أنشدنى بعض أصحابنا:
«١» إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها فسرّك عند الناس أفشى وأضيع
وقال آخر:
ليس سرّى يجاوز الدهر قلبى كل سرّ يجاوز القلب فاش
وحدّثنى الرياشىّ قال: يروى أن «٢» عثمان بن عنبسة بن أبى سفيان أسرّ إليه معاوية سرّا، فأتى أباه عنبسة فقال: إن معاوية أسرّ إلىّ سرّا، فأحدّثك به؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأنّ الرجل إذا كتم سرّه كان الأمر إليه، وإذا أذاعه فالأمر عليه، ولا تجعلنّ نفسك مملوكا بعد أن كنت حرّا، قال: أفيدخل هذا بين الأب وابنه؟ قال: لا يا بنىّ، ولكن أكره أن تذلّل لسانك بإفشاء السرّ، قال فأتى معاوية فذكر ذلك له، فقال: أعتقك أخى من رقّ الخطأ، وأنشد:
دسّت إلىّ رسولا لا تكن عجلا واحذر هديت وأمر الحازم الحذر
إنى رأيت رجالا من ذوى رحم هم العدوّ بظهر الغيب قد نذروا
إن يقتلوك كفاك القتل قادره والله جارك ممّا يزمع النّفر
فالسرّ يكتمه الخلّان بينهما وكلّ سرّ عدا الخلّين منتشر
[ ١٠١ ]
وقال قيس بن الخطيم:
فإن ضيّع الإخوان سرّى فإنّنى كتوم لأسرار الصديق «١» أمين
يكون له عندى إذا ما اتّهمته مكان بسوداء الفؤاد مكين
وقال بعض المحدثين «٢»:
لعمرك ما استودعت سرّى وسرّها سوانا حذارا أن تضيع السرائر
ولا لاحظتها مقلتاى بلحظة فتفهم نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بينى وبينها كلاما فأدّى ما تجنّ الضمائر
وقال آخر:
ولا «٣» تخبر بسرّك بل أمته وصيّر فى حشاك له حجابا
فما استودعت مثل النفس سرّا ولا أغلقت مثل الصّدر بابا
وقال العبّاس بن الأحنف «٤»:
أيا من سرورى به شقوة ومن صفو عيشى به أكدر
أظنّك جرّبتنى بالصدو د عمدا لتعلم هل أصبر
أمنّى تخاف انتشار الحديث وحظّى فى ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا عليك نظرت لنفسى كما تنظر
[ ١٠٢ ]