كما أن مهيار لم يكن يسعفه التعبير الحاد في اللغة، كذلك لم يكن يسعفه الشعور الحاد؛ ففي شعره ضرب من الميوعة واللِّيونة وخاصة في غزله؛ إذ يحس الإنسان دائمًا بأن فيه إفراطًا في الحس والشعور والرقة، بل إنه لتنساب منه ألوان من الذلة والضراعة، فقد خُلِقَ -كما يقول- رقيق القلب١، وإنها لرقة تخرج به عن الحدود المألوفة، حتى لنرى أنفاس الخزامي تَخِزه٢، وإنه لوخز غريب، ولكن لا غرابة فيه، فمهيار يتكلف الليونة والدماثة والحس الحاد والشعور المفرط؛ فإذا شعره يفقد ما يمكن أن يكون في العواطف من حرارة وقوة. إنه شعر يمتلئ بالميوعة والرقة المفرطة ولعل ذلك ما جعله يقول في وصف قصائده:
في كلِّ نادٍ نازحٌ غائبُ لها حديثٌ بكم حاضرُ
تعرض أيام التّهاني بها ما تعرضُ المعشوقة العاطرُ
تميسُ منها بين أيامكم خاطرةٌ يتبعها الخاطرُ٣
لثَّمها التحصين عن غيركم وهي على أبوابكم سافرُ
فهو يعترف بأن قصائده -حتى في المديح- كأنها المعشوقة العاطر. إنها من جنس المعشوقات اللائي يتشاجين ويتموجن ويرضين في لبوس الغضب ويغضبن في لبوس الرضا.
لم يكن مهيار يعتمد في شعره وغزله على قوة ولا ما يشبه القوة؛ بل كان يعتمد على هذه الليونة والدماثة وما يفضيان إليه من ميوعة شديدة؛ وهي ميوعة لا تطويها أصالة في التعبير ولا طرافة في التفكير، وإنما ينشرها هذا التلفيق.
_________________
(١) ١ ديوان مهيار "طبع دار الكتب" ١/ ٢٢. ٢ الديوان ٣/ ٢٦٢. ٣ تميس: تتبختر.
[ ٣٦٥ ]
الذي أشرنا إليه، واقرأ هذه الأبيات:
وبجَرْعاء الحمى قلبي فَعُجْ بالحمى فاقرأْ على قلبي السَّلاما١
وترجَّل فتحدَّث عجبًا أن قلبًا سار عن جسمٍ أقاما
قُلْ لجيران الغَضَا آه على طيب عيشٍ بالغضا لو كان داما٢
نصلُ العامَ وما ننساكُمُ وقُصَارى الوجد أن نَسْلُخَ عاما
حمِّلوا ريح الصَّبا نشركم قبل أن تحمل شيحًا وثُماما٣
وابعثوا أشباحَكُم لي في الكَرى إن أذنتم لجفوني أن تناما
فإنك ترى الليونة والميوعة التي يصاب بها الشعراء الوجدانيون حين يصبح الشعر تلفيقًا فتراهم يتهالكون ولا يكادون يتماسكون، وقد كرر الحمى وكرر القلب تكرارًا لا نحس فيه جمالًا؛ وانظر إلى البيت الثاني، ألا تحس بشيء من التكلف في هذا الترجل؛ لكأنه جاء بهذا البيت ليعبر عن الطباق بين سار وأقام؛ ولكنه طباق باهت. وهكذا مهيار دائمًا في استخدام ألوان التصنيع؛ إذ نحس كأنها فقدت عنده أصباغها أو فقدت ألوانها، إن كان من الممكن أن يفقد لون لونه. ويستمر فيعبر عن دماثته وليونته بأنه لا ينسى محبيه، مهما طال به العهد؛ وقصارى الوجد عنده أن يسلخ عامًا؛ وها هو ذا أخيرًا لا ينام، إلا إذ أذن له هؤلاء المحبون، وهو إن نام يطلب أشباحهم في الكرى، ألا تحس في ذلك كله ما نشير إليه من ليونة الغزل عند مهيار، وما هذا الإذن الذي يصطنعه ليدل على منتهى ما يمكن من حساسية في الشعور ورقة في العواطف؟ وانظر إلى هذه الأبيات:
لم تزل تخدع العيونَ إلى أن علَّقت دمعةً على كلِّ ماقِ
ما أعفَّ النفوسَ يا صاحبي شكـ واي لولا غرامةُ الأحداقِ
وبنفسي المحلُّ ليس رفيقًا للسَّوافي ولا لتيه الرِّفاق٤
_________________
(١) ١ الجرعاء: رملة منبتة ولا وعوثة فيها. عج: اعطف وقف. ٢ الغضا: من أشجار البادية. ٣ الشيح والثمام: من نباتات الصحراء. ٤ السوافي: الريح تسفي التراب.
[ ٣٦٦ ]
في مكان الوحشِ العواطلِ تلقى الـ إنسَ فيه حَواليَ الأعْنَاقِ
يتعرَّضن ما لهن من اللَّمْـ س نفورٌ ولا من الصَّيدِ واقي
كل محبوبة إلى الحقب مُسْتَنَّـ ـة لبسِ الخلخالِ عند الساقِ١
فإنك ترى دموعًا معلَّقة بمآقيه، وهي دموع تؤذينا إيذاء شديدًا، وأي دموع هذه التي تعلق تعليقًا؟ أليس فيها تصنع شديد ومبالغة مفرطة عن شعوره؟ ويستمر فإذا صواحبه لَسْنَ من هذا النوع المحصن الممنع الذي تحميه السيوف والرماح، والذي كان يتغنى به الشعراء من أمثال أبي تمام والمتنبي؛ بل هن من نوع آخر لا يصد ولا ينفر؛ إنهن يتعوجن كمهيار في حبهن ويتهالكن. وانظر أخيرًا كيف ختم هذه الأبيات بتلك الصور الملفقة التي أراد أن يجدد بها فذكر أن صواحبه يلبسن الخلخال عند الساق، وهل في هذه الفكرة شعر أو ما يشبه الشعر؟ إنما هي ثرثرة أصحاب الشعور المائع؛ إذ يعمدون إلى التلفيق في الصور تلفيقًا غريبًا، واقرأ هذه الأبيات:
قالوا صحوت من الجنون به من ربد جنته على عقلي
وسعَى بِيَ الواشي وكان وما يسطيعني بيدٍ ولا رِجْلِ
فكأنهنّ بما أذِنَّ له يَلبسن أقراطًا من العَذلِ٢
فإنك تراه يعلق اليد والرجل في البيت الثاني كما علق الدموع في الأبيات السابقة، وكما علِّقت أقراط العذل في البيت الثالث، وقد عاد للتعبير بالإذن؛ فدلَّ على هذا الشعور المصطنع وهذه الرقة المفرطة. وارجعْ إلى هذه المقطوعة من الفخر التي تُغَنَّى في العصر الحديث، والتي يبدؤها على هذه الشاكلة:
أُعْجِبَتْ بي بين نادي قَومِها أُمُّ سعدٍ فمضَتْ تسألُ بي
فإنك ترى منه محبًّا غريبًا يسوق الحديث مع صواحبه في طريقة غير مألوفة، ألست تراه يقول إنها هي التي تعجب به؟ وحقًّا كان مهيار شاعرًا من شعراء الحب؛ ولكنه شاعر من طراز آخر غير الطراز الذي نعرفه عند العرب، طراز
_________________
(١) ١ الحقب: جمع حقاب، وهو حزام محلَّى تشده المرأة إلى وسطها. ٢ العذل: اللوم.
[ ٣٦٧ ]
يظهر الإفراط في الحس والشعور؛ بل هو طراز مائع ليِّن ليونة شديدة، وقد انتشر هذا الطراز بعد مهيار واستمر إلى عصرنا الحديث، وهو طراز ظهر في الشعر العربي حين أترفت الحضارة، وأترف الحس والشعور على هذا النمط الذي نرى فيه مهيار يقول:
غار المحبونَ من أبصارِ غيرهِمُ ضدًا وغِرْتُ على لمياءَ من بصري
وإنها لغيرة غير مألوفة، فعهدنا بالمحبين أن يغاروا حقًّا، ولكنا لم نعهد أحدًا يغار من نفسه بل يغار من بصره. لقد كان خليقًا به أن يحمد هذا البصر، وإن كان يريد أن يُبْعِد في التعبير والتفكير فليسلك إلى ذلك طريقًا آخر، فيه قرب، ليقل لها: إنه يريد أن يظل له بصره حتى يراها به، ولكن مهيار كان يريد شيئًا آخر غير إظهار الدقة في الشعور، كان يريد أن يعبر عن ليونة وميوعة فإذا هو لا يغار قط من غيره؛ بل هو يغار من بصره حتى يعلن إلى صاحبته ما اشتمل عليه من رهافة حسه، بل من مرض حسه وما أصابه من هذه الميوعة الشديدة، وانظر إليه يقول:
وحبّي لذكركِ حتى لَثَمْـ ـتُ مسلَكَه من فمِ العَاذِلِ
فإنك ترى صورة أخرى لا تقل غرابة عن سابقتها، فها هو ذا مهيار يلثم فم العاذل حين يذكر له صاحبته، أرأيت إلى هذا التصنع لإظهار الإفراط في الشعور، بل لإظهار تلك الميوعة التي أخذت ترسخ أصولها وتستقر في هذا الديوان الضخم عند مهيار، واقرأ فيه ما استطعت أن تقرأ فإنك ستشرف دائمًا على هذه الميوعة الشديدة.
[ ٣٦٨ ]