غمر العقل العربي في أثناء هذه العصور بهذا الذوق من التصنع؛ فعمد إلى وسائل يصعب بها تناوله للآراء والأفكار على نحو ما كان المهلبي يصعب على نفسه في تناوله لطعامه بملاعقه. وعمّت هذه الروح في صنع النماذج الفنية؛ فالتجأ كثير من الأدباء إلى تعقيد التعبير فنونًا من التعقيد، ولعل مما يصور ذلك ما يُروى من مهارة بديع الزمان وأنه كان يستطيع أن يكتب كتابًا يقرأ فيه جوابه، أو كتابًا يقرأ من آخره إلى أوله، أو كتابًا إذا قرئ من أوله إلى آخره كان كتابًا، فإن عكست سطوره مخالفة كان جوابًا، أو كتابًا لا يوجد فيه حرف منفصل من راء يتقدم الكلمة، ودال ينفصل عنها، أو خاليًا من الألف واللام، أومن الحروف العواطل أو أول سطوره كلها ميم وآخرها جيم، أو كتابًا إذا قرئ معرجًا وسُرد معرجًا كان شعرًا، أو إذا فسِّر على وجه كان مدحًا وإذا فسر على وجه كان ذمًّا١.
ويظهر أن ذلك كان يعدّ عند كتاب العصر وشعرائه الأفق الأعلى في البلاغة والفصاحة، فانطلق الشعراء ينظمون قصائد كل ألفاظها من الحروف المعجمة أو من الحروف المهملة أو من الحروف المهموزة أو مما لا تنطبق معه الشفتان٢؛ وكأن الشعر يستحيل إلى عمل لغوي، فإذا الشعراء يصنعون صنيع عمال المطابع إذ "يرصُّون" الحروف بعضها إلى بعض فتكون صناديق من الحروف، ولكن لا تتكون أبيات من الشعر إلا إذا أردنا بهذا الشعر الإفصاح عن صعوبات في التعبير وطرق الأداء. ونحن ينبغي أن نعرف أن الشعراء كانوا يعجبون بهذه التعقيدات إعجابًا شديدًا؛ فالثعالبي يذكر لنا أن الصاحب
_________________
(١) ١ رسائل بديع الزمان "طبع اليسوعيين" ص٧٤. ٢ معاهد التنصيص ٢/ ١٠٢.
[ ٢٨٠ ]
ابن عباد صنع قصيدة معرَّاة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولًا في المنظوم والمنثور فتداولها الرواة وعجبوا منها؛ فصنع الصاحب قصائد كل منها خالية من حرف من حروف الهجاء١ وحتى موسيقى الشعر والنثر لم تسلم من هذا التكلف والتعقيد في الأداء، فنحن نجد المعري في لزومياته وفصوله وغاياته يتقيد في قوافيه وأسجاعه بحرفين أو ثلاثة، كأن الوسيلة الواحدة لا تكفي للتعبير في الأدب بل يحسن أن تتعدد كما تعددت ملاعق المهلبي. ولم يصنع المعرى ذلك بمجموعة صغيرة من القصائد والرسائل، بل طبقه في ديوان ضخم من الشعر، وكتاب ضخم أيضًا من النثر.
ولعل مما يتصل بهذه الجوانب من التصعيب في الأداء ما شاع في هذه العصور من الألغاز والأحاجي؛ وقد روى صاحب اليتيمة طرفًا من هذا الجانب عند بديع الزمان٢ وابن العميد٣. ويقول صاحب سر الفصاحة: "وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرًا ومنه قوله:
وجبتُ سرابيًّا كأن إكامَهُ جوارٍ ولكن ما لهنَّ نهود٤
تمجَّس حرباءُ الهجير وحوله رواهبُ خيطٍ والنهارُ يهودُ٥
فألغز بقوله جوارٍ عن الجواري من النساء وهو يريد كأنهن يجرين في السراب، وبقوله نهود عن نهود الجواري وهو يريد بنهود: نهوض، أي كأنهن يجرين في السراب وما لهن على الحقيقة نهوض. وأراد بقوله تمجس الحرباء: أي صار لاستقباله الشمس كالمجوس التي تعبدها وتسجد لها، وجعل النعام الرواهب لسوادها، ويهود: يرجع، وهو يلغز بذلك عن اليهود لما ذكر المجوس والرواهب، وكذلك قوله:
إذا صدق الجدُّ افترى العمّ للفتى مكارم لا تُكري وإن كذب الخال٦
_________________
(١) ١ اليتيمة: للثعالبي "طبع الصاوي" ٣/ ٣٧٥. ٢ اليتيمة ٤/ ٢٨٤. ٣ اليتيمة ٣/ ١٦١. ٤ جبت: قطعت. سرابيًا: قفرًا يلمع فيه السراب. الإكام: جمع أكمة، وهي التل. ٥ الحرباء: دويبة تتلون ألوانًا مع الشمس وتدور معها. ٦ تكرى: تنقص وتزيد، من الأضداد.
[ ٢٨١ ]
لأنه يريد بالجد الحظ، وبالعم: الجماعة من الناس وبالخال المخيلة، وقد ألغز بذلك عن العم والجد والخال من النسب"١.
وليس من شك في أن مثل هذه الألغاز لا تضيف طرافة إلى الشعر؛ إلا أن يقصد به إلى التعقيد وأن يتخذ هذا التعقيد إحدى غاياته. وكأني بالحضارة العربية ضلت طريقها الطبيعي في التعبير، فذهبت تستعين بألوان الطعام يوضع بعضها وراء بعض، أو بالملاعق تتعدد في أثناء تناول الطعام، أو بهذه الوسائل الملتوية في التعبير الفني، وكأنها تبحث عن طريق جديد تعبر به؛ غير أنها لم تقع إلا على هذه الضروب من التكلف والتصنع فتشبثت بها، وقد خيل إليها أنها تستطيع أن تطرف بها حياة الناس وأفكارهم، ومن المهم أن نعرف أن الناس كانوا يطلبون هذه الضروب من الشعراء لأن حياتهم هم أنفسهم تعقدت وأصبحوا لا يعجبون إلا بما يتمشى مع حياتهم. واستجاب لهم الشعراء؛ فكل يحاول بدوره أن يعقِّد الفن وأن يقع في هذا التعقيد على طرفة جديدة يطرفهم بها حتى ينال إعجابهم واستحسانهم.
_________________
(١) ١ سر الفصاحة ص٢١٥.
[ ٢٨٢ ]