حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا عبد الله حمد بن مُحَمَّد القنائي، ابْن أُخْت الْحسن بن مخلد.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: قَالَ لي أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن عَليّ بن عِيسَى، فِي كَلَام جرى بَيْننَا، غير هَذَا، طَوِيل: كَانَ حمد بن مُحَمَّد هَذَا، ابْن الْجراح عمَّة الْحسن بن مخلد، وَكَانَ أبي عرفني أَنه أَشَارَ على المقتدر بِاللَّه، وَقد استشاره
[ ١ / ٢٠٦ ]
فِيمَن يقلده الوزارة، قَالَ: فأسميت لَهُ حمد بن مُحَمَّد هَذَا، وَأَبا عِيسَى أَخا أبي صَخْرَة، وَأَبا زنبور، وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحسن المادرائيين.
[ ١ / ٢٠٧ ]
قَالَ: سَمِعت عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب، يَقُول: كَانَ المتَوَكل، أَغيظ النَّاس على إيتاخ، وَذكر حَدِيثا طَويلا، وصف فِيهِ كَيفَ قبض المتَوَكل على إيتاخ وابنيه بِبَغْدَاد، لما رَجَعَ من الْحَج، بيد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب، قَالَ فِيهِ قَالَ: سُلَيْمَان بن وهب: سَاعَة قبض على إيتاخ بِبَغْدَاد،
[ ١ / ٢٠٨ ]
قبض عَليّ بسر من رأى، وسلمت إِلَى عبيد الله بن يحيى.
وَكتب المتَوَكل إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، بِدُخُول سر من رأى، ليتقوى بِهِ على الأتراك، لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه بضعَة عشر ألفا، ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وَشدَّة شوكتهم.
فَلَمَّا دخل إِسْحَاق سامراء، أَمر المتَوَكل بتسليمي إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا عدوي، ففصل لَحْمه عَن عظمه، هَذَا كَانَ يلقاني فِي أَيَّام المعتصم، فَلَا يبدأني بِالسَّلَامِ، فأبدأه بِهِ لحاجتي إِلَيْهِ، فَيرد عَليّ كَمَا يرد الْمولى على عَبده، كل مَا دبره إيتاخ، فَعَن رَأْيه.
فأخذني إِسْحَاق، وقيدني بِقَيْد ثقيل، وألبسني جُبَّة صوف، وحبسني فِي
[ ١ / ٢٠٩ ]
كنيف، وأغلق عَليّ خَمْسَة أَبْوَاب، فَكنت لَا أعرف اللَّيْل من النَّهَار.
فأقمت على ذَلِك عشْرين يَوْمًا، لَا يفتح عَليّ الْبَاب إِلَّا دفْعَة وَاحِدَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، يدْفع إِلَى فِيهَا خبز وملح جريش، وَمَاء حَار، فَكنت آنس بالخنافس، وَبَنَات وردان، وأتمنى الْمَوْت من شدَّة مَا أَنا فِيهِ.
فَعرض لي لَيْلَة من اللَّيَالِي، أَن أطلت الصَّلَاة، وسجدت، فتضرعت إِلَى الله تَعَالَى، ودعوته بالفرج، وَقلت فِي دعائي: اللَّهُمَّ، إِن كنت تعلم أَنه كَانَ لي فِي دم نجاح بن سَلمَة صنع، فَلَا تخلصني مِمَّا أَنا فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَنه لَا صنع لي فِيهِ، وَلَا فِي الدِّمَاء الَّتِي سفكت، فَفرج عني.
فَمَا استتممت الدُّعَاء، حَتَّى سَمِعت صَوت الأقفال تفتح، فَلم أَشك أَنه الْقَتْل، ففتحت الْأَبْوَاب، وَجِيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي.
فَقلت لحاجبه: سَأَلتك بِاللَّه، اصدقني عَن أَمْرِي.
فَقَالَ: مَا أكل الْأَمِير الْيَوْم شَيْئا، لِأَنَّهُ أغْلظ عَلَيْهِ فِي أَمرك، وَذَلِكَ أَن
[ ١ / ٢١٠ ]
أَمِير الْمُؤمنِينَ وبخه بسببك، وَقَالَ: سلمت إِلَيْك سُلَيْمَان بن وهب تسمنه أَو تستخرج مَاله؟ فَقَالَ الْأَمِير: أَنا صَاحب سيف، وَلَا أعرف المناظرة على الْأَمْوَال ووجوهها، وَلَو قرر أمره على شَيْء لطالبته بِهِ.
فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْكتاب بالاجتماع عِنْد الْأَمِير لمناظرتك، وإلزامك مَالا يُؤْخَذ بِهِ خطك، وتطالب بِهِ، وَقد اجْتَمعُوا، واستدعيت لهَذَا.
قَالَ: فَحملت إِلَى الْمجْلس، فَإِذا فِيهِ مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج، وَالْحسن بن مخلد، صَاحب ديوَان الضّيَاع، وَأحمد بن إِسْرَائِيل الْكَاتِب، وَأَبُو نوح عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، كَاتب الْفَتْح بن خاقَان،
[ ١ / ٢١١ ]
وَدَاوُد بن الْجراح، صَاحب الزِّمَام، فطرحت فِي آخر الْمجْلس.
فشتمني إِسْحَاق أقبح شتم، وَقَالَ: يَا فَاعل، يَا صانع، تعرضني لاستبطاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله، لأفرقن بَين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأَرْض أحب إِلَيْك من ظهرهَا، أَيْن الْأَمْوَال؟ .
فاحتججت بنكبة ابْن الزيات لي.
فبدرني الْحسن بن مخلد، فَقَالَ: أخذت من النَّاس أَضْعَاف مَا أدّيت، وعادت يدك إِلَى كتبة إيتاخ، فَأخذت ضيَاع السُّلْطَان، واقتطعها لنَفسك، وحزتها سَرقَة إِلَيْك، وَأَنت تغلها ألفي ألف دِرْهَم، وتتزيا بزِي الوزراء، وَقد بقيت عَلَيْك من تِلْكَ المصادرة جملَة لَام تؤدها، وَأخذت الْجَمَاعَة تواجهني بِكُل قَبِيح، إِلَّا مُوسَى بن عبد الْملك، فَإِنَّهُ كَانَ ساكتا لصداقة كَانَت بيني وَبَينه.
فَأقبل من بَينهم على إِسْحَاق، وَقَالَ: يَا سَيِّدي، أتأذن لي فِي الْخلْوَة بِهِ لأفصل أمره؟ قَالَ: افْعَل.
فاستدناني، فَحملت إِلَيْهِ، فسارني، وَقَالَ: عَزِيز عَليّ يَا أخي حالك، وَبِاللَّهِ لَو كَانَ خلاصك بِنصْف مَا أملكهُ لفديتك بِهِ، وَلَكِن صُورَتك قبيحة، وَمَا أملك إِلَّا الرَّأْي، فَإِن قبلت مني، رَجَوْت خلاصك، وَإِن
[ ١ / ٢١٢ ]
خالفتني، فَأَنت، وَالله، هَالك.
قَالَ: فَقلت: لَا أخالفك.
قَالَ: الرَّأْي أَن تكْتب خطك بِعشْرَة آلَاف ألف دِرْهَم، تؤديها فِي عشرَة أشهر، عِنْد انْقِضَاء كل شهر ألف ألف دِرْهَم، وتترفه عَاجلا مِمَّا أَنْت فِيهِ.
فَسكت سكُوت مبهوت، فَقَالَ لي: مَا لَك؟ .
فَقلت لَهُ: وَالله، مَا أرجع إِلَى ربعهَا، إِلَّا بعد بيع عقاري، وَمن يَشْتَرِي مني وَأَنا منكوب، وَكَيف يتوفر لي الثّمن وَأَنا على هَذِه الْحَالة؟ .
فَقَالَ: أَنا أعلم أَنَّك صَادِق، وَلَكِن احرس نَفسك عَاجلا بِعظم مَا تبذله، ويطمع فِيهِ من جهتك، وَأَنا من وَرَاء الْحِيلَة لَك فِي شَيْء أميل بِهِ رَأْي الْخَلِيفَة من جهتك، يعود إِلَى صلاحك، وَالله الْمعِين، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَلَا تتعجل الْمَوْت، وَلَو لم تستفد إِلَّا الرَّاحَة مِمَّا أَنْت فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا، لكفى.
قَالَ: فَقلت: لست أتهم ودك وَلَا رَأْيك، وَأَنا أفعل مَا تَقول.
فَأقبل على الْجَمَاعَة، وَقَالَ: يَا سادتي، إِنِّي قد أَشرت عَلَيْهِ أَن يكْتب خطه بِشَيْء لَا يطيقه، فضلا عَمَّا هُوَ أَكثر مِنْهُ، ورجوت أَن نعاونه بِأَمْوَالِنَا وجاهنا، ليمشي أمره، وَقد واقفته ليكتب بِكَذَا وَكَذَا.
فَقَالُوا: الصَّوَاب لَهُ أَن يفعل هَذَا.
فَدَعَا لي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَأخذ خطي بِالْمَالِ على نجومه، فَلَمَّا أَخذه، قَامَ قَائِما، وَقَالَ لإسحاق: يَا سَيِّدي، هَذَا رجل قد صَار عَلَيْهِ للسُّلْطَان، أعزه الله، مَال، وسبيله أَن يرفه، وتحرس نَفسه، وينقل من هَذِه الْحَال
[ ١ / ٢١٣ ]
ويغير زيه، يرد جاهه، بإنزاله دَارا كَبِيرَة، وإخدامه بفرش وَآلَة حَسَنَة، وإخدامه خداما بَين يَدَيْهِ، وَيُمكن من لِقَاء من يُؤثر لقاءه من معامليه، وَمن يحب لقاءه من أَهله وَولده وحاشيته، ليجد فِي حمل المَال الْحَال عَلَيْهِ، قبل مَحَله، ونعينه نَحن، وَيبِيع أملاكه، ويرتجع ودائعه مِمَّن هِيَ عِنْده.
فَقَالَ إِسْحَاق: السَّاعَة أفعل ذَلِك، وأبلغه جَمِيع مَا ذكرت، وَأمكنهُ مِنْهُ، ونهضت الْجَمَاعَة.
فَأمر إِسْحَاق بفك حديدي، وإدخالي الْحمام، وَجَاءَنِي بخلعة حَسَنَة، وَطيب، وبخور، فاستعملته، واستدعاني، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ، نَهَضَ إِلَيّ، وَلم يكن فِي مَجْلِسه أحد، وَاعْتذر إِلَى مِمَّا خاطبني بِهِ، وَقَالَ: أَنا صَاحب سيف، ومأمور، وَقد لَحِقَنِي الْيَوْم من أَجلك سَماع كل مَكْرُوه، حَتَّى امْتنعت عَن الطَّعَام غما بِأَن أبتلى بقتلك، أَو يعتب الْخَلِيفَة عَليّ من أَجلك، وَإِنَّمَا خاطبتك بذلك، لإِقَامَة عذر عِنْد هَؤُلَاءِ الأشرار، ليبلغوا الْخَلِيفَة ذَلِك، وَجَعَلته وقاية لَك من الضَّرْب وَالْعَذَاب، فشكرته، وَقلت مَا حضرني من الْكَلَام.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، حولني إِلَى دَار كَبِيرَة، وَاسِعَة، حَسَنَة، مفروشة، ووكل بِي فِيهَا، على إِحْسَان عشرَة وإجلال، فاستدعت كل من أريده، وتسامع بِي أَصْحَابِي، فجاءوني وَفرج الله عني.
وَمَضَت سَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقد أَعدَدْت ألف ألف دِرْهَم، مَال النَّجْم
[ ١ / ٢١٤ ]
الأول، وَأَنا أتوقع أَن يحل، فأطالب، فأؤديه، فَإِذا بمُوسَى بن عبد الْملك قد دخل إِلَيّ، فَقُمْت إِلَيْهِ، فَقَالَ: أبشر.
فَقلت: مَا الْخَبَر يَا سَيِّدي؟ .
فَقَالَ: ورد كتاب عَامل مصر، بمبلغ مَال مصر لهَذِهِ السّنة مُجملا فِي مبلغ الْحمل والنفقات، إِلَى أَن ينفذ حسابه مفصلا، فَقَرَأَ عبيد الله ذَلِك على المتَوَكل، فَوَقع إِلَى ديواني بِإِخْرَاج الْعبْرَة لمصر، ليعرف أثر الْعَامِل، فأخرجت ذَلِك من ديوَان الْخراج والضياع، لِأَن مصر تجْرِي فِي ديوَان الْخراج والضياع وَينفذ حِسَابهَا إِلَى الديوانين، كَمَا قد علمت، وَجعلت سنتك الَّتِي توليت فِيهَا عمالة مصر، مصدرة، وأوردت بعْدهَا السنين النَّاقِصَة عَن سنتك، تلطفا فِي خلاصك، وَجعلت أَقُول: النُّقْصَان فِي سنة كَذَا عَن سنة كَذَا وَكَذَا الَّتِي صدرناها، كَذَا وَكَذَا ألفا.
فَلَمَّا قَرَأَ عبيد الله الْعَمَل على المتَوَكل، قَالَ: فَهَذِهِ السّنة الوافرة، من كَانَ يتَوَلَّى عمالتها؟ .
فَقلت أَنا: سُلَيْمَان بن وهب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ المتَوَكل: فَلم لَا يرد إِلَيْهَا؟
[ ١ / ٢١٥ ]
فَقلت: وَأَيْنَ سُلَيْمَان بن وهب؟ ذَاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر.
فَقَالَ: تزَال عَنهُ الْمُطَالبَة، ويعان بِمِائَة ألف دِرْهَم، ويعجل إِخْرَاجه.
فَقلت: وَترد ضيَاعه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ليرْجع جاهه.
قَالَ: وَيفْعل ذَلِك، وَقد تقدم إِلَى عبيد الله بِهَذَا، واستأذنته فِي إخراجك، فَأذن لي، فَقُمْ بِنَا إِلَى الْوَزير، وَقد كَانَ دخل إِلَى إِسْحَاق برسالة الْخَلِيفَة بإطلاقي.
فَخرجت من وقتي، وَلم أؤد من مَال النَّجْم الأول حَبَّة وَاحِدَة، ورددته إِلَى مَوْضِعه.
وَجئْت إِلَى عبيد الله، فَوَقع لي بِمِائَة ألف دِرْهَم مَعُونَة على سَفَرِي، وَدفع إِلَيّ عهدي على مصر، فَخرجت إِلَيْهَا.
[ ١ / ٢١٦ ]