وحَدثني غير من الْكتاب، عَمَّن سمع أَبَا عَليّ بن مقلة، لما عَاد من فَارس وزيرا، يحدث، قَالَ: من طريف مَا اتّفق لي فِي نكبتي هَذِه الَّتِي أدتني إِلَى الوزارة، أنني أَصبَحت
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَأَنا مَحْبُوس مُقَيّد فِي حجرَة من دَار ياقوت، أَمِير فَارس، وَقد لَحِقَنِي من الْيَأْس من الْفرج وضيق الصَّدْر مَا أقنطني وَكَاد يذهب بعقلي، وَكُنَّا، أَنا وَفُلَان محبوسين، مقيدين، فِي بَيت وَاحِد من الْحُجْرَة، إِلَّا أَنا على سَبِيل ترفيه وإكرام.
فَدخل علينا كَاتب لياقوت، وَكَانَ كثيرا مَا يجيئنا برسالته، فَقَالَ: الْأَمِير يقرئكما السَّلَام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عَلَيْكُمَا قَضَاء حَاجَة إِن كَانَت لَكمَا.
فَقلت لَهُ: تقْرَأ ﵇، وَتقول لَهُ: قد، وَالله، ضَاقَ صَدْرِي، واشتهيت أَن أشْرب على غناء طيب، فَإِن جَازَ أَن يسامحنا بذلك سرا، ويتخذ بِهِ منَّة عَليّ ويدا، تفضل بذلك.
فَقَالَ لي الْمَحْبُوس الَّذِي كَانَ معي: يَا هَذَا، مَا فِي قُلُوبنَا فضل لذَلِك.
فَقلت لِلْكَاتِبِ: أد عني مَا قلت لَك.
[ ١ / ٢٣٣ ]
قَالَ: السّمع وَالطَّاعَة، وَمضى، وَعَاد فَقَالَ: الْأَمِير يَقُول لَك: نعم، وكرامة وعزازة، أَي: وَقت شِئْت.
فَقلت: السَّاعَة.
فَلم تمض إِلَّا سَاعَة، حَتَّى جَاءُوا بِالطَّعَامِ، فأكلنا، وبالمشام والفواكه والنبيذ، وصف الْمجْلس، فَجَلَست أَنا والمحبوس الَّذِي معي فِي القيدين.
وَقلت لَهُ: تعال، حَتَّى نشرب، ونتفاءل بِأول صَوت تغنيه الْمُغنيَة، فِي سرعَة الْفرج مِمَّا نَحن فِيهِ فَلَعَلَّهُ يَصح الفأل.
فَقَالَ: أما أَنا فَلَا أشْرب، فَلم أزل أرْفق بِهِ حَتَّى شرب، فَكَانَ أول صَوت غنته الْمُغنيَة:.
تواعد للبين الخليط لينبتوا وَقَالُوا لراعي الذود موعدك السبت
وَلَكنهُمْ بانوا وَلم أدر بَغْتَة وأفظع شَيْء حِين يفجؤك البغت
قَالَ أَبُو عَليّ: ذكر الْمبرد فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالكامل، الْبَيْت الأول، وَرَوَاهُ لمُحَمد بن يسير.
فَقَالَ لي: مَا هَذَا مِمَّا يتفاءل بِهِ، وَأي معنى فِيهِ، مِمَّا يدل على فرجنا؟ فَقلت: مَا هُوَ إِلَّا فأل مبارك، وَأَنا أَرْجُو أَن يفرق الله بَيْننَا وَبَين هَذِه الْحَالة الَّتِي نَحن عَلَيْهَا، وَيبين الْفرج وَالصَّلَاح، يَوْم السبت.
قَالَ: وأخذنا فِي شربنا يَوْمنَا، وسكرنا، وانصرفت الْمُغنيَة، وَمَضَت الْأَيَّام.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت، وَقد مضى من النَّهَار ساعتان، إِذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعنا، وَقمت إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيهَا الْوَزير، الله، الله، فِي أَمْرِي،
[ ١ / ٢٣٤ ]
وَأَقْبل إِلَى مسرعا، وعانقني، وأجلسني، وَأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، وَلم يكن عِنْدِي علم بِشَيْء من الْأَمر، وَلَا مُقَدّمَة لَهُ.
فَاخْرُج إِلَى كتابا ورد عَلَيْهِ من القاهر بِاللَّه، يُعلمهُ فِيهِ بِمَا جرى على المقتدر، ومبايعة النَّاس لَهُ بالخلافة، ويأمره بِأخذ الْبيعَة على من بِفَارِس من الْأَوْلِيَاء، وَفِيه تَقْلِيده إيَّايَ الوزارة، ويأمره بطاعتي، وَسلم إِلَيّ أَيْضا كتابا من القاهر، يَأْمُرنِي فِيهِ بِالنّظرِ فِي أَمْوَال فَارس، والأولياء بهَا، واستصحاب مَا يمكنني من المَال، وتدبير أَمر الْبَلَد بِمَا أرَاهُ، والبدار إِلَى حَضرته، وَأَنه اسْتخْلف لي، إِلَى أَن أحضر، الكلوذاني.
فحمدت الله كثيرا، وشكرته، وَإِذا الْحداد وَاقِف، فتقدمت إِلَيْهِ بفك قيودي وقيود الرجل، وَدخلت الْحمام، وأصلحت أَمْرِي وَأمر الرجل، وَخرجت،
[ ١ / ٢٣٥ ]
فَنَظَرت فِي الْأَعْمَال وَالْأَمْوَال، وجمعت مَالا جَلِيلًا فِي أَيَّام يسيرَة، وقررت أُمُور الْبَلَد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إِلَى الحضرة، حَتَّى جَلَست هَذَا الْمجْلس، وَفرج الله عَنَّا.
[ ١ / ٢٣٦ ]