وَذكر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كِتَابه، كتاب الوزراء، أَن المعلي بن عبد الله بن الْمُعَلَّى بن أَيُّوب، حَدثهُ عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ لي المعلي بن أَيُّوب: أَعْنَتَنِي الْفضل بن مَرْوَان، وَنحن فِي بعض الْأَسْفَار وطالبني بِعَمَل طَوِيل
[ ١ / ١٠٢ ]
يعْمل فِي مُدَّة بعيدَة، واقتضانيه فِي كل يَوْم مرَارًا، إِلَى أَن أَمرنِي عَن المعتصم بِاللَّه أَن لَا أَبْرَح إِلَّا بعد الْفَرَاغ مِنْهُ.
فَقَعَدت فِي ثِيَابِي، وَجَاء اللَّيْل، فَجعلت بَين يَدي نفاطة، وَطرح غلماني
[ ١ / ١٠٣ ]
أنفسهم حَولي، وَورد عَليّ هم عَظِيم، لأنني قلت: مَا تجاسر على أَن يُوكل بِي إِلَّا وَقد وقف على سوء رَأْي فِي من المعتصم.
فَإِنِّي لجالس، وذقني عَليّ يَدي، وَقد مضى اللَّيْل، وَأَنا متفكر، فحملتني عَيْنَايَ، فَرَأَيْت كَأَن شخصا قد مثل بَين يَدي، وَهُوَ يَقُول: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الْأَنْعَام: ٦٣-٦٤] .
ثمَّ انْتَبَهت، فَإِذا أَنا بمشعل قد أقبل من بعيد، فَلَمَّا قرب مني كَانَ وَرَاءه مُحَمَّد بن حَمَّاد دنقش صَاحب الحرس، وَقد أنكر نفاطتي، فجَاء يعرف
[ ١ / ١٠٤ ]
سَببهَا، فَأَخْبَرته خبري.
فَمضى إِلَى المعتصم، فَأخْبرهُ، فَإِذا الرُّسُل يطلبوني، فَدخلت إِلَيْهِ، وَهُوَ قَاعد، وَلم يبْق بَين يَدَيْهِ من الشع إِلَّا أَسْفَله.
فَقَالَ لي: مَا خبرك؟ فشرحته لَهُ.
فَقَالَ: ويلي على النبطي، يمتهنك، وَأي يَد لَهُ عَلَيْك، أَنْت كاتبي، كَمَا هُوَ كاتبي، انْصَرف.
فَلَمَّا وليت، ردني، واستدناني، ثمَّ قَالَ لي: تمْضِي مديدة، ثمَّ ترى فِيهِ مَا تحب.
قَالَ: فَانْصَرَفت، وبكرت إِلَى الْفضل على عادتي، لم أنكر شَيْئا.
[ ١ / ١٠٥ ]