حدّثنى الرّياشىّ عن الأصمعى قال: كانت أم البنين «٥» بنت يزيد بن معاوية عند عبد الملك ابن مروان، وكانت من أحسن الناس وجها وأتمّهم خلقا، ويروى أنه وقع بينها وبينه هجرة فى أمر الدخول إليها، فمنعته من ذلك، فعسر عليه رضاها، فشكا أمره
[ ١١٩ ]
إلى خريم «١»، فضمن له أن ترضى عنه، وضمن له عبد الملك قضاء جميع ما يسأله إن وقع ذلك، فمضى خريم إلى بابها وشقّ جيبه وجعل التراب على رأسه، فسئل عن خبره فذكر أن أحد ابنيه وثب على أخيه ليضربه فقتله إما عمدا أو خطأ، فبلغ الخبر عبد الملك فحكم بقتل القاتل، فيذهب منه ابنان، وهو بتأديب ابنه أحقّ، وذكر لها حرمته بيزيد وبها، فأرسلت إليه تعلمه أنها مغاضبة لعبد الملك، فازداد عويلا وبكاء، فرحمته، وأرسلت بخادم يتعرف خبر عبد الملك، فسرّ وسرّى عنه، وأقبلت أمّ البنين تتهادى بين وصائفها حتى تمثلت بين يديه، ثم قالت له: [ما كان من حقّك أن أبتدئك بالكلام، ولكن] جور حكمك حملنى على ذلك، لم حكمت بقتل ابن خريم، لأنه قتل أخاه؟ أليس أبوه أحقّ بتأديب ابنه منك؟ ففطن عبد الملك للحيلة، فقال لها: إنى لا أمكن رعاياى من أن يقتل بعضها بعضا، قالت: فهبه لى، قال فادخلى البيت، فدخلت، وألقى السّتر، قال خريم فجئت عبد الملك فقلت: كأنى بها قد قالت كذا، قال: نعم وألقى الستر، قال خريم: الوعد، قال: فما حاجتك؟
قال: تقطعنى كذا، قال: نعم أفعل، وتثبت ابنى فى العطاء، قال: أفعل، وقضى حاجته.
وحدثنى مسعود بن بشر أن عبد الملك وجّه بخادم له «٢» إلى أمّ البنين يسألها أن تصير إليه، فأخذت فى زينتها، وطال اختلاف الخادم إليه، فبصرت به عثامة
[ ١٢٠ ]
جارية عبد الملك، فسألته عن خبره، فأعلمها انتظار عبد الملك لأمّ البنين واحتباسها عنه، فقالت له: إن أدّيت اليه ما أقول فلك عشرة آلاف درهم، فقالت: قل له:
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
فأخبر الخادم عبد الملك، فأرسل إليها وخلابها دون أمّ البنين.
وتحدّث عمر بن شبّة «١» عن رجاله أن عليّة «٢» بنت المهدى كانت من أحسن النساء وجها وأتمّهن خلقا وأسهلهنّ شعرا، ولم يكن فيها عيب «٣» غير سعة فى جبينها، فاتّخذت العصائب من الجوهر وغيره، واستعملها الناس بعدها. وكانت تحبّ خادما للرشيد يقال له طلّ، فبلغه الخبر، فحلف عليها ألّا تسمّى باسمه، فقرأت يوما: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ
فالذى نهاها عنه أمير المؤمنين وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
. فبلغه ذلك فقال: أبت إلا ظرفا وكانت تحب خادما له يقال له رشأ، فصحّفت اسمه وقالت «٤» فيه:
وجد الفؤاد بزينبا وجدا شديدا متعبا «٥»
[ ١٢١ ]
فجعلت زينب سترة «١» وكتمت أمرا معجبا
ويقال إنها مشت على ميزاب طوله عشرون ذراعا وكتبت إلى الخادم «٢»:
قد كان ما حمّلته زمنا يا طلّ من كلف بكم يكفى
حتى أتيتك زائرا عتما «٣» أمشى على حتف إلى حتف
ويروى أن الموكّل بالقصر منع طلّا من الدخول لأجلها فقالت «٤» فى ذلك:
متى يلتقى من ليس يرجى خروجه وليس لمن تهوى إليه دخول
ويروى: «سبيل» .
عسى الله أن يرتاح منه برحمة فيشفى جوّى من مدنف وعويل
ولها فى الرشيد:
سلام على من لا يردّ سلامى ومن لا يرانى موضعا لكلام
وماذا عليه أن يردّ مسلّما إذا كان يقضى بالسلام ذمامى
ويروى أنها إذا وعظت وخوّفت ما ينالها من نكير الرشيد إن صحّ عنده خبرها أنشدت «٥»:
تالله أترك مهجتى تبلى وأطيع رأيك فى الهوى عقلا.
ثم تقول: قال النبىّ ﷺ: «حبّك الشىء يعمى ويصمّ» .
[
[ ١٢٢ ]
وعلى ذلك ما يروى عن أحد «١» الحكماء أنه قال: الهوى يقظان والرأى نائم.
وأنشد لمحمود الورّاق:
هواك «ولا تكذب» عليك أمير وأنت رهين فى يديه أسير
يسومك عصيانا وأنت تطيعه وطاعته عار عليك كثير
ويروى عن بزرجمهر أنه قال: الهوى غالب والمغلوب مستعبد.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم.
ويروى «٢» لهشام بن عبد الملك ولم يقل غيره:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال
وقال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدى. وقال معاوية: لا رأى لذى هوّى. وقال أمير المؤمنين علىّ ﵇: إنما أخشى عليكم الهوى. وقالوا:
أصبر الناس من كان رأيه رادّا لهواه. وقالوا: إنما سمى الهوى لأنه يهوى بصاحبه.
وأنشد لبعض «٣» المحدثين:
ترانى تاركا باللّ هـ ما أهوى لما تهوى
أنا أعلم أن الح بّ من قلبى إذا دعوى
[ ١٢٣ ]
وقال رسول الله ﷺ: «حبّب إلىّ النساء والطّيب وجعلت قرّة عينى [فى] الصلاة» . وقال بعض الأعراب: إنى لأعشق الرزق وإنه ليبغضنى.
وقال محمد بن واسع «١»: ما بقى شىء أهواه، وألذّه إلا الصّلاة.
كمل كتاب فاضل (كذا) المبرّد، والحمد لله الموجب الشاكرين مزيدا كما هو أهله، والصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الفاضلين وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
استوفاه مطالعة العبد الفقير إلى الله حسن بن أحمد الجوهرى عفا عنه بمنّه.
[ ١٢٤ ]
يقول الميمنى: وتمّ نسخة من نسخة جلبتها مصوّرة من إستنبول لتمثّل للطبع بمنزلى فى عليكرة يوم السبت (خامس ذى القعدة الحرام سنة ١٣٥٦ هـ- ٨ يناير سنة ١٩٣٨ م) . ثم أكملت التعليق فى ٣١ من يناير المذكور.
وقع بصرى فى بعض تطوافى بخزائن إستنبول فى خزانة أسعد أفندى من مكاتب السليمانية على نسخة منزوية فى المجلّد رقم ٣٥٩٨ فيها (أمثال الضبى)، وهذا الكتاب و(الطراز الأسمى)، ولكل ساقطة- كما قيل- لاقطة، فخالجنى الارتياب أن كلام الناسخ فى الخاتمة: «كمل كتاب فاضل المبرد» ربما تكون كلمة «الفاضل» فيه صفة للمبرّد قدمها الناسخ على طريقة العجم، وسرعان ما زال بعد قراءة فصول منه لأنى كنت أحفظ فى ريعان الشباب معظم (الكامل)، فجزمت بأنه ليس به ألبتّة وإن لم أكن أذكر للمبرّد تأليفا بهذا الاسم.
فصوّرته وجلبته فيما جلبته. ولمّا نقّبت عنه فى كتب التراجم وغيرها بعد رجوعى لم أجد أحدا يكون يعرفه غير ابن النديم ص ٥٩ باسم (كتاب الفاضل والمفضول) . وأما ناسخ نسختنا فإنه لم يذكر الاسم إلا فى الخاتمة.
هذا ورأيت فى (جمهرة العسكرى ٢٢٠، ٢: ٣٧٨ لطبعتيه) فى المثل «لا ترضى شانئة إلا بجزرة» تفسير المبرد عن أم الهيثم، ولعله عن هذا الكتاب فانه لا يوجد فى (الكامل) ألبتّة.
والنسخة بقطع وسط، ومسطرتها ١٩ سطرا فى الغالب، وصفحاتها ١٠١ يدلّ خطها وورقها أنها لا تجاوز القرن الثامن. والله أعلم. وهى مصحّفة ومحرّفة للغاية، تدل على جهل الناسخ بالعربية، فلم أتبعه فى كل ما أثبته، ورجعت بكلّ شىء إلى أصله، ولم أدلّ على ذلك إلّا نادرا، وظهر لى أن فى الكتاب خرما
[ ١٢٥ ]
صغيرا أو كبيرا فى موضعين ص ٢٠ و٢٢ غير أن الكلام متصل بعضه ببعض فى هذه النسخة. والكتاب كما ترى للمبرد حقا يشبه (الكامل) من جميع الجهات كأنه كامل صغير، يصلح لأن يدخل فى مناهج الدروس فيتدارسه النشء، وهو أثر ثالث «١» للمبرد يبعث من مرقده على يدى العاجز (عبد العزيز الميمنى)، لثمان بقين من ذى القعدة الحرام سنة ١٣٥٦ هـ ٢٥ يناير سنة ١٩٣٨ م.
[ ١٢٦ ]