من الأخبار المستحسنة التى لا تدخل فى جملة ما نقل منها ولا تشاكل ما ذكرناه قبلها.
حدّثنى العتبىّ فى إسناد عن أبى خالد مولى عمرو «٤» بن عتبة قال قال محمد بن عمرو ابن عتبة: جاءت هذه الدولة- يعنى دولة ولد العبّاس- وأنا حديث السنّ متفرق الأموال خائف العيال، وكنت لا أنزل سكّة من سكك البصرة إلا شهر مكانى، فرأيت أن
[ ٥٤ ]
أقى عيالى بنفسى، قال أبو خالد: قال لى: موعدك غدا باب الأمير سليمان بن على، فبكرت فإذا به قد أقبل وعليه سراويل وشى، قد أسدلها على قدميه، وطيلسان مطبق، فقلت فى نفسى إنا لله! ما تصنع الحداثة بأهلها. فلما دنا قلت: إن هذا اللباس ليس من لباس هذا اليوم، قال: صدقت والله ولكن ليس عندى إلا ما هو أشهر منه، فلففت سراويله حتى بلغت بها ركبتيه، وأخذت طيلسانه إلىّ وأعطيته طيلسانى، ثم قلت:
ادخل الآن، فدخل، فلبث شيئا ثم خرج إلىّ ضاحكا، فقلت: ما كان بينك وبين الأمير؟ قال: مثلت بين يديه ولم يكن رآنى قبلها فقلت: أصلح الله الأمير! ساقنى البلاء إليك، ودلّنى فضلك عليك، فإما قبلتنى غانما، وإما رددتنى سالما. فقال: من أنت أعرفك؟ فانتسبت له، فقال لى: اقعد يابن أخى فتكلم غانما سالما.
فجلست فقلت: أيها الأمير إن هؤلاء الحرم اللواتى هنّ حرمكم بعدنا وأنتم فيهنّ شركاؤنا، وقد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. فقال: ما أجابنى إلا بعبرته.
فقال: بل يحقن الله دمك، ويصون حرمك، ويجمع لك مالك، ولو أمكننى مثل ذلك فى جميع أهلك لفعلت، فكن مستترا كظاهر، واكتب إلىّ فى حاجاتك.
فقال: كان والله يكتب إلىّ كما يكتب الرجل إلى أبيه أو عمه. قال: فلما قضى حديثه رددت إليه طيلسانه، فقال: مه! فإن ثيابنا إذا فارقتنا لا ترجع إلينا.
ويروى أنّ مروان الجعدىّ كتب إلى عبد الله بن علىّ: إنى أظنّ هذا الأمر صائر إليكم، فإن كان ذلك فاعلم أن حرمنا حرمكم والسلام. فكتب إليه عبد الله: إن الحق لنا فى دمك، والحق علينا فى حرمك.
وحدّثنى على بن القاسم الهاشمى قال بينما «١» الخيزران قاعدة ذات يوم قيل لها إن ببابك امرأة حسناء، وعليها ثياب بذّة تطلب الإذن عليك، وقد سئلت عن اسمها
[ ٥٥ ]
فأبت أن تخبر به، فقالت لزينب بنت سليمان بن علىّ: ما ترين؟ فقالت: تدخل فإنه لا بدّ من فائدة أو ثواب. فأذنت لها، فدخلت، فقالت: أنا مارية امرأة مروان ابن محمد الأموى، فقالت زينب: أأنت مارية؟ فلا حياك الله! والحمد لله الذى أدال منك، أما تذكرين يا عدوّة الله حيث أتاك عجائز قومى وأهل بيتى يسألونك مسألة صاحبك فى دم إبراهيم الإمام فوثبت عليهنّ وأسمعت ما أسمعت، وأمرت بإخراجهنّ! قال: فضحكت مارية، فلا ينسى حسن ثغرها وعلوّ صوتها بالقهقهة.
ثم قالت أيا بنة عمّ، أى شىء أعجبك من صنع الله بى على العقوق حتى أردت أن تتأسّى بى! فهبينى أنى فعلت بنساء قومك ما فعلت ثم ساقنى الله خاضعة ذليلة عريانة، فكان هذا مقدار شكرك لله على ما أولاك فىّ. ثم ولّت وقالت: السلام عليكنّ، فقالت الخيزران: ليس هذا لك عافاك الله! علىّ استأذنت، وإيّاى قصدت فارجعى! فقالت: نعم، وإن مما يردّنى الجوع والضّرّ. فدعت الخيزران بالخلع لها ثم قالت: افرشوا لها المقصورة الفلانية، وقالت: والله لا يفرّق بيننا إلا الموت. فما فرّق بينهما إلّا الموت.
ونمى إلىّ من ناحية زبير قال: اعترض رجل من بنى أميّة يحيى بن خالد البرمكى، فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتى أن توصلنى إلى أمير المؤمنين الرشيد- وعرّفه نفسه- فقال له: إن أمير المؤمنين يكره أهل هذا البيت، فإن كانت لك حاجة كنت لك فيما تريده دون أمير المؤمنين، قال: ما بى حاجة إلى غيره، وهذه حاجتى إليك.
فدخل إليه يحيى فصادفه طيّب النفس، فقال: يا أمير المؤمنين إن لى حاجة، فقال له: قل يا أبا على، فأخبره بقصّة الأموىّ. فقال: ما أكره ذلك، فأتى به فسلّم عليه ودعا فأحسن، ثم أنشأ يقول:
[ ٥٦ ]
يا أمين الله إنّى قائل قول ذى رأى ودين وحسب
لكم الفضل علينا ولنا بكم الفضل على كلّ العرب
من يقل غير مقالى فلقد ضلّ فى الحكم ضلالا وكذب
عبد شمس كان يتلو هاشما وهما بعد لأمّ ولأب