حدّثنى الرّياشىّ عن الأصمعىّ قال: قلت لعيسى بن عمر: أنا أفصح من معدّ بن عدنان، قال لى: تجاوزت، فأنا أفصح منك، فقلت له: كيف ينشد هذا البيت «٣»:
قد كنّ يكنّن الوجوه تستّرا فالآن حين بدأن للنّظّار
أو بدين؟ فقال لى: بدأن، فقلت له: لم تصب، لأنه يقال بدا يبدو، وبدأ الشىء يبدؤه إذا أنشأه واستأنفه، والصواب «حين بدون» .
[ ١١٢ ]
وحدّثنى هارون بن عبد الله المهلبى قال حدّثنى نصر بن على بن عبد الله عن أبيه- وكان أبوه «١» قرين سيبويه- قال سمعت الخليل بن أحمد يقول:
أفصح الناس أزد السّراة.
وحدّثنى هارون عن نصر بن علىّ عن الأصمعى قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أفصح الناس سافلة قريش وعالية تميم، قال: وكنا نسمع أصحابنا يقولون:
أفصح الناس تميم وقيس وأزد السّراة وبنو عذرة.
وحدّثنى علىّ بن القاسم الهاشمىّ قال: رأيت قوما من أزد السراة لم أر أفصح منهم، وكانوا يلبسون الثياب المصبّغة، قلت لأحدهم: ما حملك على لبس المصبّغ؟ قال: ابتغاء الحسن.
وحدّثنى على بن القاسم عن أبى قلابة الجرمىّ «٢» قال: رأيت قوما من بنى الحارث ابن كعب لم أر أفصح منهم. وفى الحديث أن رسول الله ﷺ ورد عليه الوفود فأقرأ الأخماس «٣» كلّ خمس على لغته فكان أعرب القوم تميم. وعنه ﵇ أن عمر بن الخطاب قال له: ما رأيت أفصح منك، قال: «بيد أنّى من قريش ونشأت فى بنى بكر بن سعد بن هوازن» . ويروى غير «بيد أنّى»، «من أجل أنّى» .
قال أبو العباس: وكلّ عربىّ لم تتغيّر لغته فصيح على مذهب قومه، وإنما يقال:
بنو فلان أفصح من بنى فلان، أى أشبه لغة بلغة القرآن ولغة قريش، على أن القرآن نزل بكل لغات العرب. ويروى عن ابن عباس أنه قال: كنت لا أدرى ما الفتّاح حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول لخصم لها: هلّم فاتحنى، أى حاكمنى، فعلمت أن الحاكم
[ ١١٣ ]
الفتّاح. وكنت لا أدرى ما فاطِرِ السَّماواتِ
حتى سمعت أعرابيّا ينازع فى بئر فقال: أنا فطرتها، يريد أنشأتها.
وكان «١» أبو «٢» محلم من أفصح من رأيت لسانا، وحدّثنى قال: جئت يونس بن حبيب النحوىّ فسألته عن هذا الحديث «٣»: «خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة «٤»» فقال:
هذا من لغاتكم يا بنى سعد، ويقال: خير المال نتاج أو زرع، فأنشدته «٥»:
لهفى على شاة أبى السّباق عتيقة من غنم عتاق
مرغوسة مأمورة معناق «٦» تحلب رسلا طيّب المذاق
فكتبه يونس على ذراعه وقال: إنك لجيّاء بالخير. قال أبو محلّم: المرغوسة النامية «٧»، وأنشد للعجّاج «٨»:
إمام رغس فى نصاب رغس من نسل مروان قريع الإنس
وابنة «٩» عباس قريع عبس
وحدّثنى عن الأصمعىّ قال: رأيت امرأة من بنى تميم لم أر أفصح منها، فسمعتها تدعو على أخرى وتقول: إن كنت كاذبة فحلبت قاعدة. قال: رعية الغنم عندهم ضعة فإنما تتمنّى لها ذلك.
[ ١١٤ ]
وحدّثنى الزيادىّ قال: قالت امرأة: مررت بالبادية فرأيت أبياتا، فقصدتها فقامت امرأة هنا لك، وإذا نسوة يتضاحكن، فقلت: ما يضحككن؟ قلن:
هذه التى توارت مىّ صاحبة ذى الرمّة. قالت: فقلت: فقد والله كنت أشتهى أن أراها، فالآن لا أبرح حتى أراها، فدعونها فلم تجبهنّ، فأقسمن عليها فخرجت وهى تقول: شهّرنى غيلان شهّره الله. فلم أكبرها حين «١» رأيتها، فلما تكلّمت ورأيت فصاحتها علمت أن ذا الرمّة قصّر فى وصفها.
وحدّثنى علىّ بن القاسم قال: قلت لأعرابى فصيح: ما معنى قولهم فى المثل:
«كاد العروس أن تكون أميرا «٢»» لم كاد ذاك؟ قال: لأن الأكفاء يخدمونها فى تلك الحال. ومن أمثالهم- روى ذلك أبو عبيدة- أن إبليس تصوّر لابنة الخسّ «٣» فقال لها: أسألك أو تسأليننى؟ فقالت له: سل، قال لها: كاد، فقالت:
«كاد النعام أن يطير»، فقال لها: كاد، قالت: «كاد المنتعل أن يكون راكبا» . قال لها:
كاد، قالت: «كاد العروس يكون أميرا «٤»» . ثم قال لها: سلينى، قالت: عجبت، قال: من الحجارة لا يشيب صغيرها ولا يهرم كبيرها، قالت: عجبت، قال: من السّبخة لا يجفّ ثراها ولا ينبت مرعاها، قالت: عجبت، قال: من حرك لا يبلغ حفره، ولا يدرك قعره، قالت: اعزب عليك لعنة الله. ويروى أن ابنة الخسّ كانت بليغة فصيحة.
[ ١١٥ ]
وحدّث محمد بن سلّام عن يونس «١» النحوى قال: النحويّون يغلطون فى ثلاثة أشياء، يقولون فى نكاح أمّ خارجة «٢»: «خطب» فتقول: «نكح» «٣»، وإنما هو نكح، «٤» ويقولون:
ابنة الخسّ، وإنما هو الأخسّ، مثل الأرزّ، ويقولون: «ليس لحاقن «٥» رأى»، وإنما هو ذهن. ويقال: رجل خسّ ورجال أخسّ، من الخسة.
وحدّثنى المازنىّ وغيره قال: أمّ خارجة امرأة ولدت زهاء عشرين حيّا من العرب، وآخر من نكحها عمرو بن تميم، وذلك أنه أتاها فسبق أهلها الذين أرادوا أن يمنعوه منها مثل ما يسبق الراكب الراجل، فقال لها: خطب، قالت: نكح، فى قول يونس فجاءوها فوجدوها قد تزوّجت.