كان الشعر الجاهلي يرتبط بالغناء، وكان الشاعر يغني أشعاره، ويظهر أن الغناء القديم لم يقف عند هذه الظاهرة البسيطة؛ فقد أخذ يتعقد وأخذت تظهر فيه الجوقات، ولعل ما يثبت ذلك من بعض الوجوه ما يرويه الطبري والأغاني من أن هندًا بنت عُتْبة وجماعة من نساء قريش كنَّ يضربن على الدفوف في غزوة أحد، وكانت هند تغني في أثناء هذا العزف بمقطوعات، منها قولها١:
أن تُقبلوا نُعانقْ وَنفْرِش النَّمارقْ
أو تُدْبِرُوا نفارقْ فراقَ غيرِ وامقْ
_________________
(١) ١ أغاني "ساسي" ١٤/ ١٦ وانظر الطبرى "طبع أوربا" الجزء الثالث من المجلد الأول ص ١٤٠٠.
[ ٤٥ ]
الجوقات:
وليس من شك في أننا نرى هنا مظهرًا للجوقة من بعض الوجوه؛ فشاعرة تُغني شعرها وجوقة تضرب على غنائها بالدفوف. وكما كان يحدث ذلك في حربهم كان يحدث في سلمهم؛ في أعيادهم وأعراسهم وحفلاتهم المختلفة. رَوَى الطبري أن النبي -ﷺ- رجع إلى مكة ذات يوم؛ فسمع عزفًا بالدفوف والمزامير، فسأل عنه فعرف أنه عرس١، وذكر ابن رشيق أن القبيلة من العرب كانت ذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنَّأتها وصُنعت الأطعمة واجتمعت النساءُ يلعبن بالمزاهر٢.
القيان:
ودخل هذه الجوقات العربية عنصرٌ أجنبي في أواخر العصر الجاهلي، حين اتصل العرب بغيرهم من الأمم الأجنبية، نقصد القيان اللائي شاع ذكرهن في الشعر القديم، ونحن نجدهن في كل مكان، نجدهن في الحيرة، وقد اشتهرت هناك بنت عَفْزر٣، وكذلك خليدة وهريرة وهما قينتان لبشر بن عمرو بن مرثد، -وكانتا تغنيان النصب- قدم بهما إلى اليمامة لما طلبه النعمان٤، ولعلهما هما اللتان يعنيهما بشر بقوله٥:
وتبيت داجنةٌ تجاوب مثلها خَوْدًا منعمَّة، وتضربُ مُعْتبا
وهريرة هي صاحبة الأعشى التي ذكرها في مطولته٦. وعرفت هذه القيان في بلاط الغساسنة٧، كما عرفن في المدينة ومكة، أما المدينة فيذكر صاحب الأغاني من أهلها أمروا إحدى القيان أن تغني النابغة بشعر له فيه إقواء٨، وأما مكة فقد كان بها قينتان لعبد الله بن جدعان جلبهما من بلاد
_________________
(١) ١ الطبري الجزء الثالث من المجلد الأول، ص١١١٦. ٢ العمدة ١/ ٣٧. ٣ أغاني "طبع دار الكتب" ١١/ ٩٦. ٤ أغاني "طبع دار الكتب" ٩/ ١١٣. ٥ المفضليات المجلد الأول، ص٥٥٤. ٦ أغاني "دار الكتب" ٩/ ١١٣. ٧ أغاني "ساسي" ١٦/ ١٤. ٨ أغاني "طبع دار الكتب" ١١/ ١٠.
[ ٤٦ ]
الفرس، وكانتا تغنيان الناس١، وفي الأغاني: أنه لما نصح أبو سفيان لقريش أن يرجعوا في غزوة بدر قال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرى بدرًا فنقيم عليه ثلاثًا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونُسقى الخمور وتَعزِفُ علينا القيان وتسمع بنا العرب٢. وفي السيرة النبوية أن النبي -ﷺ- أمر يوم فتح مكة بقتل شخص يسمى ابن خَطل كان مسلمًا ثم ارتدَّ وفر إلى مكة وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء النبي، تسمَّى إحداهما فَرْتنى، وقد أمر النبي بقتلهما، ففرت إحداهما وقتلت الأخرى٣. وفي أخبار امرئ القيس أنه لما طرده أبوه: "كان يسير مع جماعة من شذاذ العرب؛ فإذا صادف غديرًا أو روضة أو موضع صيد قام فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى الصيد فتصيد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه، وشرب الخمر، وسقاهم، وغنته قيانه"٤.
الرقص
ليس من شك في أن هذه الموجة الواسعة من الجوقات والقينات هي التي مهدت لأن يتعقد الغناء على هذه الصورة التي يصفها إسحاق الموصلي إذا يقول: "وغناء العرب قديمًا على ثلاثة أوجه النصب والسناد والهزج؛ فأما النصب فغناء الركبان والفتيان وهو الذي يستعمل في المراثي، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض؛ وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات؛ وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه ويُمْشَى بالدف والمزمار فَيُطرب ويستخف الحليم هذا كان غناء العرب قديمًا حتى جاء الله بالإسلام وفتحت العراق وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم وتغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية وغنوا جميعًا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير"٥، ونرى من هذا النص أن الغناء تعقد عند العرب في العصر الجاهلي؛ لا برقية إلى هذه الفنون التي ذكرها إسحاق فقط، بل أيضًا لما كان يقترن به من هذا الرقص الذي كان يَصْحَبُ
_________________
(١) ١ أغاني دار الكتب ٨/ ٣٢٧. ٢ أغاني دار الكتب ٤/ ١٨٣. ٣ السيرة النبوية لابن هشام "طبعة الحلبي" ٤/ ٥٢. ٤ أغاني دار الكتب ٩/ ٨٧. ٥ العمدة لابن رشيق ٢/ ٢٤١.
[ ٤٧ ]
الهزج ويُمْشَى عليه بالدف والمزمار، ألسنا نرى هنا الجوقة تامة؟ قد يظن أن الرقص يحتاج إلى حضارة ومدنية؛ ولكن تاريخه لا يشهد بذلك، فالرقص غريزة في الناس جميعًا، وقد وُجد عند جميع الشعوب، فهو لا يحتاج في نشأته إلى حضارة ومدنية، إنما هو حركات جسمية تحدث بصياح وضجيج وتصفيق بالأيدي وضرب بالأرجل.
ومن يرجع إلى مدلول الكلمات التي عبر العرب بها عن الغناء يجد بعضها يدل على ضروب من الحركات الجسمية كما يدل على ضروب من الشعر؛ فالهزج الذي يذكره إسحق الموصلي يطلق على نوع من الغناء كما يطلق على نوع من الحركة الجسمية السريعة١. ومثله الرَّمَل وكانوا يطلقونه على من يهز منكبيه ويسرع في حركته، كما كانوا يطلقونه على الشعر الذي يوصف باضطراب البناء والنقصان٢. وفي ذلك ما يدل على اقتران الغناء بالرقص من جهة، وما يدل على اقتران الرقص بالشعر من جهة أخرى.
_________________
(١) ١ لسان العرب: مادة هزج. ٢ لسان العرب: مادة رمل.
[ ٤٨ ]