هذه الموجة العنيفة من الغناء والرقص في الحجاز في أثناء العصر الإسلامي هي التي أعدت لما نراه من تطور يحدث في موسيقى الشعر الغنائي؛ فقد قلَّ النظم على الأوزان الطويلة التي عُرفت في العصر الجاهلي من مثل البسيط والطويل والكامل، وحلَّت محلها أوزان أخرى كثر النظم فيها من مثل الوافر والمديد والسريع والخفيف والرمل والمتقارب والهزج، وقد يأتي الشعر على الأوزان الطويلة؛ ولكن بعد أن تحوَّر وتجزَّأ كهذا الغناء المجزأ الذي كان يصحبها والذي أشار إليه إسحاق في نصه السابق.
ونحن نحس إزاء هذا التطور أن المغنين كانوا يلقون كثيرًا من العناء في إحكام أصواتهم ونغماتهم حتى يشاكلوا بينها وبين الأشعار التي يغنونها، وحتى لا يخرجوا بهذه الأشعار التي يلحنونها عن إيقاعاتها الموسيقية الخاصة، وأقبل الشعراء يحاولون التخفيف عنهم باقتراح أوزان لم تكن شائعة في الشعر القديم، أو كانت شائعة ولكنهم رأوا أن يعدلوا فيها حتى تتلائم وهذا الغناء الذي كانت
[ ٥٥ ]
تدخل فيه نغمات أجنبية كثيرة، كما ذكر أبو الفرج "على نحو ما مر بنا" عن ابن مسجح وابن محرز.
ولعل أهم شاعر قام بجهد وافر في هذا الجانب هو عمر بن أبي ربيعة؛ فقد عرف كيف يُلين الأوزان لهذا الغناء الجديد، ولعله من أجل ذلك كان أقرب شعراء الحجاز إلى ذوق المغنين؛ فقد كانوا يعجبون به وبأشعاره، وروى أبو الفرج كثيرًا من أصواتهم في مقطوعاته، فمن ذلك صوت ابن سُرَيْج وهو من مجزوء الخفيف١.
قل لهندٍ وَتِرْبِهَا قبل شَحْطِ النَّوَى غَدَا
إن تجودي فطالما بِتُّ ليلي مُسَهَّدَا
ومن ذلك أيضًا صوته وهو من مجزوء الوافر٢:
أليستْ بالتي قالت لمولاة لها ظُهُرا
أشيري بالسَّلام له إذا هو نحونا خَطَرَا
ومن ذلك أيضًا صوت ابن محرز وهو من مجزوء الرَّمَل٣:
أصبح القلب مهيضًا راجع الحبَّ الغَرِيضا
وأجدَّ الشوقَ وَهْنًا أن رأى برقًا وميضا
وعلى هذه الشاكلة أخذ الشعراء الحجازيون من أمثال ابن أبي ربيعة ينظمون على هذه الأوزان القصيرة التي تتفق وألحان الغناء الجديد.
ولعل من الطريف أن نجد في هذا العصر شاعرًا كأعشى همدان يلزم النَّصْبِيَّ المغني يؤلف له قطعًا من الشعر ليغنيها٤. وكان المغنون كثيرًا ما يضطرون الشعراء إلى أن يؤلفوا لهم قطعًا من الأوزان القصيرة، كما صنع ابن عائشة بعروة أبن أذينة؛ إذ طلب إليه أن يصنع له قطعة من الهزج فصنع٥:
_________________
(١) ١ أغاني "دار الكتب" ١/ ٥٩. ٢ أغاني "دار الكتب" ١/ ٩٢. ٣ أغاني "دار الكتب" ١/ ١٧٨. مهيضًا: كسيرًا ٤ أغاني "دار الكتب" ٦/ ٦٥. ٥ أغاني "دار الكتب" ٢/ ٢٣٧.
[ ٥٦ ]
سُلَيْمَى أزمعت بينًا فأين تقولها أينا١
وقد قالت لأترابٍ لها زُهرٍ تلاقينا
تعاليْنَ فقد طاب لنا العيش تعالينا
وكان بعض الشعراء يتعلمون صناعة الغناء حتى يستطيعوا أن يؤلفوا أشعارًا تتفق وألحان المغنين وأصواتهم، وممن عُرف بذلك ابن أذينة فقد كان يصوغ الألحان والغناء على شعره، وحكى له صاحب العقد الفريد صوتين مما يغنِّي فيه الحجازيون٢. ولعل ذلك هو السبب في أن موسيقى شعره تمتاز بأنها مصفاة تصفية شديدة كما نرى في قطعته المشهورة٣:
إن التي زعمت فؤادك ملَّهَا خُلقتْ هواك كما خُلقْتَ هَوَىً لَهَا
وكما أن الشعراء وجدوا الحاجة ماسة إلى تعلم الغناء، كذلك وجد المغنون نفس الحاجة إزاء تعلم الشعر فاصطنعته جماعة؛ منهم أبو سعيد مولى فائد وكان مغنيًا٤ وشاعرًا، وكذلك سَلَّامَة القَسِّ، وكانت مغنية وشاعرة، ومن شعرها الذي غنت فيه قولها ترثي يزيد بن عبد الملك مولاها وتندبه وهو من مجزوء الرَّمَل٥:
قد لعمري بتُّ ليلي كأخي الداء الوجيع
ونَجِيُّ الهم مني باتَ أَدْنَى من ضجيعي
_________________
(١) ١ تقولها هنا: تظنها. ٢ العقد الفريد "طبع المطابع الأزهرية" ٤/ ٩٦. ٣ أغاني "ساسي" ٢١/ ١٠٩. ٤ أغاني "دار الكتب" ٤/ ٣٣٠. ٥ أغاني "دار الكتب" ٨/ ٣٣٣.
[ ٥٧ ]