في تراجم العلماء الذين تقلصت عنهم دنياهم
ولم يحظوا منها بطائل
وأقدم قبل الشروع في ذلك مقدمة:
قال القاضي في أخريات الشفاء ما ملخصه: أن من استشهد بأحوال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو على التشبه بهم عند هضمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسى والتحقيق بل على مقصد الترفيع لنفسه أو الهزل أو إعلاء في وصف، كقول القائل (أن كذبت فقد كذب الأنبياء) أو (صبرت فقد صبر أولو العزم) وكقول قائل:
فرّ من الخلد فاستجار بنا فصبر الله قلب رضوان
فحقه أن درئ عنه القتل الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعه مقاله ومألوف عادته وقرينة كلامه أو خلاف ذلك، لأن كلامه وإن لم يتضمن سبًا ولا غضًا فما وقر النبوة ولا أعطاها حقها.
وقال أيضا في إيراده حكاية ما ملخصه: أن حكاية الأقوال السديدة تدور بين الوجوب والاستحباب والمنع، فقد اجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينونها للناس وينقضوا شبهها عليهم، وحكى الله مقالات المفترين في كتابه على وجه الإنكار والوعيد عليها، وحكى الله مقالات المفترين في كتابه على وجه الإنكار والوعيد عليها، وكذلك الحكاية على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير عنه والتجريح له، فهذا دائر بين الوجوب والندب. وأما حكاية سبه ﷺ والإزراء بمنصه على وجه الحكايات والأسمار ومضاحك المجان ونوادر السخفاء فكل ذلك ممنوع وبعضه أشد في المنبع، فما كان عن غير قصد أو غير عادة يكن من البشاعة حيث هو ولم يظهر استحسانه زجر ونهى عن العود إليه وان قوم ببعض الأدب
[ ٦١ ]
فهو مستوجب له، وان اتهم إنه اختلقه أو كانت تلك عادة له أو أظهر استحسانه لذلك أو كان مولعًا بالتحفظ لمثله قتل.
ثم قال: وقد اسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما هذا سبيله، وتركوا روايته إلا أشياء يسيرة ذكروها غير مستبشعة ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفتري عليه بذنبه - انتهى ملخصا.
فخرج من كلامه إن ذكر الأحوال المدخولة حكاية كان أو استشهادًا والإنكار والتعريف والرد وتبيين ما لله في ذلك الفعل من الحكمة في الحكاية.
وإنما قدمت هذه المقدمة لأنا سنذكر تراجم العلماء الذين زوى الله عنهم الدنيا في
مساق الفلاكة، فقد يقول من شم طرفًا من الفقه: إن ذكر العلماء في سياق الفلاكة غض من قدر العلم وتهاون بحرمته. والجواب عن هذا التوهم: أما أولا فما قاله القاضي على ما قررناه في كلامه، على أن ما قاله القاضي عياض ﵀ من التفصيل إنما هو في الله تعالى وملائكته وأنبيائه. وأما ثانيًا فلا نسلم مجيء مثل هذا التفصيل في الحكاية عن العلماء ولو سلم فلا نسلم مجيئه في التراجم، لأن أوصاف الكمال وأوصاف غير الكمال كل واحد منهما يشعر وصفه ونسبته إلى الشخص بانتقال لآخر عنه ورفعه، فلو اقتصر في التراجم على احدهما لكان تلبيسًا وتدليسًا وإغراءًا وحملا على الجهل، وهذا إن لم يعين أو يرجح ذكر الترجمة بطرفيها فلا أقل من أن يقتضي عدم المنع من ذكرها بطرفيها.
وقد يقال: لا حاجة بنا إلى هذا البحث، لأن لفظ الفلاكة والمفلوك مجتنب في هذا الفصل إلا نادرًا، وإنما نذكر فيه تراجم العلماء ناقلين لها من المصنفات المعتمدة من غير إطلاق لفلاكة أو مفلوك على احد، والعهدة في المنقول على المؤرخين، والعذر في أتباعهم في نقله إنه لم يزل العلماء والمؤرخون يذكرون ذلك إملاءً وتصنيفًا شائعًا ذائعًا من غير نكير، فكان إجماعًا من السلف على جوازه. وقد تقدم كلام القاضي في جواز الحكاية على جهة التعريف أو التنفير، وتقدم أيضا ما قلناه على سبيل البحث من أن في ذكره أمنًا من التدليس والتجهيل.
وأما الاعتذار عن إيراد الفلاكة والمفلوك على الندور فهو أنا نقول: الفلاكة وإن أشعرت بتنقيص إلا أنا نذكرها في هذا الفصل معراة عن معنى التنقيص، والكلمات كثيرًا ما تكون حاملة لمعنيين فتعرى من أحدهما مجازًا، وهذا في الكشاف في مواضع: (فمنه) ما ذكر في سورة الأعراف أن واو
[ ٦٢ ]
الحال هي واو العطف استعيرت لمجرد الوصل. وعلى الجملة فاستعمال الكل في الجزء مجاز شائع.
أو نقول: المراد بالفلاكة المذكورة في هذا الفصل وقوع ما الأولى خلافه. واللغة اصطلاحية على قول، والألفاظ التي يدور عليها معنى في تصنيف كالخبن والطي في العروض اصطلاحية اتفاقًا، فقد سقط بهذا التقرير اعتراض من يدلع لسانه كالكلب مجادلا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
اللهم عياذًا بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطال في الجهل وأذى عبادك ذراعه، فقد اتخذ بطر الحق وغمص الناس سلما إلى ما يحبه ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما يشتهيه ويأباه، ولياذًا بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته، يجعل عداوته وأذاه حذارًا وإشفاقًا وتنفيره وتخذيله إسعافًا، متى برز على الجهال بأصغريه ظن إنه قد زاحم العلماء بركبتيه.
إذا تقرر ذلك فاعلم أن الفلاكة على ضربين:
(أحدهما) فلاكة مالية، ونعني بها كون الشخص غير محفوظ في أمور الدنيا المالية على ما قررناه في الفصل الأول، أو وقوع ما الأولى خلافه في الأمور المالية على ما قررناه في هذا الفصل.
(والثاني) فلاكة معنوية، ونعني بها الأوصاف المخالفة لمحاسن الطبيعة أو لمحاسن الشريعة من الأفعال المحرمة أو الأفعال المكروهة والأخلاق القبيحة المذمومة.
وإذا عرفت انقسام الفلاكة إلى هذين القسمين مالية ومعنوية اتضح لك مناسبة التراجم في هذا الفصل لمقصود الفصل، وهذا حين الشروع وإنا ننقل فيها ألفاظ المترجمين بحروفها من غير تصرف فيها لتكون العهدة عليهم في ذلك. والله المستعان.