روى الْأَصْمَعِي، عَن أَعْرَابِي، أَنه قَالَ: خف الشَّرّ من مَوضِع الْخَيْر، وارج الْخَيْر مَوضِع الشَّرّ، فَرب حَيَاة سَببهَا طلب الْمَوْت، وَمَوْت سَببه طلب الْحَيَاة، وَأكْثر مَا يَأْتِي الْأَمْن من نَاحيَة الْخَوْف.
قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب: مَا أقرب هَذَا الْكَلَام، من قَول قطري بن الْفُجَاءَة الْخَارِجِي، ذكره أَبُو تَمام الطَّائِي، فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالحماسة:
لَا يركنن أحد إِلَى الإحجام يَوْم الوغى متخوفا لحمام
فَلَقَد أَرَانِي للرماح دريئة من عَن يَمِيني مرّة وأمامي
حَتَّى خضبت بِمَا تحدر من دمي أحناء سرجي أَو عنان لجامي
ثمَّ انصرفت وَقد أصبت وَلم أصب جذع البصيرة قارح الْإِقْدَام
فَهَذَا من أحب الْمَوْت، طلبا لحياة الذّكر.
[ ١ / ١٦٥ ]
وَقد أفْصح بِهَذَا الْحصين بن الْحمام المري، حَيْثُ يَقُول:
تَأَخَّرت أستبقي الْحَيَاة فَلم أجد لنَفْسي حَيَاة مثل أَن أتقدما
وَهَذَا كثير متسع، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا نَحن فِيهِ بسبيل، فنستوعبه ونستوفيه، وَلَكِن الحَدِيث ذُو شجون، وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر، ونعود إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ.
[ ١ / ١٦٦ ]