أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي عِيسَى بن عبد الْعَزِيز الظَّاهِرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله قَالَ: أَمر الرشيد بعض خدمه، فَقَالَ: إِذا كَانَ اللَّيْل، فصر إِلَى الْحُجْرَة الْفُلَانِيَّة، فافتحها، وَخذ من رَأَيْت فِيهَا، فأت بِهِ مَوضِع كَذَا وَكَذَا، من الصَّحرَاء الْفُلَانِيَّة، فَإِن ثمَّ قليبا محفورا، فارم بِهِ، وطمه بِالتُّرَابِ، وَليكن مَعَك فلَان الْحَاجِب.
قَالَ: فجَاء الْغُلَام إِلَى بَاب الْحُجْرَة، ففتحه، فَإِذا فِيهَا غُلَام كَالشَّمْسِ الطالعة، فجذبناه جذبا عنيفا.
فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ الله، فَأَنِّي ابْن رَسُول الله، فَالله، الله، أَن تلقي الله بدمي، فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْله، وَأخرجه إِلَى الْموضع.
فَلَمَّا أشرف الْفَتى على التّلف، وَشَاهد القليب، قَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّك على رد
[ ١ / ٢٧٠ ]
مَا لم تفعل، أقدر مِنْك على رد مَا فعلت، فَدَعْنِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وامض لما أمرت بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ.
فَقَامَ الفتي، فَصلي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فيهمَا: يَا خَفِي اللطف، أَغِثْنِي فِي وقتي هَذَا، والطف بِي بلطفك الْخَفي.
فَلَا وَالله مَا استتم دعاءه، حَتَّى هبت ريح وغبرة، حَتَّى لم ير بَعضهم بَعْضًا، فوقعوا لوجوههم، وَاشْتَغلُوا بِأَنْفسِهِم عَن الْفَتى، ثمَّ سكنت الرّيح والغبرة، وطلبنا الْفَتى، فَلم يُوجد، وقيوده مرمية.
فَقَالَ الْحَاجِب لمن مَعَه: هلكنا وَالله، سيقع لأمير الْمُؤمنِينَ أَنا أطلقناه، فَمَاذَا نقُول لَهُ؟ إِن كذبناه لم نَأْمَن أَن يبلغهُ خبر الْفَتى فيقتلنا، وَلَئِن صدقناه، ليجعلن لنا الْمَكْرُوه.
فَقَالَ لَهُ الآخر: يَقُول الْحَكِيم: إِن كَانَ الْكَذِب يُنجي، فالصدق أَرْجَى وأنجى.
فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُم: مَا فَعلْتُمْ فِيمَا تقدّمت بِهِ إِلَيْكُم؟ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الصدْق أولى مَا اتبع فِي جَمِيع الْأُمُور، ومثلي لَا يجترئ أَن يكذب بحضرتك، وَإنَّهُ كَانَ من الْخَبَر كَيْت وَكَيْت.
فَقَالَ الرشيد: لقد تَدَارُكه اللطف الْخَفي، وَالله، لأجعلنها فِي مُقَدمَات دعائي، امْضِ لشأنك، واكتم مَا جرى.
[ ١ / ٢٧١ ]