أنشدنى المازنى لعبد الله بن الدّمينة الخثعمىّ «٢»:
ولما لحقنا بالحمول ودونها خميص الحشا توهى القميص عواتقه «٣»
قليل قذى العينين نعلم أنّه هو الموت إن لم تلق عنا بوائقه
عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها علينا وتبريح من الغيظ خانقه
فسايرته مقدار ميل وليتنى بكرهى له ما دام حيّا أرافقه
فلما رأت أن لا وصال وأنّه مدى الصّرم مضروب علينا سرادقه
رمتنى بطرف لو كميّا رمت به لبلّ نجيعا نحره وبنائقه
ولمع»
بعينيها كأن وميضه وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه «٥»
[ ٢٣ ]
وقال توبة بن الحميّر فى كلمة له «١»:
لكلّ لقاء نلتقيه بشاشة وإن كان حولا كلّ يوم أزورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابنى منها الغداة سفورها
وقد رابنى منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتى وبسورها
ألا إنّ ليلى قد أجدّ بكورها وزمّت غداة السبت «٢» للبين عيرها
فما أمّ سوداء المحاجر مطفل بأحسن منها مقلتين تديرها «٣»
وكنت إذا ما جئت قلت لها اسلمى فهل ترفى قولى «اسلمى» ما يضيرها!
قوله: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت، كان النساء إذا أنكحن أبرزن وجوههنّ ليعلمن أن لا سبيل إليهنّ، وكذلك قال:
وقد رابنى منها الغداة سفورها
وقال فى هذه القصيدة:
وأشرف بالقور اليفاع لعلّنى أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
حمامة بطن الواديين ترنّمى سقاك من الغرّ العذاب مطيرها
أبينى لنا لا زال ريشك ناعما ولا زلت فى خضراء دان «٤» بريرها
[وقال آخر «٥»]:
تعرّضن مرمى الصيد ثم رميننى من النّبل لا بالطّائشات الخوالف
[ ٢٤ ]
ضعائف يقتلن الرّجال بلا دم فيا عجبا للقاتلات الضعائف!
وللعين ملهّى فى التّلاد ولم يقد هوى النفس شىء كاقتياد الطّرائف
وقال آخر «١»:
أروح ولم أحدث ليلى زيارة لبئس إذا راعى المودّة والوصل
تراب لأهلى لا ولا نعمة لهم لشدّ إذا ما قد تعبّدنى أهلى
وقال الشّمردل اليربوعىّ «٢»:
وما أنصفت ذلفاء أمّا دنوّها فهجر وأما نأيها فيشوق
تباعد ممّن واصلت وكأنّها لآخر ممّن لا تودّ صديق
يقول: لتنفى الريبة عن نفسها.
وقال آخر «٣»:
وأعرض حتى يحسب الناس أنّما بى الهجر، لا ها الله! ما بى لك الهجر
ولكن أروض النفس أنظر هل لها إذا فقدت يوما أحبّتها صبر
وقال آخر «٤»:
فإن كان هذا منك حقّا فإنّنى أداوى الذى بينى وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرّة طوى ودّه والطىّ أبقى من النّشر
[ ٢٥ ]
وقال أعرابىّ فصيح «١»:
أيا ربوة الرّبعين حيّيت ربوة على النّأى منّا واستهلّ بك الرعد
قضيت الغوانى غير أن مودّة لذلفاء ما قضّيت آخرها بعد
فإن تدعى نجدا أدعه ومن به وإن تسكنى نجدا فيا حبّذا نجد
فرى نائبات الدّهر بينى وبينها وصرف الليالى مثلما فرى البرد
إذا قيل يوم الوعد أدنى لقائنا «٢» فلا تعذلينى أن أقول متى الوعد؟
ولكثيّر «٣»:
وأنت التى حبّبت شغبا إلى بدا «٤» إلىّ وأوطانى بلاد سواهما
حللت بهذا مرّة ثم مرّة بهذا فطاب الواديان كلاهما
وأنشدنى الرّياشى لذى الرمّة «٥»:
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه بلا إحنة بين الصدور ولا ذحل
تبسّمن عن نور الأقاحىّ فى الثرى وفتّرن عن أبصار مكحولة «٦» نجل
وشفّفن «٧» عن أجياد غزلان رملة هجان فكان القتل أو شبه القتل
وإنّا لنرضى حين نشكو بخلوة إليهنّ حاجات النفوس بلا بذل
وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلنا ولكن جرت أخلاقهنّ على البخل
وأنشدنى الرياشىّ لذى الرّمة «٨»:
لعمرى لوجه الأرض إذا أنتم به أشدّ اغتباطا بالأنيس وأخصب
[ ٢٦ ]
من الأرض إذ فارقتموها وبدّلت بكم غير من أهوى وللماء أعذب
وفى الركب جثمانى ونفسى رهينة بزينب لم أذهب بها حيث أذهب
وأنشدنى مسعود بن بشر لمعروف بن زريق:
ولست بناسيها عشيّة فتّلت أناملها وارفضّ منها المدامع
وأترابها اللّاتى يقلن اقتتلنه فما لنواه بعد ذا اليوم جامع
فقلت اقتلا قتلا رفيقا وأجملا فعال «١» امرئ يوما به الموت واقع
فقالت وبيت الله لا تقتلانه ولكن سلاه لى متى هو راجع
وقال الصّمة بن عبد الله «٢» القشيرىّ:
ألا من لقلب قد أصيبت مقاتله به غلّة عادية «٣» ما تزايله
ومعتصب بالبين لم تستطع له كلاما ولم تصرم لبين حبائله
وقال آخر:
لو انّ لك الدنيا وما عدلت بها سواها وليلى بائن عنك بينها
لكنت إلى ليلى فقيرا ولو جرت عليك تناعيم الحياة ولينها
وقال آخر «٤»:
لعلّك يوما أن ترى أمّ واهب ويجمعنا من نخلتين طريقى
وتنضمّ أعناق المطىّ وبيننا لغى من حديث دون كل رفيق
[ ٢٧ ]
وقال كثيّر:
رأيت وعينى قرّبتنى لما ترى إليها وبعض العاشقين قتول
عيونا جلاها الكحل أمّا ضميرها فعفّ، وأما طرفها فجهول
فسلك العباس بن الأحنف هذا المعنى فى شعره:
أتأذنون لصبّ فى زيارتكم فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس به عفّ اللسان «١» ولكن فاسق النظر
وقال كثير «٢»:
رمتنى على قرب بثينة بعد ما تولّى شبابى وارجحنّ شبابها
بعينين لو أبدتهما ثم كلّمت سحاب الثريّا لاستهل سحابها
وأنشدنى التّوزىّ عن الأصمعىّ «٣»:
من ذا رسول ناصح فمبلّغ عنّى عليّة غير قيل الكاذب
أنى غرضت إلى تناصف وجهها غرض المحبّ إلى الحبيب الغائب
قال الأصمعى: سألت عيسى بن عمر عن التناصف فقال: هو أن تكون العينان مثل الأنف فى الحسن. قال ويقال: غرضت إلى لقائك وجعت وعطشت، وإنى إليك لأصور، وإنى إليك لملتاح، وإنى لأجاد إلى لقائك. وقال:
وإنى لأمضى الهمّ عنها تجمّلا وقلبى إلى أسماء عطشان جائع
[ ٢٨ ]
وقال الأقرع بن معاذ:
سلام على من لا يملّ حديثه وإن عاشرته النفس عصرا إلى عصر
وما الشمس يوم الدّجن وافت فأشرقت وما البدر وافى تمّه ليلة البدر
بأحسن «١» منها بل تزيد ملاحة بذى السّرح أو وادى المياه خيامها
إذ ابتسمت فى الليل والليل مظلم أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها