حدّثنى مسعود بن بشر فى إسناد متصل قال: اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث بباب بشر بن مروان بالكوفة، فدخل عليه داخل فأخبره بمكانهم، وأعلمه أنه لم ير مثلهم بباب ملك قطّ، فأذن للفرزدق ثم لجرير ثم للأخطل، وأمسك عن البعيث، فقال له الرجل: إن البعيث معهم، فقال: إنه ليس كهؤلاء، ثم أذن للبعيث، فلما دخل مثل بين يديه فقال: أيها الأمير، إن الناس قد تحدّثوا بالباب أنك أذنت لهؤلاء لفضل رأيته لهم علىّ، قال: أو ما تعلم ذاك؟ قال: لا والله ولا الله يعلمه، قال: فأنشدنى، [قال]: أو أخبرك من معايبهم بما تستغنى به عن
[ ١٠٦ ]
الإنشاد، فقال: هات، قال: أما هذا القرد- يعنى الفرزدق- فقد قال «١» فى هجائه ابن المراغه- يعنى جريرا-:
فما لك بيت الزّبرقان وظلّه ولا لك بيت عند قيس بن عاصم
بأىّ رشاء يا جرير وماتح تدلّيت فى تلك البحور الخضارم «٢»
فجعله تدلّى عليهم، وإنما أتاهم من تحتهم لو كان يعقل. وأما هذا- يعنى ابن «٣» المراغه- فقال فى هجائه هذا القرد يعنى الفرزدق:
لقومى أحمى للحقيقة منكم وأضرب للجبّار والنقع ساطع
وأوثق عند المرهقات «٤» عشيّة لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع
فجعل نساءه قد أردفن وفضحهنّ ووثقن باللحاق. وأما هذا الكافر- يعنى الأخطل «٥» - فقال فى وقعة نجا «٦» منها أسيرا، وأقرّ على نفسه وقومه بالذّلّ:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكى والمعوّل «٧»
[ ١٠٧ ]
فوصله يومئذ وحرمهم. فخلف جرير أنه لم يقل: «وأوثق عند المردفات»، وإنما قال: «عند المرهقات» «١» . والشىء يذكر بالشىء، أنشدنى مسعود بن بشر «٢» لأحمد أخى أشجع السلمىّ يمدح نصر بن شبث:
لله سيف فى يدى نصر فى متنه ماء الردى يجرى
أوقع نصر بالسواجير ما لم يوقع الجحّاف بالبشر
أبكى بنى بكر على تغلب وتغلبا أبكى على بكر «٣»
وقيل لبشر بن مروان: أيّما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال:
والله ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثا، قال: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: إن جريرا سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعى يقول: قال أبو عمرو ابن العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبى عمرو.
ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن جريرا والله لشاعر، قال لها: أتقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على حلوه وشاركك فى مرّه. وسئل ابن دأب «٤» عن جرير والفرزدق فقال: الفرزدق أشعر عامّة
[ ١٠٨ ]
وجرير أشعر خاصّة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل:
أنا أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. قال يونس: ما شهدت مشهدا قطّ ذكرا فاتفق أهل ذلك المجلس على أحدهما.
وحدّث أبو عبد الله «١» محمد بن سلّام الجمحى قال: رأيت أعرابيّا من بنى أسيّد أعجبنى ظرفه وروايته، فقلت: أيهما أشعر عندك؟ فقال: بيوت الشعر أربعة:
فخر ومدح وهجاء ونسيب، وفى كلها غلب جرير، فالفخر قوله «٢»:
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلّهم غضابا
والمدح قوله «٣»:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
والهجاء قوله «٤»:
فغضّ الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
والنسيب قوله «٥»:
إنّ العيون التى فى طرفها مرض قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وقال أبو عبد الله: والنسيب عندى قوله «٦»:
ولما التقى الحيّان ألقيت العصا ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله
[ ١٠٩ ]
فقلت للأسيدىّ «١»: والله لقد أوجعكم (يعنى فى الهجاء)، فقال: يا أحمق أو ذاك يمنعه من أن يكون شاعرا! ويروى أن الفرزدق كان حسن التديّن محمود السيرة، وأنه كان إذا ضحك فاستغرب فى الضّحك التفت كأنه يخاطب ملكيه، فقال: أما والله لأسمعنّكما خيرا: لا إله إلا الله والحمد لله وأستغفر الله. ويروى «٢» أنه اجتمع هو والحسن البصرى فى جنازة فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، أتدرى ما يقول الناس؟ قال: لا، قال: يقولون اجتمع فى هذه الجنازة خير الناس وشرّ الناس، فقال الحسن: كلّا لست بخيرهم ولست بشرّهم، ولكن ما أعددت لهذا الموضع؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين «٣» سنة، فقال الحسن: خذها والله من غير فقيه، ثم أنشأ الفرزدق يقول «٤»:
أخاف وراء القبر إن لم يعافنى أشدّ من القبر التهابا وأضيقا
إذا قادنى نحو القيامة قائد عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا «٥»
يقاد إلى نار الجحيم مسربلا سرابيل قطران لباسا ممزّقا
إذا شربوا فيها الصديد «٦» رأيتهم يذوبون من حرّ الجحيم تحرّقا
[ ١١٠ ]
فلمّا مات الفرزدق رؤى فى المنام فقيل: ما صنع بك ربّك؟ فقال: غفر لى، فقيل:
بماذا؟ قال: بالكلمة التى نازعنيها الحسن على شفير القبر. ويروى «١» أن أبا هريرة قال له: إنى أرى لك قدمين لطيفين فانظر أن تجعل لهما موضعا لطيفا يوم القيامة، ومهما صنعت من شىء فلا تقنط من رحمة الله.
وحدّثنى الرياشىّ قال: هجا الفرزدق ابن هبيرة لما ولّى فقال:
أمير «٢» المؤمنين وأنت برّ بذاك ولست بالطّبع الحريص «٣»
أأطعمت العراق ورافديه فزاريا أحدّ يد القميص
ولم يك قبلها راعى مخاض ليأمنه «٤» على وركى قلوص
تفيهق فى العراق أبو المثنّى وعلّم قومه أكل الخبيص «٥»
فبينما ابن هبيرة قاعد ينظر وجهه فى المرآة قالت له الجارية: أصلح الله الأمير، قد قدم أمير آخر، فقال: لا إله إلا الله، هكذا تقوم الساعة، وكان القادم خالد بن عبد الله القسرىّ، فأراد خالد أن يعذّب ابن هبيرة، فقال ابن هبيرة: أنشدك الله أن تستنّ فىّ سنّة هى تستنّ فيك غدا، إن القوم الذين ولوك هم القوم الذين عزلونى، فقال:
لا حاجة لى فى عذابك، فحبسه. وكان لابن هبيرة مولى من الدّهاة، فنقب من داره إلى حبس ابن هبيرة، وهرب به إلى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به، فدخل مسلمة على أخيه يزيد أو هشام، فقال: يا أمير المؤمنين إن لى حاجة- وكانت تقضى
[ ١١١ ]
فى كل يوم ثلاث حوائج- فقال: نعم كلّ حاجة لك مقضيّة ما خلا ابن هبيرة، فقال: ما عوّدنى أمير المؤمنين أن يستثنى علىّ، فلم يزل به حتى أجابه. وقدم خالد بن عبد الله فأمر مسلمة بتلقّيه، وكان فيمن تلقّاه ابن هبيرة، فقال خالد: يابن هبيرة أإباق كإباق الأمة! فقال ابن هبيرة: أنوم كنوم العبد! وفى ذلك يقول الفرزدق «١»:
ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرها ولم يبق إلّا بطنها لك مخرجا
دعوت الذى ناداه يونس بعد ما ثوى فى ثلاث مظلمات ففرّجا
خرجت ولم يمنن عليك طلاقة سوى ربذ التقريب من آل أعوجا «٢»
فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة وما سار سار مثلها حين أدلجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أكرم من الفرزدق، هجانى أميرا ومدحنى أسيرا.