رأينا الأندلس تؤسس حياتها العقلية والأدبية على أسس مشرقية، وجعلها ذلك تعيش في فنها وشعرها داخل الإطار المشرقي العام؛ إذ كانت الفكرة الأساسية عند من يريد أن يكتب شعرًا أن يكون شعره على نمط الشعر عند المشارقة من القدماء أو العباسيين. ومعنى ذلك أن الشاعر الأندلسي لم يحاول أن يخضع الشعر العربي لشخصيته؛ بل رأيناه هو يخضع له، فهو يخضع لموضوعاته المعروفة في المشرق كما يخضع لأفكاره ومعانيه وأخيلته وأساليبه ولعل من المهم أن نعرف أنه مرت على الأندلس فترة طويلة قبل أن تجد شاعرًا ممتازًا تستطيع أن تلقى به شعراء المشرق، وأكبر الظن أن ذلك يرجع إلى كثرة ما كان فيها من فتن وثورات وخصومات فكأنها لم تهدأ لنفسها حتى تستطيع أن تنتج شاعرًا ممتازًا إذ كانت دائمًا في حروب داخلية يثيرها العرب وما بين المضرية واليمنية عندهم من خصومات قديمة، ثم يثيرها ما كان يقوم بين العرب وبين البربر من جهة، ثم بينهم وبين المسيحيين الشماليين من جهة أخرى.
ومهما يكن فقد كانت مُثُل الأندلسيين في الشعر هي نفس مثل المشارقة، ومع ذلك فنحن لا نكاد نعرف للأندلس شاعرًا ممتازًا في القرنين الثاني والثالث
[ ٤١٧ ]
للهجرة سوى يحيى بن الحكم الغزال شاعر الأمير عبد الرحمن الثاني "٢٠٦- ٢٣٨هـ" وقد سفر بينه وبين أمراء أوربا وقدم في بعض هذه السفارات على أحد أمراء النورمان في جزائر الدانمارك، وأثبت ابن دحية بعض أشعاره في "المطرب" وهي أشعار جيدة. وأهم منه ابن عبد ربه صاحب كتاب "العقد الفريد" المتوفى عام ٣٢٨ للهجرة، فقد تعلق بصنع الشعر وترك فيه ديوانًا لم يصلنا؛ غير أن ما نقله ياقوت وابن خلِّكان عنه يدل على أنه متكلف في شعره كقوله:
يا ذا الذي خط العذارُ بوجهِهِ خطين هاجا لوعةً وبلابلا
ما صح عندي أن لحظك صارمٌ حتى لبست بعارضيكَ حَمَائلا
وواضح في هذا التصوير من تكلف إذا وصف اللحظ بالسيف الصارم، وكان التشبيه حتى الآن طبيعيًّا؛ ولكنه أراد أن يبعد فزاد تلك البقية التي تجعل العذارين حمائل للسيف، أرأيت إلى هذا البعد في الخيال وهذا التكلف؟ ومع ذلك فقد كان لابن عبد ربه قطع أخرى لا يبدو فيها هذا التكلف الشديد كقوله:
وبدت لي فأشرقَ الصبحُ منها بين تلك الجيوبِ والأطواقِ
يا سقيمَ الجفونِ من غيرِ سَقَمٍ بين عينيك مصرعُ العشَّاقِ
إن يوم الفراقِ أفظعُ يوم ليتني مت قبل يومِ الفِراقِ
وله قطع أخرى أكثر من هذه رقة وسهولة. ولعله من المهم أن نعرف أن الشعر الأندلسي يفقد الوحدة منذ ابن عبد ربه؛ إذ نجد الشاعر الواحد يتكلف في قطعة ويخفف من تكلفه في أخرى، فتحار أهو من مذهب الصانعين أم هو من مذهب المتصنعين أم هو من مذهب المصنعين، فقطعة فيها صنعة وثانية فيها تصنُّع وثالثة فيها تصنيع على غير نظام أو نسق معين.
ولذلك كان الباحث يضطرب في الحكم على الشارع الأندلسي؛ فبينما يحكم عليه بأنه من ذوق الصانعين إذا به يجد عنده نموذجًا من ذوق المصنعين أو المتصنعين، وكذلك الأمر إن هو حكم عليه بأحد الذوقين الآخرين. وقد يكون من أسباب ذلك أن هذه المذاهب كانت تتفارق في المشرق مفارق واضحة، إذ توجد مع التطور في الحياة والحضارة، فالصانعون يسبقون المصنعين ويأتي
[ ٤١٨ ]
المتصنعون من ورائهم، أما في الأندلس فإنه يوجد هناك تطور بين هذه المذاهب؛ إذ بدأت نهضة الشعر هناك متأخرة عن نشوء هذه المذاهب في المشرق، فكان الشعراء يحاكونها جميعًا في غير نظام ولا نسق واضح. ونحن نقف قليلًا عند شاعرين مهمين ظهرًا بعد ابن عبد ربه في القرن الرابع، وهما ابن هانئ الأندلسي وابن دراج القَسْطَلي.
ابْنُ هانِئٍ الأَنْدلُسي:
هو أبو القاسم محمد بن هانئ١، وهو عربي الأصل إذ ينسب إلى المهلب بن أبي صفرة الأزدي الذي اشتهر بحروبه وانتصاراته على الخوارج وفي خراسان لعصر بني أمية. ويسمى ابن هانئ الأندلسي تمييزًا له من ابن هانئ الحكمي المكنى بأبي نواس الشاعر المعروف. وقد ولد بإشبيلية عام ٣١٦ للهجرة، وكان أبوه قد هاجر إليها من المهدية في شمالي إفريقيا وعني بابنه وبتربيته، ولم يلبث أن تدفق الشعر على لسانه؛ فلمع اسمه، وقربه منه حاكم بلدته. غير أنه أكثر من الانهماك في الملاذ، وأظهر استهتارًا وزندقة، ونقم عليه أهل إشبيلية ذلك، وامتدت نقمتهم إلى الحاكم الذي يرعاه، فنصحه أن يبتعد عنهم مدة، فولى وجهه نحو المغرب وعمره سبعة وعشرون عامًا. وكانت جيوش الفاطميين تتوغل فيها بقيادة جوهر الصقلي، فألم به وقدَّم إليه إحدى مدائحه، لكنه لم يثبه الثواب الذي كان ينتظره، فتركه إلى جعفر ويحيى ابني علي، وكانا واليين على الزاب في المغرب الأوسط للمعز الفاطمي، فأجزلا له في العطاء، وسمع به المعز فطلبه منهما، وقدم عليه ابن هانئ، فبالغ في الإنعام عليه، حتى تحول إليه بقلبه، وآمن بعقيدته الشيعية وكل أصولها المذهبية. وخرج مع المعز حين فتح مصر ينشده مدائحه، ولكنه عاد ليحضر أولاده وأهله، ووصل بهم إلى برقة، ونفجأ بقتله فيها سنة ٣٦٢ وربما دبَّر هذا القتل بعض خصوم المعز هناك حتى لا ينعم بهذه التحفة النادرة.
_________________
(١) ١ انظر في ترجمته: وَفَيَات الأعيان: لابن خلكان ٢/ ٤. ومطمح الأنفس: للفتح بن خاقان "طبع الجوائب" ص٧٤. والتكملة: لابن الأبارص ١٠٣. والإحاطة: للسان الدين بن الخطيب ٢/ ٢١٢ والمغرب "القسم الأندلسي- طبع دار المعارف" ٢/ ٩٧. ومعجم الأدباء "طبعة القاهرة" ١٩/ ٩٢.
[ ٤١٩ ]
ومن يرجع إلى ديوانه يجد أكثره في المديح، ومعانيه فيه هي نفس المعاني التي نلقاها في الشعر العربي عند العباسيين ومن قبلهم، وإن كنا نلاحظ في مديحه للمعز وقوفًا طويلًا عند صفاته الإمامية، وشعره في هذه الناحية مرجع مهم لمن يبحثون في العقيدة الفاطمية وكل ما كان يؤمن به دعاتهم من صفات عُلْوية في الإمام؛ إذ كانوا يؤمنون بأنه معصوم وأنه عالم بالظاهر والباطن وأنه يكون شفيعًا لأوليائه يوم القيامة، ولا يزالون به حتى يضعوه فوق البشر ويضفون عليه من القدسية والجلال ما يجعله روحًا من الله، بل ما يجعله سبب الوجود وعلة الحياة. وتكثر هذه المعاني وما يتصل بها في شعر ابن هانئ كثرة مفرطة كقوله١:
وما كُنْهُ هذا النورِ نورِ جبينه ولكنَّ نورَ اللهِ فيه مشاركُ
وقوله٢:
ولله علمٌ ليس يحجبُ دونَكُمْ ولكنَّهُ عن سائرِ الناسِ محجوبُ
وقوله٣:
مؤيدٌ باختيارِ اللهِ يصحبُهُ وليس فيما أراه اللهُ من خَلَلِ
وقد شهدتُ له بالمعجزات كما شهدت لله بالتوحيدِ والأزلِ
وقوله٤:
أرى مدحه كالمدح لله إنه قنوتٌ وتسبيحٌ يحطُّ به الوزْرُ
وقوله٥:
هو علَّةُ الدُّنيا ومن خُلقت له ولعلة ما كانت الأشياءُ
وقوله٦:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحكمْ فأنتَ الواحدُ القهارُ
وقوله حين نزل المعز بمدينة رقادة بجوار القيروان٧:
_________________
(١) ١ الديوان "طبعة زاهد علي" ص٥١١. ٢ الديوان ص٦٦ ٣ الديوان ص٩٥. ٤ الديوان ص٣٤٢. ٥ الديوان ص١٥. ٦ الديوان ص٣٦٥. ٧ الديوان ص٨١٧
[ ٤٢٠ ]
حلّ برقادةَ المسيحُ حلَّ بها آدم ونوحُ
حلَّ بها الله ذو المعالي وكلُّ شيءٍ سواه ريحُ
فالمعز في رأيه تحل فيه أرواح الأنبياء، بل يحل فيه الله -تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- ومرَّ بنا شيء من هذه المبالغات عند المتنبي، وكان شيعيًّا غير أن ابن هانئ تجاوز فيه كل حد مردِّدًا عقيدة الشيعة الإسماعيلية في إمامهم، وكان هو نفسه من تابعيه ومريديه، ولعل هذا نفسه ما جعل المعز يأسف ويتحسر عليه حين بلغته وفاته.
ولسنا أول من يربط بينه وبين المتنبي؛ فقد كان الأندلسيون أنفسهم يسمونه متنبي المغرب، ومن يقرأ ديوانه يجده يحتذي على مثاله، في كثير من أشعاره. غير أنه لا يستقي منه وحده فقد كان يعجب أيضًا بمذهب المصنعين، وفسح في شعره لأخيلة وصور كثيرة كقوله في فاتحة إحدى مدائحه للمعز١:
فُتِقَتْ لكم ريحُ الجلاد بعنبرِ وأمدكم فلقُ الصباحِ المسْفِرِ٢
وجنيتُم ثمرَ الوقائع يانعًا بالنَّصرِ من ورق الحديد الأخضرِ٣
فقد تصور الجلاد وعراك الأبطال ريحًا عاصفًا يفوح منه العنبر والطيب، وهو يهبُّ في الصباح المشرق، وبالغ في التصور والتكلف ما شاء حتى تخيل السيوف شجرًا له ورق وثمر، وهم يجنون منه النصر والظفر. فتصوير المصنعين عنده ينتهي إلى هذه المبالغات الغريبة. ومن الحق أنه كان يحسن في هذا الباب، ولعل ذلك ما يجعل قصائده في وصف أساطيل المعز تروع قارئها لما يجد عنده من تفنن في التصوير، وهو لا يقف بهذا التفنن عند المديح ووصف الأساطيل بل يذيعه في ضروب شعره الأخرى من غزل وغير غزل، كمقطوعته المشهورة ٤:
فتكتاتُ طرفُك أم سيوفُ أبيكِ وكئوسُ خمرٍ أم مراشفُ فيكِ
فهو إذن يخلط في شعره بين مذهبي التصنيع والتصنع، ومما لا شك فيه أنه كان معجب بالمتنبي وأنه كان يستوحيه في كثير من قصائده ومعانيه،
_________________
(١) ١ الديوان ص٣٢١. ٢ فتقت: فاحت، الجلاد: العراك. ٣ يانعًا: ناضجًا. ٤ الديوان ص٥٣١.
[ ٤٢١ ]
ونراه ينفذ مثله في الرثاء إلى ذم الدهر والشكوى من الحياة كقوله في رثاء غلام١:
وهب الدهر نفيسًا فاسترد ربما جادَ بخيلٌ فحسدْ
كلما أعطَى فوفَّى حاجةً بيدٍ شيئًا تلقَّاه بيدْ
خاب من يرجو زمانًا دائمًا تعرف البأساءَ منه والنكدْ
فإذا ما كدَّر العيش نَمَا وإذا ما طيب الزاد نفدْ
وعلى هذا النحو كان يقتدي بالمتنبي تارة، ويقتدي بالمصنعين تارة أخرى؛ فهو لا يثبت عند مذهب بعينه. ونستطيع أن نسلك في اقتدائه بالمتنبي عنايته في شعره بالغريب والقوافي الشاذة فهو ينظم على الثاء والخاء ونحوهما من الحروف الصعبة حتى يثبت تفوقه. وإذا كنا لاحظنا في غير هذا الموضع على المتصنعين أنهم كانوا إذا عمدوا إلى التصنيع لفوا ولفقوا فإننا نلاحظ ذلك نفسه عند ابن هانئ، إذ كان يأتي المعاني والأخيلة من بعيد، وكان يستر ذلك بما تعوده من ضخامة التعبير. روى الرواة أن أبا العلاء كان إذا سمع شعره يقول: ما أشبِّهه إلا برحىً تطحن قرونًا لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ٢. وما هذه القعقعة وما يندرج فيها من عدم الطائل والفائدة إلا ما نشير إليه من طنطنته بالألفاظ والأساليب الضخمة، فإذا ما بحثنا هذه الأساليب لم نجد شيئًا غير التلفيق واللف وإتيان المعنى من بعيد، ولعل ذلك ما جعل ابن رشيق يقول عنه: "وفرقةٌ أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر كأبي القاسم بن هانئ ومن جرى مجراه فإنه يقول أول مذهبته:
أصاخت فقالتْ وقعُ أجردشيظَمِ وشامت، فقالت: لمع أبيض مخذمِ٣
وما ذعرت إلا بجرسِ حُلِيِّها ولا رمقت إلا بُرى في مخدَّمِ٤
وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد، ما الذي يفيدنا أن تكون
_________________
(١) ١ الديوان ص٢٤٥. ٢ وَفَيَات الأعيان ٢/ ٥. ٣ أصاخت: أرهفت السمع. الأجرد: من صفات الخيل الكريمة. الشيظم: الطويل القوي من الخيل. شام البرق: نظر إليه. والأبيض: السيف. والمخذم: القاطع. ٤ جرس: صوت. رمق الشيء: لحظه لحظًا خفيفًا. برى: جمع بره، وهي هنا الخلخال. المخدم: موضع الخلخال.
[ ٤٢٢ ]
هذه المنسوب بها لبست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع فرس أو لمع سيف؛ غير أنها مغزوَّة في دارها، أو جاهلة بما حملته من زينتها، ولم يخف عنا مراده أنها كانت تترقبه، فما هذا كله؟ ١"
ونحن نرى من هذا النص أن ابن رشيق يلاحظ على ابن هانئ شيئين: الشيء الأول أنه قد تعلق بمعنى لا طرافة فيه، والشيء الثاني أنه لفَّ طويلا حول تعبيره عن فكرته قبل أن يؤديها، وكأني به تأثر قول المتنبي:
يَرَونَ من الذُّعرِ صوتَ الرِّيَاحِ صهيلَ الجيادِ وخفقَ البُنُودِ
فالمتنبي يقول إن أعداء الممدوح فروا منه، وهم يظنون في أثناء فرارهم أن صوت الرياح صهيل الجياد وخفق البنود لشدة فزعهم وخوفهم، فجاء ابن هانئ ونقل هذا المعنى من وصف الحرب إلى شعر الغزل ودار حوله هذا الدوران الطويل؛ فإذا صاحبته تتوهم لخوفها أن صوت حليها وقع أقدام فرسه، وأن لون خلخالها لون سيفه، أرأيت إلى هذا التكلف في التعبير؟ إنه لم يجلبه فن ولا زينه إنما جلبه تصنع ابن هانئ وتلفيقه للصور والأفكار العباسية وما يشفعه بها من نقل ولف ودوران.
على أننا نعود فنلاحظ مرة أخرى أن هذا الشاعر المتصنع كان يستخدم أدوات التصنيع وخاصة أدوات التصوير؛ غير أنها تحولت في بعض جوانبها عنده إلى ضروب جديدة من التكلف والتصنع، وهذا هو معنى ما نقوله من أن الشاعر الأندلسي لا يستطيع أن يعيش في منهج عباسي واحد. هو لا يجدد ولا يحدث مذهبًا جديدًا وهو حين يعيش في منهج عباسي نراه لا يستمر فيه، بل يخلط بينه وبين غيره من المناهج، وهذا ابن هانئ أقرب الأندلسيين إلى ذوق التصنع نراه يجمع في شعره بين أدوات التصنيع والتصنع جميعًا، واقرأ هذه القطعة التي امتلأت بالصور والتشبيهات:
كأن رقيبَ النَّجمِ أجدلُ مرقبٍ يقلبُ تحتَ اللَّيلِ في ريشه طرْفَا٢
_________________
(١) ١ العمدة: لابن رشيق ١/ ٨٠ وما بعدها. ٢ رقيب النجم: الذي يغيب بطلوعه مثل الإكليل فإنه يغيب بطلوع الثريا. الأجدل: الصقر. المرقب: الموضع العالي.
[ ٤٢٣ ]
كأنَّ بني نعيشٍ ونعشًا مطافلٌ بوجرة قد أضللن في مهمةٍ خَشَفا١
كأن سهيلًا في مطالعِ أفُقِهِ مفارقُ إلفٍ لم يجد بعده إلفا
كأن سهاها عاشقٌ بين عوَّدٍ فآونةً يبدو، وآونةً يخفى٢
كأن معلَّى قُطْبها فارسٌ له لواءان مركوزان قد كره الزَّحْفا
كأن قُدَامى النِّسر، والنسر واقعٌ قصصن فلم تسم الخوافي به ضَعْفَا٣
ومضى في القصيدة على هذا النحو يصنِّع لهذه التشبيهات التي يحس الإنسان إزاءها أنها جاءت لتعبر عن تلفيق لا لتعبر عن شعور وجمال؛ فكل ما هناك أن الشاعر يريد أن يثبت مهارته باستخدام "كأن" وما يتبعها من صور وأخيلة. وعلى هذا النمط كان الشاعر الأندلسي يجمع في شعره بين صور التصنيع والتصنع جميعًا.
ابْنُ دَاَّرجٍ القَسْطَلِيّ:
وهذا شاعر آخر يقرن بالمتنبي، عاش في القرن الرابع وصدر الخامس، وكان كاتب المنصور بن أبي عامر وزير الأمويين، كما كان شاعره٤، وقد ذكره الثعالبي في يتيمته، وقال في حقه: "كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام، وهو أحد الشعراء الفحول، وكان يجيد ما ينظم". ويقول ابن بسام عنه: "إنه كان لسان الجزيرة شاعرًا وأولًا حين عد معاصريه من شعرائها المشهورة،
_________________
(١) ١ بنو نعش ونعش: نجوم سبعة. مطافل: جمع مطفل، وهي الظبية ذات الأطفال. وجرة: موضع ببادية نجد، المهمة: الفلاة. الخشف: ولد الظبية. ٢ السُّها: كوكب خفي من بنات نعش. العود: جمعُ عائدٍ وهو زائر المريض. ٣ في الكواكب نسران: نسر واقع ونسر طائر. القدامى: الريش الطويل في مقدم الجناح، الخوافي: صغار الريش؛ مما ينبت تحت القوادم. ٤ انظر ترجمته في: وفيات الأعيان: لابن خلكان ١/ ٤٢. ويتيمة الدهر: للثعالبي ١/ ٤٣٨. والمجلد الأول من الذخيرة ص٤٣. وبغية الملتمس: للضبي ص١٤٧. والصلة: لابن بشكوال ص٤٢. والمغرب: لابن سعيد "طبع دار المعارف" ٢/ ٦٠. وقد طبع ديوانه في دمشق بتحقيق محمود علي مكي.
[ ٤٢٤ ]
وآخر حاملي لوائها، وبهجة أرضها وسمائها وأسوة كتَّابها وشعرائها، له عُقِد فخرها المحمول وسهم، وبه بدئ ذكرها الجميل وختم، حل اسمه من الأماني محل الأنس، وسار نظمه ونثره في الأقاصي والأداني مسير الشمس، وأحد من تضاءلت الآفاق عن جلالة قدره.."١. وقال أبو حيان عنه: "أبو عمر بن دراج القسطلي سبَّاق حلبة الشعراء العامريين وخاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين"٢! وذكره ابن شهيد فقال: "الفرق بينه وبين غيره أنه شديد أسر الكلام، ثم زاد بما في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر واللغة والنسب، وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره، وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع، وطول طَلَقِهِ في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه فيما يُضَيِّقُ الأنفاس"٣.
وواضح من آراء هؤلاء النقاد جميعًا أن ابن دراج كان شاعرًا ممتازًا حتى ليجعله أبو حيان خاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين، وهي مبالغة من بعض الوجوه؛ ولكنها تدل على حقيقة مطوية فيها، وهي أن ابن دراج يعد من الشعراء الأفذاذ الذين ظهروا في الأندلس. ونرى صاحب اليتيمة يقرنه بالمتنبي، ويظهر أنه كان يتأثره في شعره تأثرًا شديدًا لا يقل عن تأثر ابن هانئ، وإن كنا نلاحظ أنه لم يستظهر في شعره شيئًا من العبارات الشيعية والصوفية؛ غير أنه بعد ذلك يستظهر جميع خصائص المتنبي؛ فهو يميل إلى الغريب في شعره من جهة، كما يميل إلى التصنع للثقافات من جهة أخرى. ثم هو بعد ذلك كابن هانئ يعنى باللفظ الطنان وقعقعاته، وقد تعلق -مثل المتنبي- في مطلع مدائحه بشكوى الدهر والسخط على الناس في عصره، وساعده على ذلك أنه كان عصر فتن وثورات على الأمويين واستعداد لظهور ملوك الطوائف. ويظهر أنه عرف بين الثائرين الناشئين بميله للأمويين؛ إذ كان شاعرًا ابن أبي عامر كما قدمنا، فازورَّت
_________________
(١) ١ الذخيرة: لابن بسام ١/ ٤٣. ٢ الذخيرة ١/ ٤٤. ٣ الذخيرة ١/ ٤٥.
[ ٤٢٥ ]
عنه قلوب الملوك من حوله. يقول أبو حيان: "وكان ابن دراج من طرحت به تلك الفتنة الشنعاء واضطرته إلى النُّجعة؛ فاستقرى ملوكها أجمعين ما بين الجزيرة الخضراء وسرقسطة من الثغر الأعلى، يهز كلًا بمدحه يستعينهم على نكبته، وليس منهم من يصغي له، ولا يحفظ ما أضيع من حقه، وأُرْخِصَ من علقه١، وهو يخبطهم خبط العضاة٢ بمقوله، فيصمون عنه، إلى أن مر بعقوة٣ منذر بن يحيى أمير سرقسطة فألقى عصا سيره عند من بوّاه، ورحب به وأوسع قراه؛ فلم يزل عنده، وعند ابنه بعده، مادحًا لهما، مثنيًا عليهما، رافعًا من ذكرهما؛ غير باغ بدلًا بجوارهما، إلى أن مضى بسبيله، بعد أن جرت له ﵀ على إحسانه الباهر، في فتنة البرابر، مع أملاك الجزيرة في طول الاغتراب والنُّجعة أخبار شائعة، فيها لذي اللُّب موعظة بالغة٤".
وهذا الجانب في حياة ابن دراج جعله يشتعل شكوى من الدهر، وقد وجد من أستاذه المتنبي خير مدد في هذا الصدد؛ فاستعار منه هذا الصوت، وذهب يكبره ما وسعه تكبيره. وربما كان لكثرة الفتن التي عاصرها أثر في اندلاع هذه الشكوى التي تغمر شعره. وهو يخلط بين منهجي التصنيع والتصنع في قصائده، واستمع إليه يخاطب ابنه مبشرًا بما لقى في رحاب منذر بن يحيى:
أبنيّ لا تذهب بنفسك حسرةٌ عن غول رحلي منجدًا أو مغورا
فلئن تركتَ الليلَ فوقي داجيًا فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا
وحللت أرضًا بدِّلت حصباؤها ذهبًا يرفُّ لناظري وجوهرا
ولتعلم الأملاك أني بعدها ألفيتُ كل الصيدِ في جوفِ الفرا٥
ورمى عليَّ رداءه من دونهم ملك تخيِّر للعلا فتخيَّرا
ضربوا قداحهم علي ففاز بي من كان بالقدح المعلَّى أجدرا ٦
_________________
(١) ١ العلق: النفيس. ٢ العضاة: جمع عضاهة، وهي الخمط أو كل شجرة كبيرة ذات شوك. ٣ العقوة: ما حول الدار والمحلة. ٤ الذخيرة ١/ ٤٤. ٥ الفرا: حمار الوحش، ومعنى المثل واضح. ٦ القدح المعلَّى: أكثر قداح الميسر حظًّا فهو أعلاها.
[ ٤٢٦ ]
وواضح من هذه الأبيات القليلة أن صاحبنا يعنى -كما قال ابن شهيد- بالخبر واللغة؛ فهو هنا يتصنع لذكر المثل المعروف"كل الصيد في جوف الفرا" كما يتصنع لفكرة القداح المعروفة عند العرب القدماء، ثم هو بعد ذلك يعنى -كما لاحظ ابن شهيد أيضًا- بالبديع؛ ففي الأبيات الأولى يعنى بالطباق بين النجد والغور والليل والصبح والحصباء والذهب، واستمِر معه في القصيدة فستراه يقول:
كلا وقد آنست من هودٍ هدى ولقيت يعرُبَ في القيول وحميرا
وأصبت في سبأ مورَّث ملكها يسبي الملوك ولا يدب لها الضَّرا١
فكأنما تابعت تبَّع رافعًا أعلامه ملكًا يدينُ له الورى
والحارث الجفني ممنوع الحمى بالخيل والآسادِ مبذول القِرَى
وحططتُ رحلي بين ناري حاتمٍ أيام يَقْرى موسرًا أو معسرًا
ولقيت زيد الخيلِ تحت عجاجةٍ تكسو غلائلُها الجيادَ الضُّمَّرا
وعقدت في يَمَنٍ مواثقَ ذمَّةٍ مشدودة الأسباب موثقة العُرى
وأتيت بَحْدَل وهو يرفع منبرًا الدين والدنيا ويخفض منبرا٢
وأظن صوت ابن دراج أتضح لنا الآن تمام الوضوح؛ فهو يعنى -كما قال ابن شهيد- بالنسب إذ يرد ممدوحه منذر بن يحيى إلى اليمن فينسبه إلى ملوكها ومشاهيرها، وهو في أثناء ذلك يصنع للجناس بين هود وهدى وسبأ ويسبي وتابع وتبع، أرأيت إلى ابن دراج؟ إنه كما قال ابن شهيد يصنع للبديع كما يتصنع للغريب والأمثال كهذا المثل المعروف "يدب له الضَّراء". ولا يكتفي بذلك بل نراه يتصنع في آخر هذه الأبيات للرفع والخفض المعروفين في علم النحو، وواضح ما في ذكرهما من تكلف وتصنع. وهذا هو الصوت العام لابن دراج، خلط بين تصنع وتصنيع، أو بعبارة أدق
_________________
(١) ١ الضرا: الاستخفاء. يريد أنه يهجم على أعدائه جهارًا لقوته وشجاعته. ٢ بحدل: هو بحدل بن أنيف الكلبي صهر معاوية وظهيره.
[ ٤٢٧ ]
خلط بين مذهب أبي تمام ومذهب المتنبي، وقد قيلت هذه القصيدة نفسها على نسق قصيدة المتنبي في ابن العميد:
بادٍ هواك صبرتَ أم لم تصبِرا وبكاك إن لم يجرِ دمعَك أو جرى
وكان مولعًا بتتبع المتنبي في شعره والإغارة على معانيه، ولاحظ ذلك صاحب الذخيرة في غير موضع من شعره كهذا البيت:
أواصل آناء الأصائل بالضحى وزادي من جهدي، وراحلتي رجلي
فقد أخذه من قول المتنبي:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا بالسَّوطِ يوم الرِّهانِ أجهدُها
شراكُها كورُها، ومشفرُها زمامُها، والشُّسوعُ مقودها١
وكذلك قوله في وصف فرس:
وذو غُرَّةٍ معروفة السبق في المدى وقد قرح التحجيل من حلق الشُّكْل٢
فقد أخذه من قول المتنبي:
وإن تكن محكمات الشُّكْلِ تمنعني ظهورَ جريٍ فلي فيهن تَصْهالُ٣
ولم يكتف ابن دراج بتقليد المتنبي، إذا كان يشغف بتقليد غيره من المشارقة كالشريف الرضي٤ وأبي نواس وقد عارض قصيدته في مدح الخصيب:
أجارة بيتينا أبوك غيورُ وميسورُ ما يرجى لديك عسيرُ
بقصيدة في مدح المنصور بن أبي عامر مطلعها:
_________________
(١) ١ الذخيرة ١/ ٦١. الرديف: من يرتدف خلف الراكب. الرهان: السباق. الشراك: سير النعل، والشسع: ما يكون في الأصابع منه. وواضح أن المتنبي يريد بناقته نعله وقد جعل شراكها بمنزلة الكور والرحل للناقة. وجعل مشفرها وهو مقدم الشراك بمنزلة الزمام والشسوع بمنزلة المقود. ٢ التحجيل: بياض في قوائم الفرس. الشكل: جمع شكال وهو القيد الذي تشد به قوائم الفرس. ٣ الذخيرة ١/ ٦٣. ٤ الذخيرة: ١/ ٧٢.
[ ٤٢٨ ]
ألم تعلمي أن الثَّواءَ هو التَّوَى وأن بيوت العاجزين قبورُ١
ومنها في وصف ودَاعِهِ لزوجِهِ وولدها الصغير:
ولَمَّا تدانَتْ للوداعِ وَقَدْ هَفا بصَبْرِيَ منها أَنَّةٌ وزَفيرُ
تناشدني عهدَ المودةِ والهوى وفي المهد مَبْغومُ النداء صغيرُ
عيي بمرجوع الخطابِ ولفظِهِ بموقع أهواء النفوسِ خبيرُ
تبوَّأ ممنوع القلوبِ ومُهِّدت له أذرعٌ محفوفة ونحُورُ
فكل مفدَّاة الترائبِ مرضِعٌ وكل محيَّاةِ المحاسنِ ظيرُ٢
عصيتُ شفيعَ النفس فيه وقادني رواحٌ بتدآبِ السُّرى وبكورُ
وطار جناحُ البَينِ بي وهفتْ بها جوانحُ من ذُعرِ الفراقِ تطيرُ
وهذه القطعة تفيض بالعواطف والشعور الحي، وهي دليل على جودة شاعرية ابن دراج وأنه لو ترك نفسه على سجيتها دون عناية بتقليد المذاهب المشرقية من صنعة وتصنيع وتصنع لاستطاع أن يترك لنا شعرًا مليئًا بالحيوية والقوة والوجدان الفياض؛ غير أنه كان يريد أن يثبت تفوقه ومهارته، وهو لذلك يحاول أن يصنع شعره على صورة شعر المتنبي أو أبي تمام أو غيرهما من شعراء المشرق، ونفس هذه القصيدة التي أتى فيها بهذه القطعة الممتازة نراه يختمها بهذين البيتين:
أثرني لخطبِ الدَّهرِ، والدَّهرُ معضلٌ وكلني لليثِ الغابِ وهو هصُورُ
وقد تخفضُ الأسْمَاءُ وهي سواكنٌ ويعملُ في الفعلِ الصحيحِ ضميرُ
ومعنى ذلك أنه كان يلتزم التصنع في شعره حتى في هذه القصائد التي يحاول أن يعبر فيها تعبيرًا حرًّا عن عواطفه، بل نحن نبالغ فليس عنده من حرية في التعبير، أليست هذه القصيدة التي نعجب فيه بوداعه لزوجه وولده قد نظمها في حيز قصيدة أبي نواس إذ استعار منه الوزن والقافية، كما استعار منه كثيرًا من خواطره وأفكاره. واقرأ له هذه القطعة من قصيدة أخرى في منذر بن يحيى:
علا فحوى ميراثَ عادٍ وتبَّعٍ بهمَّتهِ العليا ونسبته الدُّنيا
_________________
(١) ١ التوى: الهلاك. ٢ الظئر: المرضعة لولد غيرها.
[ ٤٢٩ ]
فأعرب عن إقدام يعربَ واحْتَبَى فلم ينسَ من هودٍ سنَاءَ ولا هَدْيا
ومن حميرٍ ردَّ القنا أحمر الذُّرى ومن سبأ قادت كتائبُهُ السَّبيا
وما نام عن عرقُ قحطان إذ فَدى عروق الثَّرى من غُلَّة القحطِ بالسُّقيا
ولا اسكَنَتْ عنه السَّكونُ زيادةً ولا رضيت طي لراحته طَيَّا
ولا كَنَدَتْ أسيافُهُ ملك كندةٍ فتترك في أركان عزَّتِهِ وهيا
وكائن له في الأوسِ من حق أسوةٍ بنصب الهدى جهرًا وبذل الندى خفيا
فقد ملأ هذه القطعة بالجناس إذ جانس بين يعرب وأعرب وينس وسناء وهود وهدى وحمير وأحمر وسبأ والسبي وقحطان والقحط وأسكنت والسكون وطي وطيا وكندت -أي جحدت- وكندة والأوس وأسوة، أرأيت إلى كل هذه الجناسات المتكلفة؛ ألا تحس أن لون الجناس عند صاحبنا قد أصبح شيئًا ثقيلًا على الأذن واللسان؟
غير أنه بدع جديد كان يراه الشاعر الأندلسي في شعر المشارقة فيتعلق به كما يتعلق بالطباق على نحو ما نرى في هذه القطعة نفسها، وكما يتعلق بألوان التصنع الأخرى من ذكر الأنساب أو الألفاظ الغريبة أو الأمثال أو النحو.
وكان ابن دراج لا يكتفي بذلك؛ إذ نراه في شعره يعنى بالاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف كقوله في الوزير أبي الأصبغ عيسى بن سعيد القطاع:
أَبا الأصبَغ الْمعْنيَّ هل أَنت مُصْرِخِي وهلْ أَنتَ لي مُغْنٍ وهل أَنتَ لي مُعْلِي
وقوله في على بن حمود:
تجزَّأ من جنتي مأرب بخمطٍ وأثلٍ وسدرٍِ قليلِ
وقوله في خيران العامري صاحب المريَّة:
فتىً سيفه للدين أمن وإيمانُ ويمناهُ للآمالِ روحٌ وريحانُ
فَفُضَّت سيوفٌ حاربته وأيمنٌ وشاهت وجوهٌ فاخرتْهُ وتِيجَانُ
وأكبر الظن أن منهج ابن دراج اتضح لنا الآن وتكشف عن جميع صفاته وخصائصه وهو ليس منهجًا جديدًا، فالأندلس لا تستطيع أن تمد الأدب العربي
[ ٤٣٠ ]
بمنهج جديد لا من حيث الموضوعات ولا من حيث المعاني ولا من حيث الأخيلة والأساليب، إنما كل ما هنالك أنها تستطيع أن تفخر بشعراء يعيشون في إطار الشعر العباسي العام، وهم يعيشون في هذا الإطار معيشة مضطربة؛ إذ نرى الشاعر الواحد يخلط بين مذاهب الفن العباسي خلطًا شديدًا، فهو تارة صانع يفيض بالشعور ولا يجعل للزخرف سبيلًا إليه كما رأينا عند ابن دراج في وداعه لزوجه وطفله، وتارة نراه متصنعًا يعنى بالتصنع للثقافات، كما يعنى بالغريب والأنساب والأمثال والاقتباس من القرآن الكريم على نحو ما رأينا عند ابن دراج أيضًا، ثم هو أخيرًا مصنع، يشفع شعره بألوان التصنيع والزخرف العباسي من جناس وطباق وتصوير، على نحو ما مر بنا عند ابن دراج. وهكذا نرى الشاعر الأندلسي يجمع في شعره بين جميع المذاهب العباسية، وهذا هو معنى ما نقول من أن الشعراء الأندلسيين يخلطون خلطًا شديدًا بين المذاهب الفنية للشعر العربي؛ إذ يستعيرون منها جميعًا بدون تفريق ولا اختلاف في التطبيق. على أنه ينبغي أن نتريث قليلًا في هذا الحكم العام على الأندلس وشعرائها حتى نرى شعرهم وما أصابه من نهضة في عصر ملوك الطوائف.
[ ٤٣١ ]