قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: ولحقتني محنة غَلِيظَة من السُّلْطَان، فَكتب إِلَيّ أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر بن مُحَمَّد المَخْزُومِي الْكَاتِب الشَّاعِر النصيّ، الْمَعْرُوف بالببغاء رقْعَة، يتوجع لي فِيهَا، نسختها: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، مُدَدُ النعم، أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا القَاضِي، بغفلات المسار وَإِن طَالَتْ، أَحْلَام، وساعات المحن، وَإِن قصرت بشوائب الْهم، أَعْوَام، وأحظانا بالمواهب، من ارتبطها بالشكر، وانهضنا بأعباء المصائب، من قاومها بِعَدَد الصَّبْر، إِذْ كَانَ أَولهَا بالعظة مذكرا، وَآخِرهَا بمضمون الْفرج مبشرا، وَإِنَّمَا يتعسف ظلم الْفِتْنَة، ويتمسك بتفريط الْعَجز، ضالّ الْحِكْمَة، من كَانَ بِسنة الْغَفْلَة مغمورا، وبضعف الْمِنَّة والرأي مقهورا، وَفِي انتهاز فرص الحزم مفرطا، ولمرصي مَا اخْتَارَهُ الله تَعَالَى فِيهِ متسخطا.
وَسَيِّدنَا القَاضِي، أدام الله تأييده، أنور بَصِيرَة، وأطهر سريرة، وأكمل حزما، وأنفذ مضاء وعزما، من أَن يتسلط الشَّك على يقينه أَو يقْدَح اعْتِرَاض الشّبَه فِي مروءته وَدينه، فَيلقى مَا اعْتَمدهُ الله من طَارق الْقَضَاء المحتوم، بِغَيْر واجبه من فرض الرِّضَا وَالتَّسْلِيم، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّمَا تعظم المحنة إِذا تجاوزت،
[ ١ / ١٥٢ ]
وَضعف التَّنْبِيه من الله جلّ ذكره إِلَى وَاجِب الْعقُوبَة، وَيصير مَجِيء السُّلْطَان، أدام الله عزه، بهَا، وجوب الْحجَّة، وشغلت الألسن عَن مَحْمُود الثَّنَاء مِنْهَا بمذموم اللائمة، فَإِذا خلت من هَذِه الصِّفَات المليمة، والشوائب المذمومة، كَانَت، وَإِن رَاع ظَاهرهَا، بِصِفَات النعم أولى، وبأسماء الْمنح أَحَق وَأَحْرَى، وَمَتى أعمل ذُو الْفَهم الثاقب، والفكر الصائب، مثله أعزه الله، بكامل عقله، وزائد فَضله، فِيمَا يسامح بِهِ الدُّنْيَا من مرتجع هباتها، وتمد لَهُ من خدع لذاتها، علم أَن أسعد أَهلهَا فِيهَا ببلوغ الآمال، أقربهم فِيمَا خوله من التَّغَيُّر والانتقال، فصفاؤها مشوب بالكدر، وأمنها مروع بالحذر، لِأَن انْتِهَاء الشَّيْء إِلَى حَده، ناقل لَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إِلَى ضِدّه، فتكاد المحنة، بِهَذِهِ الْقَاعِدَة، لاقترانها من الْفرج بفسيح الرَّجَاء، وانتهاء الشدَّة مِنْهَا إِلَى مستجد الرخَاء، أَن تكون أَحَق بأسماء النعم، وَأدْخل فِي أَسبَاب الْمَوَاهِب وَالْقسم، وبالحقيقة، فَكل وَارِد من الله تَعَالَى على العَبْد، وَإِن جهل مواقع الحكم مِنْهُ، وساءه استتار عواقب الْخيرَة بمفارقة مَا نقل عَنهُ، غير خَال من مصلحَة، بِتَقْدِيم عَاجل، وادخار آجل.
وَهَذَا وصف مَا ذكر الله بِهِ سيدنَا القَاضِي، أدام الله تأييده، إِذْ كَانَ للمثوبة مُفِيدا، وللفرج ضَامِنا، وبالحظ مبشرا، وَإِلَى المسرة مُؤديا، وبأفضل مَا عوده الله جلّ اسْمه عَائِدًا، وَهُوَ، أدام الله كِفَايَته، يتنجز ذَلِك بمستحكم الثِّقَة، ووجاهة الدُّعَاء وَالرَّغْبَة، ووسائط الصَّبْر والمعونة، وَلَعَلَّه أَن يكون إِلَيْهِ أقرب من وُرُود رقعتي هَذِه عَلَيْهِ، بقدرة الله ومشيئته، وَلَوْلَا الْخَوْف من الإطالة، والتعرض للإضجار والملالة، بِإِخْرَاج هَذِه الرقعة عَن مَذْهَب الرّقاع، وإدخالها بِذكر مَا نطق بِهِ نَص الْكتاب، من ضَمَان الْيُسْر بعد الْعسر، وَمَا وَردت بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنى، الْأَمْثَال السائرة، والأشعار المتناقلة، فِي جمة الرسائل وحيز المصنفات،
[ ١ / ١٥٣ ]
لأودعتها نبذا من ذَلِك، لكني آثرت أَن لَا أعدل بهَا عَمَّا افتتحتها بِهِ، واستخدمتها لَهُ، مُقْتَصرا على اسْتغْنَاء سيدنَا القَاضِي، أدام الله تأييده، عَن ذَلِك، بمرشد حفظه، ووفور فَضله، ومأثور نباهته ونبله، وَالله يبلغهُ ويبلغنا فِيهِ نِهَايَة الآمال، وَلَا يخليه، فِي طول الْبَقَاء، من مواد السَّعَادَة والإقبال، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.