إذا تركنا العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي وجدنا موجة واسعة من الغناء والرقص كان لها تأثير شديد في نمو الشعر الغنائي الخالص ونمو مقطوعاته. وهي حال تعتبر في الواقع امتدادًا لما كان عليه القوم في العصر القديم؛ فلما جاء الإسلام نمتْ هذه الحال وبخاصة في الحجاز إذا عرف في هذا العصر بكثرة الغناء والمغنين، وكان أكثرهم من الموالي: من الفرس والروم وغيرهما، واشتهر منهم طويس وسائب خاثر ثم تبعهما ابن سريج وابن مسجح وابن محرز بمكة، ومعبد ومالك بالمدينة، أما المغنيات فقد امتلأت بهن المدينة؛ إذ نجد جميلة وسلامة القسسِّ وعزة الْمَيلاء وحَبابة وبلبلة ولذة العيش وسعيدة والزرقاء وعُقَيْلَة وخُلَيْدة والشماسيَّة وغيرهن كثير١.
وكان المغنون من الأجانب يؤثرون في الغناء العربي بما يدخلونه من النغم الأجنبي الفارسي أو الرومي، كما حكى ذلك أبو الفرج عن ابن مسجح؛ إذ يقول عنه إنه "نقل غناء الفرس إلى غناء العرب ثم رحل إلى الشام وأخذ ألحان الروم والبَرْبَطِيَّة والأسطوخوسيَّة وانقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيرًا وتعلم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما استقبحه من النبرات والنغم التي هي موجودة في نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب، وغنى ابن مسجح على هذ االمذهب"٢. وحكى أبو الفرج هذا الصنيع أيضًا عن ابن محرز فقد شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم وأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببضع وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب٣. وأدخل هؤلاء المغنون من الموالي في الغناء العربي آلات.
_________________
(١) ١ أغاني "دار الكتب" ٨/ ٢٠٩. ٢ أغاني "دار الكتب" ٣/ ٢٧٦. ٣ أغاني "دار الكتب" ١/ ٣٧٨.
[ ٥٣ ]
جديدة للطرب لعل أهمها العود وقد يسمى البَرْبَط. ويروي أبو الفرج أن أعرابيًّا رآه في إحدى رحلاته إلى الشام؛ فعجب منه عجبًا شديدًا إذ قال: "رأيت ضاربًا خرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها، فيها خيوط أربعة؛ فاستخرج من خلالها عودًا فوضعه خلف أذنه ثم عرك آذاناها وحركها بخشبة في يده، فنطقت وربِّ الكعبة، وإذا هي أحسن قينة رأيتها قط، وغنَّى حتى استخفني من مجلسي فوثبت فجلست بين يديه وقلت بأبي أنت وأمي ما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريبًا؟ فقال: هذا البربط، فقلت: بأبي أنت وأمي فما هذا الخيط الأسفل؟ قال: الزِّير، قلت: فالذي يليه، قال: المثنى، قلت: فالثالث؟ قال: المثلث، قلت: فالأعلى؟ قال: البَمَّ، قلت: آمنت بالله أولًا وبك ثانيًا وبالبرط ثالثًا وبالبَمّ رابعًا"١. ودخلت آلات موسيقية أخرى منها الطنبور وهو فارسي، وكذلك الناي، ومنها القانون وهو يوناني، إلى غير ذلك من آلات نقلها المغنون عن الفرس واليونان، وقد عرض لها المسعودي في كتابه مروج الذهب بالتفصيل٢.
وعُرف الغناء في العصر الإسلامي على ضروبه المختلفة؛ فعُرف الغناء العادي كما عرف الغناء المصحوب بجوقة تضرب على الآلات الموسيقية بينما يغني المغنون، روى أبو الفرج: "أن الناس اجتمعوا عند جميلة فضربت ستارًا وأجلست الجواري كلهن فضربْنَ وضربت، فضربن على خمسين وترًا فتزلزلت الدار، ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها"٣، وروى أبو الفرج أيضًا: أنها جعلت على رءوس جواريها شعورًا مُسدلة كالعناقيد إلى أعجازهن، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت فوق الشعور التيجان وزينتهن بأنواع الحلي، ووجهت إلى عبد الله بن جعفر تستزيره؛ فلما جاء قامت على رأسه وقامت الجواري صفين ثم دعت لكل جارية بعود، وأمرتهن بالجلوس على كراسي
_________________
(١) ١ أغاني "دار الكتب" ١٣/ ١٨١. وواضح أن المثنى والمثلث والبم من أوتار العود. ٢ مروج الذهب "طبعة أوروبا" ٨/ ٩٠. ٣ أغاني "دار الكتب" ٨/ ٣١٨.
[ ٥٤ ]
صغار قد أُعدَّت لهن فضربن وغنت عليهن وغنى جواريها على غنائها"١ وليس ذلك كل ما أثر عن جميلة في هذا العصر؛ فنحن نرى عندها الغناء المصحوب بالرقص. روى أبو الفرج أنها: "جلست يومًا ولبست برنسًا طويلًا وألبست من كان عندها برانس دون ذلك ثم قامت ورقصت وضربت بالعود، وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردة يمانية، وعلى القوم أمثالها، وقام ابن سُرَيْج يرقص ومعبد والغَريض وابن عائشة ومالك، وفي يد كل منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها؛ فغنت وغنى القوم على غنائها، ثم دعت بثياب مصبَّغة، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا، ثم ضربت بالعود، وتمشَّت وتمشى القوم خلفها، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد"٢.
_________________
(١) ١ أغاني "دار الكتب" ٨/ ٢٢٧. ٢ أغاني "دار الكتب" ٨/ ٢٢٦.
[ ٥٥ ]