حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الشَّاهِد، الْمُقْرِئ، الْمَعْرُوف بِغُلَام ابْن مُجَاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر، قَالَ: كَانَ بَدْء خروجي إِلَى الشَّام، أَن المتَوَكل خرج يتنزه بالمحمدية، فَخَلا بِهِ
[ ١ / ٢٤٧ ]
الْكتاب هُنَاكَ، فأحكموا على الْقِصَّة وَأَنا لَا أعلم، ثمَّ بعثوا إِلَيّ، وَأَنا لَا أَدْرِي، فَحَضَرت وهم مجتمعون، فَقَالُوا لي: وَكَانَ الْمُخَاطب لي مُوسَى بن عبد الْملك.
فَقَالَ لي: قد جرت أَسبَاب أوجبت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمر أَن تخرج إِلَى الرقة، فكم تحْتَاج لنفقتك؟ فَقلت: أما خروجي، فالسمع وَالطَّاعَة لأمير الْمُؤمنِينَ، وَأما الَّذِي أحتاج إِلَيْهِ للنَّفَقَة، فَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم.
فَمَا بَرحت، حَتَّى دفعت إِلَيّ، وَقَالُوا: اخْرُج السَّاعَة.
فَقلت: أودع أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالُوا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَقلت: أصلح من شأني.
فَقَالُوا: وَلَا هَذَا، وَأخذ مُوسَى يعرض لي، أَن السُّلْطَان قد سخط عَليّ، وَأَن الصَّوَاب الْخُرُوج، وَترك الْخلاف.
وَأَقْبل يَقُول: إِن السُّلْطَان إِذا سخط على الرجل، فَالصَّوَاب لذَلِك الرجل أَن يَنْتَهِي إِلَى أمره كُله، وَأَن لَا يُرَاجِعهُ فِي شَيْء، وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن التباعد عَن السُّلْطَان، لَهُ فِيهِ الْحَظ.
فَقلت: يَكْفِي الله ويلطف.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فوكلوا بِي جمَاعَة، حَتَّى خرجت من الْبَلَد، وَأَنا فِي حَالَة، الْأسر عِنْدِي أحسن مِنْهَا وَأطيب، وحثوا بِي السّير.
فَلَمَّا قاربت الرقة، وَأَرَدْت الدُّخُول إِلَيْهَا، أدركنا اللَّيْل، فَإِذا بأعرابي فِي نَاحيَة عني، وَمَعَهُ إبل يحدوها، وَيَقُول:
كم مرّة حفت بك المكاره خار لَك الله وَأَنت كَارِه
قَالَ: وَلم يزل يُكَرر ذَلِك، فحفظته، وتبركت بالفأل، وَدخلت الرقة، فَلم أقِم بهَا إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة، حَتَّى ورد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ إِلَى الشَّام للتعديل، وأجرى على مائَة ألف دِرْهَم، وَذكر أَن هَذَا عمل جليل، كَانَ الْمَأْمُون خرج فِيهِ بِنَفسِهِ، لجلالته وَعظم خطره، وَأَنه رَآنِي أَهلا لَهُ.
فَخرجت، فَرَأَيْت كل مَا أحب، حَتَّى لَو بذلت لي الْعرَاق بأسرها، على فِرَاق تِلْكَ النَّاحِيَة، مَا سمحت نفسا بذلك، فَللَّه الْحَمد والْمنَّة.
وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي جدك أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُدبر، وَكَانَ جده لأمه، وحَدثني أَنه لم يره قطّ، أَن المتَوَكل خرج إِلَى المحمدية سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ متنزها، فَأَتَانِي رَسُوله، وأحضرني، فَحَضَرت، فَوجدت عبيد الله بن يحيى،
[ ١ / ٢٤٩ ]
وَالْحسن بن مخلد، وَأحمد بن الخصيب، وَجَمَاعَة من الْكتاب حضورا.
فَقَالَ لي عبيد الله بن يحيى: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك: قد فسد علينا أَمر الرقة، ثمَّ ذكر نَحوا من الحَدِيث الأول، إِلَّا أَنه لم يكن فِيهِ إِطْلَاق ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، بل قَالَ: فَخرجت وَمَا أقدر على نَفَقَة، ففكرت فِيمَن أقصده، واستعين بِمَالِه، فَمَا ذكرت غير الْمُعَلَّى بن أَيُّوب، وَكَانَت بيني وَبَينه وَحْشَة، فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة حملت نَفسِي على الصعب فِيهَا، فَوجه إِلَيّ خَمْسَة آلَاف دِينَار، فتحملت بهَا. . . ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، على سِيَاقَة الْخَبَر الأول، إِلَّا أَنه قَالَ: إِن الَّذِي أجري عَلَيْهِ، لما أَمر بِالْخرُوجِ للتعديل، فِي كل شهر مائَة ألف وَعشْرين ألف دِرْهَم.
قَالَ: فشخصت إِلَيْهَا، وَلَو أَعْطَيْت الْآن بقصري فِيهَا، سر من رأى كلهَا، مَا سمحت نفسا بذلك.
وَكَانَ قصره بالرملة، وَكَانَ جَلِيلًا.
[ ١ / ٢٥٠ ]