أكبر الظن أننا لا نجدد حين نرفض الطبع في الشعر، وأن يقسَّم على أساسه؛ إنما ندعو إلى ذلك حتى يرسخ عندنا هذا المبدأ الذي يجعل الشعر صناعة وفنًّا تحاكَى فيه "المثل الفنية" الممتازة التي يحتوى كل مثال منها على صفات وخصائص تَعِبَ أصحابها في التعبير عنها. أما "المثل الفنية" المطلقة من غير قيود ولا حدود؛ فإنها لا توجد في الشعر ولا في أي ضرب من ضروب الفن. كل نموذج فني هو عمل متعدد الصفات قد شقى صاحبه في إخراجه، وبذل فيه كل ما يستطيعه من جهد. ونحن نصطلح على تسمية هذا الجهد في الشعر -مهما يكن ضعيفًا- باسم الصنعة، وقد وجدت هذه "الصنعة" أو وجد هذا الجهد في نماذج الشاعر الجاهلي؛ بحيث يمكن أن نقول: إن "الصنعة" أول مذهب يقابلنا في الشعر العربي؛ فهي توجد في جميع نماذجه القديمة، وإن كانت تتخذ شكلًا بسيطًا عند بعض الشعراء؛ بينما تتعقد تعقدًا شديدًا عند آخرين؛ ممن يريدون أن يستوعب فنهم مقدرات واسعة من الحذق والمهارة.
ومن الخطأ أن نظن -كما يظن كثير من الناس- أن الحياة الأدبية في العصر الجاهلي كانت ساذجة بسيطة؛ فقد كانت معقدة ملتوية شديدة الالتواء، ولم تكن على هذا النحو من اليسر والسهولة الذي يجعل الشعراء يصدر عنهم شعرهم صدور الفطرة والسليقة، كما يصدر الضوء عن الشمس والشذى عن الزهرة؛ بل كانوا يتكلفون في شعرهم فنونًا من التكلف، إذا كانوا عُمَّالًا صناعًا يعملون شعرهم عملًا، ويصنعونه صناعة ويتعبون فيه أنفسهم تعبًا شديدًا.
وكان كل شيء في العصر الجاهلي يعدُّ لظهور هذا التكلف في الشعر
[ ٢٢ ]
أو ظهور "الصنعة"؛ فقد كان الشعراء أنفسهم يلتزمون لوازم كثيرة في صناعة شعرهم، كان الناس من حولهم يراقبونهم ويشجعونهم على التفوق والإجادة؛ وكأنما كان هناك ذوق عام يدعو الشعراء إلى التجويد والتحبير، يقول الجاحظ: "وهم يمدحون الحذق والرفق والتخلص إلى حبَّات القلوب وإلي إصابة عيون المعاني ويقولون: أصاب الهدف؛ إذا أصاب الحق في الجملة، ويقولون قَرْطَسَ فلان وأصاب القرطاس، إذا كان أجود إصابة من الأول، فإذا قالوا: رمى فأصاب الغُرَّةَ وأصاب عين القرطاس؛ فهو الذي ليس فوقه أحد، ومن ذلك قولهم: فلان يَفُلُّ الْحَزَّ ويصيب المفصل ويضع الهِناء مواضع النقب"١
ولعل ما يفسر ذلك أيضًا أنهم كانوا يسمون الشعراء بأسماء تصور مهاراتهم وإجادتهم؛ فربيعة بن عدي كان يسمَّى المهلهل؛ لأنه أول من هلهل الشعر وأرقَّه٢ وكان طفيل الخيل يسمَّى المحبِّر لتزيينه شعره٣، وكان النمر بن تولب يسمَّى في الجاهلية الكيس لحسن شعره٤، وكذلك سُمِّيَ النابغة باسمه لنبوغه في شعره٥، كما سمي المرقش باسمه لتحسينه شعره وتنميقه٦، وسمي علقمة بالفحل٧ لجودة أشعاره، وبجانب ذلك نجد أسماء أخرى مثل المثقب والمنخل والمتنخل والأفوه. وقد سموا القصائد بأسماء تصور هي الأخرى مبلغ تفوقهم وإجادتهم فسموها اليتيمة٨ وسموها السموط٩ وسموها الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات١٠.
وكل ذلك يدل على أن الشعراء كانوا يمتحنون وسائلهم ويجربونها، وما يزالون يبحثون عن "الأدوات" التي تكفل لشعرهم التفوق والنجاح، حتى
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ١٤٧. وقولهم: فلان يفل الحز ويصيب المفصل أخذوه من صفة الجزار الحاذق فجعلوه مثل للمصيب الموجز، والهناء: القطران، كانوا يضعونه على النقب جمع نقبة وهي أول ما يبدو من الجرب في الإبل. ٢ أغاني طبعة دار الكتب ٥/ ٥٧. ٣ المفضليات "طبعة Lyall" ١/ ٤١٠. ٤ الشعر والشعراء ص١٧٣. ٥ العمدة لابن رشيق ١/ ١٣٧. ٦ المفضليات ١/ ٤١٠، ١/ ٤٨٥. ٧ أغاني "طبعة ساسي" ٢١/ ١١٢. ٨ أغاني "طبعة دار الكتب" ١٣/ ١٠٢. ٩ أغاني "ساسي" ٢١/ ١١٢. ١٠ البيان والتبيين ٢/ ٩.
[ ٢٣ ]
لنراهم يفخرون بإجادتهم ومهارتهم، يقول كعب بن زهير يخاطب الشماخ وأخاه مزرِّدًا١:
فمن للقوافي شَانَها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوَّز جَرْوَلُ٢
كفيتك لا تلقى من الناس واحدًا تنخل منها مثلما نتنخَّلُ٣
نُثقِّفها حتى تلين متونها فيقصر عنها كل ما يتمثَّلُ٤
فكعب وجرول أي الْحُطَيئة ينتخلان شعرهما، ويأخذانه بالثقاف والتنقيح، ويجمعان له كل ما يمكن من وسائل التجويد والتحبير، وكذلك كان يصنع صنيعهما الشماخ ومزرد الذي رد على كعب يقول٥:
فإن تَخْشِبَا أخشب وإن تتنخَّلا وإن كنت أفتى منكما أتنخَّل٦
وإن الباحث يشعر كأن هذا التنخل من عمل الشعراء جميعًا؛ فهم مشتركون في الإجادة، بل هم يجدون أي صعوبة في عملهم الفني، ولعل ذلك ما جعل الحطيئة يقول٧:
الشعر صعب وطويل سُلَّمه إذ ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلَّت به إلى الحضيض قدمُه يريد أن يعربه فيُعْجِمه
وليس من شك في أن الحطيئة والشعراء من حوله كانوا يلقون عنتًا شديدًا في رقي هذا السلم الذي كان يستلزم منهم جهدًا فنيًّا خاص. حتى يستطيعوا أن يبلوا الشأو الذي يريدونه.
_________________
(١) ١ أغاني "دار الكتب" ٢/ ١٦٥. ٢ ثوى وفوز: مات. ٣ تنخل: اختار. ٤ نثقفها: نقوّمها كما تقوم السهام. ٥ أغاني "دار الكتب" ٢/ ١٦٦. ٦ تخشبًا: تنظمًا بغير تكلف. ٧ أغاني "دار الكتب" ٢/ ١٩٦.
[ ٢٤ ]