لا نصل إلى القرن الرابع حتى نحس بأن الشعر العربي جامد لا يتحول عن الموضوعات والمعاني القديمة. وأكبر الظن أن من أهم أسباب هذا الجمود ما أشرنا إليه من أن العرب لم ينحو في شعرهم نحوًا فلسفيًّا أو علميًّا. ولعل من أهم الأسباب في ذلك أيضًا أنهم لم يطلعوا على شيء من الأدب اليوناني فاستمروا يعيشون في شعرهم معيشة داخلية فيها نوع من القصور الذاتي، وقد خيل إليهم أنهم ليسوا في حاجة إلى مدد من الخارج فحسبهم ما في شعرهم من جمال.
[ ٢٩٢ ]
على أن هذا الجمال سرعان ما أصابه الجمود في القرن الرابع وما جاء بعده من قرون؛ إذ ضل الشعراء طريقهم إلى تنويع أفكارهم إلا أن يلجئوا إلى ألوان غريبة كالمبالغة، أو يستعيروا بعض الألفاظ من الثقافات، أما أن ينوعوا في موضوعاتهم ومعانيهم فذلك شيء قلما دار في أذهانهم.
ولعل من أسباب ذلك أيضًا ما شاع في بيئات النقاد من أن الأسلوب هو كل شيء في الأدب، وهي فكرة نراها في النقد من قديم؛ نراها عند الجاحظ، قد أسقط المعاني، ولم يجعل لها فضلًا، وعوَّل على الألفاظ قائلًا: "إن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك"١ وثار عليه ابن قتيبة، وقال: "إن البلاغة تكون في المعاني كما تكون في الألفاظ"٢؛ ولكن النقاد انحازوا في الغالب إلى الجاحظ، يقول صاحب الصناعتين: "المعاني مشتركة بين العقلاء؛ فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي، وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها"٣، ويقول الآمدي: "وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها. فإن اتفق مع هذا معنى لطيف أو حكمة غريبة أو أدب حسن فذلك زائد في بهاء الكلام وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه"٤. ويقول ابن خلدون في القرن الثامن: "إن صناعة الكلام نظمًا ونثرًا؛ إنما هي في الألفاظ لا في المعاني"٥.
وليس من شك في أن شيوع هذه الآراء جعل الشعراء لا يبحثون عن موضوعات جديدة، وبذلك انصب عملهم على التحوير في المعاني القديمة فنشأ هذا البحث الواسع الذي نجده في كتب النقد العربي، ونعني بحث السرقات. ونحن نجد النقاد في هذه العصور يحسون بأن هذا الجانب ضروري في الشعر، يقول
_________________
(١) ١ الحيوان "طبعة الحلبي" ٣/ ١٣٠. ٢ الشعر والشعراء ص٧. ٣ الصناعتين "طبعة عيسى الحلبي" ص١٩٦. ٤ الموازنة ص٢١١. ٥ المقدمة ص٤٢٥.
[ ٢٩٣ ]
صاحب الصناعتين: "ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تداول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم"١. ويقول صاحب الوساطة: "السرقة داء قديم وعيب عتيق، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه، وكان أكثره ظاهرًا ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلفوا جبر ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد، والتعريض في حال والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله ومتى أنصفت علمت أن أهل عصرنا ثم العصر الذي بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وأبعد من المذمة؛ لأن من تقدمنا قد استغرق المعاني، وسبق إليها، وأتى على معظمها، وإنما نحصل على بقايا، إما أن تكون تركت رغبة عنها أو استهانة بها أو لبعد مطلبها واعتياص مرامها وتعذر الوصول إليها، ومتى أجهد أحدنا نفسه، وأعمل فكره، وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريبًا مبتدعًا، ونظم بيت يحسبه فردًا مخترعًا، ثم تصفح عنه الدواوين لم يخط أن يجده بعينه أو يجد له مثالًا يغض من حسنه"٢.
والقاضي الجرجاني من نقاد القرن الرابع وشعرائه، ونراه يشهد بأن السرقات أصبحت ضرورة من ضرورات عصره في صنع الشعر ونماذجه، وهو يلاحظ أنها قديمة في الفن العربي، وهي ملاحظة صحيحة فنحن نجدها شائعة بين النقاد الأولين عند حماد الراوية وغيره. قال مروان بن أبي حفصة: "دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد، وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده كلما أنشد شاعر شعرًا وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره، وقال هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان؛ حتى أتى على أكثر الشعر، فقلت من هذا؟ قالوا حماد الراوية"٣.
_________________
(١) ١ الصناعتين ص١٩٦. ٢ الوساطة بين المتنبي وخصومه "طبعة عيسى الحلبي" ص٢١٤. ٣ أغاني "دار الكتب" ٦/ ٧١.
[ ٢٩٤ ]
فالشعراء يسرقون من قديم. يقول الجاحظ: "نظرنا في الشعر القديم والحديث فوجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض"١. ويقول أيضًا: "ولا يعلم في الأرض شاعر تقدم في تشبيه مصيب تام، أو في معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في بديع مخترع، إلا وكل من جاء من الشعراء من بعده أو معه إن هو لم يَعْدُ على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكًا فيه"٢.
وإذن فالسرقة قديمة في الشعر العربي؛ غير أنه يلاحظ أنها أصبحت شيئًا أساسيًّا في القرن الرابع فقد اهتم بها النقاد وفتحوا لها دراسات واسعة في كتبهم كما نجد في الصناعتين والوساطة والموازنة، وألِّفت فيها كتب خاصة، ألَّف مهلهل بن يموت كتابًا في سرقات أبي نواس، كما ألف كل من ابن أبي طاهر وابن عمار كتابًا في سرقات أبي تمام٣. وعمت هذه الدراسة وشاعت في كتب النقد والبلاغة؛ لأنها كانت أهم جانب في صناعة النماذج الفنية. وليس من شك في أن هذا الصنيع إنما يعني الجمود والتحجر، فقد ارتبط الشعراء بمجموعة من الأفكار والمعاني والأخيلة وسجنوا شعرهم وأنفسهم فيها، وبذلك انحصروا داخل آماد ضيقة من التقليد والتلفيق.
_________________
(١) ١ معاهد التنصيص ٢/ ١٢٢. ٢ الحيوان ٣/ ٣١١. ٣ الوساطة ص٢٠٩.
[ ٢٩٥ ]