الزهد في اللغة الرغبة عن الشيء، خصص بما يكون الرغبة فيه عن الدنيا. وفي الاصطلاح ترك المباح المحبوب المقدور عليه لأجل الله.
وفي ضابطه قيود:
(الأول) - ترك المباح. فتارك المحظورات لا يسمى
[ ١٠ ]
زاهدًا.
(الثاني) - المحبوب، فتارك ما لا يؤبه إليه كالتراب والحجر لا يسمى زاهدًا.
(الثالث) - كونه لأجل الله، فبذل المال وتركه على سبيل السخاء والفتوة واستمالة القلوب والطمع في الثناء لا يكون زهدًا، إذ الذكر والثناء وميل القلوب أهنأ من المال، فهو استعجال حظ آخر للنفس.
(الرابع) - المقدور، فمن ترك ما لا يقدر عليه كغير ابن أدهم من أمثالنا في دعوى الزهد في الملك لا يكون زاهدًا. وفي إفراد المباح إشارة إلى أن الزهد يتبعض كما أن التوبة تتبعض، فمن ترك بعض التمتعات من الشهوة والغضب والرياسة دون بعض كان زاهدًا.
وأما القانع فهو المرجح لوجود المال على عدمه ترجيحًا لا يحمله على الدأب فيه، فقولنا (المرجع) خرج به من لا يحب حصوله ولا يكره زواله وهو الراضي، وقولنا (ترجيحًا لا يحمله على الدأب فيه) خرج به من يتركه عجزًا ويسعى فيه ما وجد إليه سبيلا وهو الحريص.
وهذه المرتبة - وهي مرتبة الحرص - وإن كانت دنيا فإن لها فضلا لدخولها تحت العمومات الواردة في فضل الفقر، وذلك جمع بين قوله ﷺ ﴿يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام﴾ وبين قوله ﷺ في حديث آخر (بأربعين خريفًا) أي أربعين سنة، بأن الأول تقدير تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، والثاني تقدير تقدم الفقير الحريص على الغني الراغب، فكأن الفقير الحريص على درجتين من خمسة وعشرين درجة من الفقير الزاهد، إذ هذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة.
وأما قوله ﷺ ﴿يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا﴾ فلا يقتضي أن الحريص لا ثواب له على فقره، لأن العمومات تقتضي أن له ثوابًا، فلعل المراد بعدم الرضا الكراهة لفعل الله من حبس الدنيا عنه، ورب راغب في المال لا يخطر بقلبه إنكار على الله ولا كراهة لفعله.
إذا عرفت تمايز هذه الحقائق بمسمياتها وأسمائها فاعلم أن وجود المال في اليدين لا في القلب ودخول الدنيا على العبد وهو خارج عنها لا ينافي الزهد، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح، فكم من الرهابين من رد نفسه في كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازم ديرًا لا باب له، وإنما أعلى المقامات أن يستوي عند القلب وجود المال وفقده، فإن وجده لم يفرح ولم يتأذ،
[ ١١ ]
وكذلك إن فقده.
وقد روي عن عائشة أنها فرقت في يوم مائة ألف درهم، فقالت لها جاريتها: هلا شريت لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ فقالت: لو ذكرتني لفعلت. وذلك لأن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا، كما أن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله، فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله والمشغول ببعض نفسه
مشغول عن الله أيضا، بل كل ما سوى الله.
مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وبغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه به منصرف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه، فكما أن النظر إلى غير المعشوق بحب شرك كذلك النظر إلى غيره ببغض شرك فيه ونقص.
وأما هروب الأنبياء والأولياء والأكابر من الدنيا فذلك لأن الدنيا خداعة مدعاة إلى الشهوات والراحة في بذلها أنس بغير الله، والأنس بغير الله بعد عن الله، فالأنبياء والأولياء يتركون الدنيا للتشريع والتعليم والخوف على أتباعهم من أن يتشبهوا بهم مع عدم قوتهم فيهلكوا. ومن دونهم ممن لا قوة له يترك ذلك احتياطًا وحزمًا، فإن استواء الذهب والحجر في القلب عسير ومزلة قدم، وهو حال الأنبياء وأفراد الأولياء.
ويوضح لك أن المال في اليدين بدون القلب لا ينافي الزهد، إن خزائن الأرض حملت إلى رسول الله ﷺ وإلى أبي بكر وعمر فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها. وكان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان يتصدق بها بين أريس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار، وكان للزبير عند وفاته خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
قال عروة: كان للزبير بمصر خطط وبالإسكندرية خطط وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة. وترك عبد الرحمن ابن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة. قال ابن سيرين: كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفًا.
قال أبو الأسود عن عروة: أوصى عبد الرحمن
[ ١٢ ]
بن عوف في السبيل بخمسين ألف
دينار. وروى موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة الف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالأعراض له غلات، وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، وقضى عن صبيحة التيمي ثلاثين ألف درهم.
وقال الواقدي: حدثني اسحق ابن يحيى عن موسى بن طلحة أن معاوية ﵁ سأله كم ترك أبو محمد يعني طلحة من العين؟ قال: ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار.
وقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: كان قيمة ما ترك طلحة من العقار والأموال وما ترك من الناض ثلاثين ألف ألف درهم، وترك من العين ألفي ألف درهم ومائتي ألف دينار، والباقي عروض.
وقال علي بن رباح: قال عمرو بن العاص حُدثت أن طلحة بن عبيد الله ترك مائة بهار في كسل بهار ثلاث قناطير من ذهب. قال: وسمعت أن البهار جلد ثور، والبهار لغة ثلاثمائة رطل. قال ذلك كله أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته الكبرى.
وأيضًا كان لسعد بن أبي وقاص والبراء بن معرور السلمى والعباس ابن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وعبد الله بن عمر أموالا كثيرة. ويدل على ذلك أن العباس فدى نفسه وابن أخيه عقيلا بثمانين أوقية ذهبًا ويقال ألف دينار. وما روى عن عبد الله بن عمر إنه كان إذا رأى من رقيقه أمرًا يعجبه اعتقه فعرف رقيقه منه ذلك فشمروا للعبادة فأعتقهم، فقيل: له إنهم يخدعونك. فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. وما روى أن سعد بن أبي وقاص قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله مال كثير وليس يرثني إلا ابني أفأوصي بثلث مالي؟ قال: لا - الحديث.
فهذا كله مما يدلك أن الدنيا ليست مكروهة لعينها وإلا لأمرهم ﷺ بالانسلاخ من أموالهم. وأما المسألة المشهورة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، فذهب ابن عطاء الله قدس الله روحه إلى تفضيل الغنى، وخالف في ذلك الجنيد وجمهور الصوفية، وما أوردوه عليه من
[ ١٣ ]
أن الغنى وصف الحق والفقر وصف العبد وصفات الربوبية لا ينازع فيها، معارض بأن العلم والمعرفة وصف الرب والجهل والغفلة وصف العبد فليكونا أفضل له.
ثم لا شك أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص، والغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص.
قال ابن دقيق العبد في شرح العمدة: الذي تقتضيه الأصول إنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية يكون الغنى أفضل، ولا شك في ذلك وإنما النظر فيما إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما يوفيه، فإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضلية، فإن فسر الأفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وان كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف، فترجح الفقر. ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغني، فكان أفضل بمعنى الثرف - هكذا قاله ابن دقيق العيد في الكلام على قوله ﷺ ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ لما شكى له أن الفقراء قالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم - الحديث.
فقد بان لك واتضح بالكلام في هذين المقامين أن التعلق بالأسباب لا ينافي التوكل، وان وجود المال في اليدين لا في القلب لا ينافي الزهد، والمقصود إلجام المفلوكين
عن التعلق بالزهد أو التوكل في انزواء الدنيا عنهم جدلا مهما كانوا محتجين لا زاهدين حقيقة فإن الزاهد حقيقة لا كلام معه، لأن الزهد كما لا ينافي المال لا يستلزمه، وغايته أن الزهد على قسمين: قسم مع المال، وقسم لا مع المال. فلا منافاة ولا استلزام له.