهفة من الشّفار، كذاك البغى يقترف
ويروى أن عمر بن الخطاب عزّى أبا بكر رحمة الله عليهما عن طفل له فقال:
عوّضك الله منه ما عوّضه منك، فإن الطفل يعوّض من أبويه الجنّة. وقال رسول الله صلّى الله عليه: «إن الطفل لا يزال محبنطئا «٤» على باب الجنّة يقول:
لا أدخل الجنة حتى يدخل أبواى» .
[ ٦٦ ]
وقال العتبى يرثى بنيه- وكانوا ستة توالوا موتا:
يا ستّة أودعتهم حفر البلى لخدودهم عفر الجبوب وساد «١»
منعوا جفونى أن يصافح بعضها بعضا فهنّ وإن قربن بعاد
لم تبق عين أسعدت ذا عبرة إلا بكت حتى بكى الحسّاد
وله أيضا فيهم «٢»:
وكنت أبا ستّة كالبدو ر قد فقئوا أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات المنون كمرّ الدراهم بالناقدينا
فألقين هذا إلى ضارح «٣» وألقين هذا إلى لاحدينا
فما زال ذلك دأب الزما ن حتى أبادهم أجمعينا
وحتّى بكى لى حسّادهم وقد أتعبوا بالدموع العيونا «٤»
وحسبك من حادث بامرئ ترى حاسديه له راحمينا
فمن كان يسليه مرّ السنين فحزنى يجدّده لى السنونا
وقال مسلم بن الوليد يرثى أخاه فى كلمة «٥» له:
وإنى وإسماعيل يوم فراقه لكالغمد يوم الرّوع فارقه النصل
فإن آت قوما بعده أو أزرهم «٦» فكالوحش يدنيها من القنص المحل
[ ٦٧ ]
قال أبو العباس: قصدنا فيما نحكيه فى كتابنا هذا حسن الاختيار وكثرة الاختصار، وذكر ما يستغنى به عن غيره، ويقنع بمثله عن نظيره، وإنما نذكر فى كل باب أحسن ما روى لنا فيه، وأطرف ما نمى إلينا منه. ولو ذهبنا نستقصى آخر هذا الباب لمدّ بنا الحديث وطال بنا القول. والحمد لله الموفق المعين.