بَلغنِي أَنه جنى رجل جِنَايَة على عهد عبد الْملك بن مَرْوَان، فأهدر دَمه وَدم من يؤويه، وَأمر بِطَلَبِهِ، فتحاماه النَّاس كلهم.
فَكَانَ يسيح فِي الْجبَال والبراري، وَلَا يذكر اسْمه، فيضاف الْيَوْم واليومين، فَإِذا عرف طرد وَلم يدع أَن يسْتَقرّ.
قَالَ الرجل: فَكنت أسيح يَوْمًا فِي بطن وَاد، فَإِذا بشيخ أَبيض الرَّأْس واللحية، عَلَيْهِ ثِيَاب بَيَاض، وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، فقنت إِلَى جنبه.
فَلَمَّا سلم انْفَتَلَ إِلَيّ، وَقَالَ لي: من أَنْت؟ قلت: رجل أخافني السُّلْطَان، وَقد تحاماني النَّاس، فَلم يجرني أحد من خلق الله تَعَالَى، فَأَنا أسيح فِي هَذِه البراري، خَائفًا على نَفسِي.
قَالَ: فَأَيْنَ أَنْت عَن السَّبع؟ قلت: وَأي سبع؟ قَالَ: تَقول: سُبْحَانَ الله الْإِلَه الْوَاحِد، الَّذِي لَيْسَ غَيره أحد، سُبْحَانَ الدَّائِم الَّذِي لَيْسَ يعادله شَيْء، سُبْحَانَ الدَّائِم الْقَدِيم، الَّذِي لَا ند لَهُ وَلَا عديل، سُبْحَانَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت، سُبْحَانَ الَّذِي هُوَ كل يَوْم شَأْن، سُبْحَانَ الَّذِي خلق مَا يرى، وَمَا لَا يرى، سُبْحَانَ الَّذِي علم كل شَيْء بِغَيْر تَعْلِيم، اللَّهُمَّ
[ ١ / ٢٠٢ ]
إِنِّي أَسأَلك بِحَق هَذِه الْكَلِمَات وحرمتهن، أَن تفعل بِي كَذَا وَكَذَا، وأعادهن عَليّ، فحفظتهن.
قَالَ الرجل: وفقدت صَاحِبي، فَألْقى الله تَعَالَى الْأَمْن فِي قلبِي، وَخرجت من وقتي مُتَوَجها إِلَى عبد الْملك، فوقفت بِبَابِهِ، واستأذنت عَلَيْهِ، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ، قَالَ: أتعلمت السحر؟ قلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن كَانَ من شأني كَذَا وَكَذَا، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة.
فأمنني، وَأحسن إِلَيّ.
[ ١ / ٢٠٣ ]