ويروى: أَن حَيَّة استجارت بِرَجُل من الْعباد، من رجل يُرِيد قَتلهَا، قَالَ: فَرفع ذيله، وَقَالَ: ادخلي، فتطوقت على بَطْنه.
وَجَاء رجل بِسيف، وَقَالَ لَهُ: يَا رجل، حَيَّة هربت مني السَّاعَة، أردْت قَتلهَا، فَهَل رَأَيْتهَا؟ قَالَ: مَا أرى شَيْئا.
فَلَمَّا أجارها، وَانْصَرف من يُرِيد قَتلهَا، قَالَت لَهُ الْحَيَّة: لَا بُد من قَتلك.
فَقَالَ لَهَا الرجل: لَيْسَ غنى عَن هَذَا؟ قَالَت: لَا.
قَالَ: فأمهليني، حَتَّى آتِي سفح جبل، فأصلي رَكْعَتَيْنِ، وأدعو الله تَعَالَى، وأحفر لنَفْسي قبرا، فَإِذا نزلته، فافعلي مَا بدا لَك.
قَالَت: افْعَل.
فَلَمَّا صلى، ودعا، أوحى الله إِلَيْهِ: إِنِّي قد رحمتك، فاقبض على الْحَيَّة، فَإِنَّهَا تَمُوت فِي يدك، وَلَا تَضُرك.
فَفعل ذَلِك، وَعَاد إِلَى مَوْضِعه، وتشاغل بِعبَادة ربه.
وروى هَذَا الْخَبَر، جَعْفَر العابد، برامهرمز، على غير هَذِه السِّيَاقَة، إِلَّا أَن الْمَعْنى مُتَقَارب، فاوردت مَا بَلغنِي من ذَلِك، فَقَالَ:
[ ١ / ١٩٨ ]
قَرَأت فِي كتب الْأَوَائِل، أَن حَيَّة أفلتت من يَد طَالب لَهَا ليقتلها، وَأَنَّهَا سَأَلت الرجل أَن يخبأها، فخبأها فِي فَمه، وأنكرها للطَّالِب لَهَا.
وحَدثني عبد الله بن الْحَارِث بن السراج الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنِي بعض أَصْحَاب أبي مُحَمَّد سهل بن عبد الله التسترِي، عَنهُ، قَالَ: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، رجل فِي صحراء قريبَة من جبل، يعبد الله تَعَالَى، إِذْ مثلت لَهُ حَيَّة، فَقَالَت لَهُ: قد أرهقني من يُرِيد قَتْلِي، فأجرني، أجارك الله فِي ظله، يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله.
قَالَ لَهَا: وَمِمَّنْ أجيرك؟ قَالَت: من عَدو يُرِيد قَتْلِي.
قَالَ: وَمِمَّنْ أَنْت؟ قَالَت: من أهل لَا إِلَه إِلَّا الله.
قَالَ: فَأَيْنَ أخبيك؟ قَالَت: فِي جوفك، إِن كنت تُرِيدُ الْمَعْرُوف.
فَفتح فَاه، وَقَالَ: ادخلي، فَفعلت.
فَلَمَّا جَاءَ الطَّالِب، قَالَ لَهُ: رَأَيْت حَيَّة تسْعَى؟ فَقَالَ العابد: مَا أرى شَيْئا، وَصدق فِي ذَلِك.
فَقَالَ لَهُ الطَّالِب: الله.
فَقَالَ: الله.
فَتَركه، وَمضى، ثمَّ قَالَ لَهَا: اخْرُجِي الْآن.
فَقَالَت: إِنِّي من قوم لَا يكافئون على الْجَمِيل إِلَّا بقبيح.
ثمَّ سَاق الحَدِيث على قريب مِمَّا تقدم.
[ ١ / ١٩٩ ]
وَوَقع إِلَيّ الْخَبَر بقريب من هَذَا الْمَعْنى، على خلاف هَذِه السِّيَاقَة:
قرئَ على أبي الْعَبَّاس الْأَثْرَم، الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ، وَهُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمَّاد بن إِبْرَاهِيم بن ثَعْلَب، فِي منزله بِالْبَصْرَةِ، فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَأَنا حَاضر أسمع، حَدثكُمْ عَليّ بن حَرْب الطَّائِي الْموصِلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن الْمُنْذر الطَّائِي العابد بمهروبان، قَالَ: كنت عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَالْتَفت إِلَى شيخ حَاضر، فَقَالَ لَهُ: حدث الْقَوْم بِحَدِيث الْحَيَّة.
فَقَالَ الرجل: حَدثنِي عبد الْجَبَّار، أَن حميد بن عبد الله خرج إِلَى متعبده، فمثلت بَين يَدَيْهِ حَيَّة، وَقَالَت لَهُ: أجرني أجارك الله فِي ظله.
قَالَ: وَمِمَّنْ أجيرك؟ قَالَت: من عَدو يُرِيد قَتْلِي.
قَالَ: فَأَيْنَ أخبئك؟ قَالَت: فِي جوفك.
فَفتح فَاه، فَمَا اسْتَقَرَّتْ، حَتَّى وافاه رجل بِسيف مُجَرّد، فَقَالَ لَهُ: يَا حميد أَيْن الْحَيَّة؟ قَالَ: مَا أرى شَيْئا.
فَذهب الرجل، فأطلعت الْحَيَّة رَأسهَا، وَقَالَت: يَا حميد أتحس الرجل؟
[ ١ / ٢٠٠ ]
فَقَالَ: لَا، قد ذهب، فاخرجي.
قَالَت: اختر مني إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ، إِمَّا أَن أنكتك فأقتلك، أَو أفرث كبدك، فَتَرْمِيه من دبرك قطعا.
فَقَالَ: وَالله، مَا كافيتني.
فَقَالَت: قد عرفت العدواة الَّتِي بيني وَبَين أَبِيك آدم قَدِيما، وَلَيْسَ معي مَال فأعطيك وَلَا دَابَّة فأحملك عَلَيْهَا.
فَقَالَ: أمهليني، حَتَّى آتِي سفح الْجَبَل، وأحفر لنَفْسي قبرا.
قَالَت لَهُ: افْعَل.
فَبينا هُوَ يسير إِذْ لقِيه فَتى حسن الْوَجْه، طيب الرّيح، حسن الثِّيَاب، فَقَالَ لَهُ: يَا شيخ، مَا لي أَرَاك مستسلما للْمَوْت، آيسا من الْحَيَاة؟ قَالَ: من عَدو فِي جوفي يُرِيد هلاكي.
فاستخرج من كمه شَيْئا فَدفعهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: كُله.
قَالَ: فَفعلت ذَلِك، فَوجدت مغصا شَدِيدا، ثمَّ ناولني شَيْئا آخر، فَإِذا بالحية سَقَطت من جوفي قطعا.
فَقلت لَهُ: من أَنْت يَرْحَمك الله؟ فَمَا أحد أعظم عَليّ منَّة مِنْك، فَقَالَ: أَنا الْمَعْرُوف، إِن أهل السَّمَاء رَأَوْا غدر هَذِه الْحَيَّة بك، فسألوا الله ﷿، أَن يعيذك، فَقَالَ لي الله تَعَالَى: يَا مَعْرُوف، أدْرك عَبدِي، فإياي أَرَادَ بِمَا صنع ٧١
[ ١ / ٢٠١ ]