أنشد منشد فى صفة درع «٢»:
وكلّ ذيّالة قضّاء «٣» تحسبها نهيا بقاع علته الريح مشمول
تنفى السرى وجياد النّبل تتركها من بين معتسف كسرا ومفلول
يقول: هذه الدرع سابغة الذيل، شبّهها بغدير أصابته الشمال فاطّرد ماؤه وتجعّد.
والنّهى، بالفتح: الغدير. ويقال: نهى بالكسر أيضا. وزعم الأصمعىّ أنه سمّى نهيا لأنه ينهى الماء أن يفيض عنه، «٤» وقال جرير:
فما ثغب باتت تصفّقه الصّبا بسرّاء نهى أتأقته الروائح
[ ٤٣ ]
الثّغب، مفتوح ساكن: الماء الصافى، وهو الذى لو وقع فيه دعموص «١» لكدّره.
وقوله: أتأقته، أى طردته كذا مرّة، وكذا مرّة، يقال: أتأقت الإناء وأترعته وأدهقته أى ملأته. وفى المثل «٢» «أنا تئق وأنت مئق فكيف نتّفق» - يقول:
أنا سريع الغضب ممتلئ منه، وأنت مغيظ، فليس يقع بيننا اتفاق. وقوله: تنفى السّرى، وهو الصغار من النبل، يقال للواحدة سروة وسروة لضيق حلقها، وقوله:
وجياد النبل تتركها، أى تحطمها وتجعلها كسرا. معتسف، لأنه على غير قصد قال النمر بن تولب «٣»:
وقد رمى بسراه اليوم معتمدا فى المنكبين وفى الساقين والرّقبه
وأنشد رجل من قريش:
ولست بزمّيلة نأنأ [خفىّ] «٤» إذا ركب العود عودا
ولكنّنى أحمل المؤنسات إذا ما الرجال استخفّوا الحديدا
قوله: إذا ركب العود عودا، أى إذا ركب السهام على القسىّ. والنأنأ: الضعيف، (مهموز مقصور) . والمؤنسات من السلاح: السيف والرمح والقوس والترس. وقوله:
إذا ما الرجال استخفّوا الحديد، أى فى الحرب، يقول: إذا فزع الرجال أو خافوا خفّ ما عليهم من السلاح وإن كان ثقيلا.
وأنشدنى التوّزىّ:
ورسم دار مقفر الجناب يزداد عمرانا من الخراب
يصف دارا تزداد عمرانا من الخراب بالموتى الذين يدفنون فيها.
[ ٤٤ ]
وأنشدنى المازنى:
كأن تحت البطن منه أكلبا بيضا صغارا ينتهسن المنقبا «١»
يصف فرسا يعدو، فإذا عدا ارتفعت قوائمه وبها تحجيل فصارت قرب بطنه، فشبّه تحجيله وتقليبه يديه ورجليه «٢» من شدّة جريه واقترابهما من بطنه إذا رفعهما بكلاب بيض صغار ينتهسنه، فهو ينفر منها، وهو أشدّ لجريه.
وأنشد الأصمعى قول الشاعر «٣»، ولم نر تشبيها فى بيت أحسن من هذا:
كأنّ مثار النقع فينا وفيهم وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
شبه الغبار بالليل، وشبه السيوف فى الغبار بالكواكب المنقضّة فى الليل. وأنشد:
يحملن أوعية السّلاف كأنّما يحملنها بأكارع النغران «٤»
شبّه أغصان العنب وما يتشعّب منها بأكارع النّغران، هى عصافير. وقال آخر:
وحيّات نربّيها لتجدى علىّ قبورها بعد الممات
يعنى دود القزّ. وقال ابن البراء الجعدى- ويقال للنابغة الجعدى «٥»:
أرار الله مخّك فى السّلامى على من بالحنين تعوّلينا
فلست وإن حننت أشدّ شوقا ولكنّى أسرّ وتعلنينا
ويروى: «أرانى الله مخّك» والرار والرّير: المخّ الرقيق الذائب.
وقال الأصمعى: آخر ما يبقى من المخّ والسمن فى الدابّة فى سلاماها وعينها، فدعا عليها بالهزال والهلاك.
[ ٤٥ ]
وقال الراجز «١»:
لا يشتكين عملا ما أنقين ما دام مخّ فى السّلامى أو عين
قال أبو زيد: السّلامى: الفراسن وعصبها، والنّقى: المخّ. وقوله ما أنقين، أى ما دام مخّ فيهنّ. وقال آخر «٢»:
طلب الأبلق العقوق فلمّا لم ينله أراد بيض الأنوق
هذا مثل، يقول: طلب ما لا ينال ولا يكون، والأصل أن العقوق الحامل من الخيل.
والأبلق الذّكر، والأنوق الرّخم، وإنما يكون فى أصعب المواضع على رءوس الجبال حيث لا يوصل إليه. وهو مثل قول الهذلىّ عديل بن الفرخ العجلى «٣»:
بيض الأنوق كسّرهنّ ومن يرد بيض الأنوق فإنه بمعاقل
والمعاقل: جمع معقل وهو الحرز، قال: وأنشدنى المازنىّ «٤»:
ومستأسد يندى كأنّ ذبابه أخو الخمر هاجت شوقه فتذكّرا
المستأسد: النبات الملتفّ الكثير. يندى، من الندى، وأخو الخمر: الذى يشربها.
وهاجت، يعنى الخمر، وشوقه، يعنى الشارب. والمعنى أنه شبه صوت الذباب فى هذا العشب بصوت شارب قد سكرو اشتاق إلى أهله فتغنّى. وقال آخر «٥»:
وصاحب معجب فى طول صحبته لا ينفع الدهر إلّا وهو محموم
تأتيك فى شدّة الحمّى منافعه وإن أفاق بدا فى وجهه اللوم
[ ٤٦ ]
يعنى الفرج، ويكون للفرجين جميعا. قال وأنشدنى التوّزىّ:
رواحلنا ستّ ونحن ثلاثة نجنّبهنّ الماء فى كلّ منهل
يعنى النعال. وقال الكميت «١»:
ولما رأيت النّسر عزّ ابن دأية وعشّش فى وكريه جاشت له نفسى
يقال للغراب ابن دأية، لأنه يقع على الدأية من ظهر البعير الدّبر فينقرها. وإنما يعنى الشيب وغلبته على السواد. وعزّنى فى الخطاب، أى كان أعزّ منّى فى المخاطبة، قالت الخنساء «٢»:
كأن لم يكونوا حمى يتّقى إذ الناس إذ ذاك من عزّ بزّا
أى من غلب سلب. وقوله: وعشّش فى وكريه، يعنى بوكريه عارضيه ولحييه، فوجلت نفسه لذلك. وأنشد الأصمعى:
قلن اتّضعت فقالت لا، فقلن لها فكيف تقوين يا سلمى على الجمل
زعموا أن المؤدّب من الإبل يقال له «ضع ضع»، فيطأطئ «٣» رأسه ليركب. يقول: وأنت لو لم يفعلن هذا ما قدرت على ركوبه. واتضعت، افتعلت من الوضع. ومثله قول جميل:
فلمّا دنت أولى الرّكاب تيّممت إلى جؤجؤ جلس فقالت له ضع
يقول قصدت إلى نجيب قوىّ شديد فقالت له ذلك، وأنشد:
قد قلت للصّباح والمهاجر «٤» إنّا وربّ القلص الضوامر
[ ٤٧ ]
إنا: أى أعيينا، والأين: الإعياء، تقول آن يئين أينا إذا أعيا، وأنشد «١»:
لنعم البيت بيت أبى دثار إذا ما خاف بعض القوم بعضا «٢»
يقول: إذا خاف بعض القوم بعض البعوض فبيت أبى دثار لا يخاف عليه ذلك فيه. وبيت أبى دثار: الكلّة. وأنشد:
يريع «٣» إليه العمّ «٤» حاجة واحد فآبوا بحاجات وليس بذى مال
يريع: يجتمع. إليه، يعنى الكعبة، يريد أن الناس كلّهم يسألون عند ذلك الموضع المغفرة، فرجعوا وهم يرجون حسن الإجابة، وليس معهم مال حووه.
وقال آخر «٥»:
ما لك لا ترمى وأنت أنزع وهى ثلاث أذرع وإصبع
وهى إذا أنبضت فيها تسجع ترنّم الثّكلى أبت لا تهجع
قوله: أنزع، يريد أنزع من غيرك، وبعضهم يقول: أنزع. يقول: قد كبرت وصارت بك نزعة، قال: وأجود ما تكون القسىّ ثلاث أذرع ونصف وثلاث أذرع. وإنما أخبر عن جبنه فقال: مالك لا ترمى وأنت أنزع فى القوس من غيرك، وقوسك هذا حالها فى الجودة والتمام؟. وأنبضت: جذبت. وتسجع:
ترنّم. ويقال: خير القسىّ ما إذا جذبت ترنّمت، وأنشد:
تسمع بعد النزع والتوكير «٦» فى سيتيها رنّة الطّنبور
[ ٤٨ ]
قد أتينا من هذا الباب ببعض ما قصدنا له، وفسرنا ما أتينا به تفسيرا يغنى عن تشكل فيه أو مسألة عنه، ونرجع إلى باب أخبار وأشعار يشاكل بعضها بعضا.
وبالله الحول والقوّة.