وَوجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي عبد الْوَاحِد بن نصر، عَن أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سَاعِدَة بن أبي الْوَلِيد بن أَحْمد بن أبي دؤاد، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن رَبَاح، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد، قَالَ: حَدثنَا الواثق، قَالَ: حَدثنَا المعتصم:
[ ١ / ٩٩ ]
أَن قوما ركبُوا الْبَحْر، فَسَمِعُوا هاتفا يَهْتِف بهم، من يعطيني عشرَة آلَاف دِينَار حَتَّى أعلمهُ كلمة، إِذا أَصَابَهُ غم، أَو أشرف على هَلَاك، فَقَالَهَا، انْكَشَفَ ذَلِك عَنهُ.
فَقَامَ رجل من أهل الْمركب، مَعَه عشرَة آلَاف دِينَار، فصاح: أَيهَا الْهَاتِف أَنا أُعْطِيك عشرَة آلَاف ينار، وَعَلمنِي.
فَقَالَ: ارْمِ بِالْمَالِ فِي الْبَحْر، فَرمى بِهِ، وَهُوَ بدرتان فيهمَا عشرَة آلَاف دِينَار.
فَسمع الْهَاتِف يَقُول: إِذا أَصَابَك غم، أَو أشرفت على هلكة، فاقرأ:] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿٣﴾﴾ [سُورَة الطَّلَاق: ٢-٣] .
فَقَالَ جَمِيع من فِي الْمركب للرجل: لقد ضيعت مَالك.
فَقَالَ: كلا، إِن هَذِه لعظة مَا أَشك فِي نَفعهَا.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، كسر بهم الْمركب، فَلم ينج مِنْهُم أحد غير ذَلِك الرجل، فَإِنَّهُ وَقع على لوح.
فَحدث بعد ذَلِك، قَالَ: طرحني الْبَحْر على جَزِيرَة، فَصَعدت أَمْشِي فِيهَا، فَإِذا بقصر منيف، فدخلته، فَإِذا فِيهِ كل مَا يكون فِي الْبَحْر من الْجَوَاهِر وَغَيرهَا، وَإِذا بِامْرَأَة لم أر قطّ أحسن مِنْهَا.
فَقلت لَهَا: من أَنْت وَأي شَيْء تعملين هَاهُنَا؟ قَالَت: أَنا بنت فلَان بن فلَان التَّاجِر بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ أبي عَظِيم التِّجَارَة، وَكَانَ لَا يصبر عني، فسافر بِي مَعَه فِي الْبَحْر، فانكسر مركبنا، فاختطفت، حَتَّى حصلت فِي هَذِه الجزيرة، فَخرج إِلَى شَيْطَان من الْبَحْر، يتلاعب بِي سَبْعَة أَيَّام، من غير أَن يطأني، إِلَّا أَنه يلامسني، وَيُؤْذِينِي، ويتلاعب بِي
[ ١ / ١٠٠ ]
ثمَّ ينظر إِلَيّ، ثمَّ ينزل إِلَيّ الْبَحْر سَبْعَة أَيَّام، وَهَذَا يَوْم موافاته، فَاتق الله فِي نَفسك واخرج قبل موافاته، وَإِلَّا أَتَى عَلَيْك.
فَمَا انْقَضى كَلَامهَا حَتَّى رَأَيْت ظلمَة هائلة، فَقَالَت: قد وَالله جَاءَ، وسيهلكك.
فَلَمَّا قرب مني، وَكَاد يَغْشَانِي، قَرَأت الْآيَة، فَإِذا هُوَ قد خر كقطعة جبل، إِلَّا أَنه رماد محترق.
فَقَالَت الْمَرْأَة: هلك وَالله، وكفيت أمره، من أَنْت يَا هَذَا الَّذِي منَّ الله عَليّ بك؟ فمت أَنا وَهِي، فانتخبنا ذَلِك الْجَوْهَر، حَتَّى حملنَا كل مَا فِيهِ من نَفِيس وفاخر، ولزمنا السَّاحِل نهارنا أجمع، فَإِذا كَانَ اللَّيْل، رَجعْنَا إِلَى الْقصر.
قَالَ: وَكَانَ فِيهِ مَا يُؤْكَل، فَقلت لَهَا: من أَيْن لَك هَذَا؟ فَقَالَت: وجدته هَا هُنَا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام رَأينَا مركبا بعيد، فلوحنا إِلَيْهِ، فَدخل، فحملنا، فسلمنا الله تَعَالَى إِلَى الْبَصْرَة، فوصفت لي منزل أَهلهَا، فأتيتهم.
فَقَالُوا: من هَذَا؟ فَقلت: رَسُول فُلَانَة بنت فلَان.
فارتفعت الواعية، وَقَالُوا: يَا هَذَا لقد جددت علينا مصابنا.
فَقلت: اخْرُجُوا، فَخَرجُوا.
فَأَخَذتهم حَتَّى جِئْت بهم إِلَى ابنتهم، فكادوا يموتون فَرحا، وسألوها عَن خَبَرهَا، فقصته عَلَيْهِم.
وسألتهم أَن يزوجوني بهَا، فَفَعَلُوا، وحصلنا ذَلِك الْجَوْهَر رَأس مَال بيني وَبَينهَا.
وَأَنا الْيَوْم أيسر أهل الْبَصْرَة، وَهَؤُلَاء أَوْلَادِي مِنْهَا.
[ ١ / ١٠١ ]