من يقرأ اللُّزوميات وينظر فيها نظرة فنية من حيث الصياغة والتنسيق يلاحظ أن جوانب كثيرة منها واهية؛ إذ استغرقها أبو العلاء بالتَّكرار حتى كاد أسلوبه أن يسقط في غير موضع من مواضعها، نعم إنه وفق في بعض أبياتها ولكن الكثرة الغالبة يعمها الإسفاف والضعف، وكأني به نسى أسلوب الشعر الذي كان يعرفه في سقط الزَّند، وهل يستطيع الإنسان أن يؤمن بأن اللُّزوميات أنشأها أبو العلاء بعد ديوان "سقط الزند" بنفس صورة صياغته؟! على أنه ينبغي أن نعرف أن سقط الزند لا يعتبر مثلًا أعلى في الصياغة الفنية للشعر العربي، فديوان كديوان المتنبي يتفوق عليه في هذا الجانب، ولعله من أجل ذلك كان يسميه أبو العلاء: معجز أحمد، واستمر في سقط الزند دون هذا المعجز إلا في مراثيه؛ فقد أظهر فيها تفوقًا نادرًا من حيث الصياغة وخاصة مرثيته:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي نوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادِ
وإن هذه القصيدة لتتفوق على كل ما كتبه في لزومياته، ولعلنا لا نبالغ إذا
[ ٣٩٤ ]
قلنا إنه يسود فيها الخلل والضعف في البناء. وكان القدماء أنفسهم يعرفون فرق ما بين الديوانين؛ فالذهبي يقول: إن السقط جيد بخلاف اللُّزوميات١، وفي غير موضع نجدهم يشيدون بالسقط٢، وحقًّا ما يقوله "نيكلسون" من أن أبا العلاء يدين بشهرته في المشرق إلى مجموعة أشعاره الأولى المسماه بسقط الزند٣؛ فإن أبا العلاء الشاعر إنما نلقاه في السقط، أما في اللزوميات فلا بد من إضافة وصف آخر غير وصف الشاعر، نسميه أبا العلاء الواعظ أو الزاهد أو المتشائم أو نحو ذلك من أوصاف تعبر عن موضوع الديوان، أما كلمة الشعر والشاعر فمن الصعب أن نضيفهما إليه. يمكن أن نسميه الناظم ولكن من الصعب أن نعطيه لقب الشاعر، أو نسمي ما في اللزوميات شعرًا، وربما كان ذلك يرجع من بعض الوجوه إلى أنه لم يتأنَّ ولم يتمهل في صنع اللزوميات. روى ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار عن بعض القضاة أنه قال: "بينما أنا عند أبي العلاء المعري في الوقت الذي يملي فيه شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم؛ فأملى في ليلة واحدة ألفي بيت. كان يسكت زمانًا ثم يملي قريبا من خمسمائة بيت ثم يعود إلى الفكرة والعمل إلى أن أكمل العدة المذكور"٤. وقد سقنا هذه الرواية لندل بها على أن أبا العلاء لم يكن يعني بتجويد شعره وتحبيره في اللزوميات فهو لا يعطيه المهلة الكافية للصقل والانتخاب والتنقيح، ثم التأليف والتنسيق، فخرج شعره مهلهلًا ضعيف النسج ليس فيه شيء من حبكه التعبير ولا جمال التصوير إلا في القليل الأقل. وليس هذا فقط هو كل الأسباب، فهناك سبب آخر ربما كان أهم من السبب السابق، وهو الطريقة التي أخرج بها أبو العلاء لزومياته، أو بعبارة أدق الغاية التي أرادها للزومياته؛ فقد كان -فيما يظهر- يريد أن يخرجها في شكل خطب وعظ وإرشاد، يقول في مقدمتها: "إنها تمجيد لله الذي شرف عن التمجيد ووضع المنن في كل جيد، وبعضها
_________________
(١) ١ تعريف القدماء بأبي العلاء ص٣١٨. ٢ الأنساب للسمعاني ص١١٠. ٣ المجلد الأول من دائرة المعارف الإسلامية "الطبعة العربية" ص٣٨١. ٤ تعريف القدماء بأبي العلاء ص٢٤٩.
[ ٣٩٥ ]
تذكير للناسين وتنبيه للرقدة الغافلين وتحذير من الدنيا". فهو يقصد بها إلى الوعظ، وهي لذلك تمتلئ بما تمتلئ به أساليب الوعظ من التكرار الممل، ومن أجل ذلك كنا نشعر حين قراءتنا للزوميات بملل وسأم شديد؛ لأن الشاعر يتنقل بين أفكار يبدئ فيها ويعيد، وقد أخرجها في أسلوب واهٍ، ليس فيه جمال فني ولا طرافة فنية إلا قليلًا.
والحق أن أبا العلاء لم يستطع أن ينهض بالصياغة الفنية في لزومياته إذا كان يعتمد على تكرار الأفكار، وإن الإنسان ليخيل إليه أن هناك مجموعة من الأفكار ما يزال ينظمها أبو العلاء على قوافٍ وحروف مختلفة، وهو يغاير في القافية أوفي الحرفين الأخيرين؛ ولكنه قلما حاول أن يغاير في المعاني والأفكار، ولذلك يستطيع الباحث أن يقرأ طائفة من مقطوعات اللزوميات ويترك الأخرى؛ لأنه قلما يجد جديدًا إلا ما يخضع له أبو العلاء من قيود في ألفاظه وقوافيه.
ليس في اللزوميات غالبًا جمال في الصياغة ولا تنويع في الأفكار؛ إنما فيها بدء وإعادة وتكرار غريب للمعاني، وهي معانٍ عامة وكثيرًا ما ينقصها العمق والابتكار، وما يزال المعري ينظمها على حرف من الحروف كالباء ثم يعود إلى حرف آخر كالتاء، وهو ينظمها مرة على حرف الباء أو غيرها مضمومة، ثم يعود مرة أخرى أو مرارًا فينظمها على حرف الباء أو غيرها من الحروف مكسورة أو منصوبة أو ساكن. ومن أجل ذلك التكرار والإعادة كنا نمل متابعة أبي العلاء في لزومياته؛ إذ ما يزال يجتر أفكارًا محفوظة يكررها على قواف وأوزان مختلفة. ولعل ما يصور ذلك تصويرًا واضحًا رسالته المسماه باسم "ملقى السبيل" حيث نجده يصوغ المعنى نثرًا، ثم يصوغه شعرًا على هذا النمط؛ إذ يقول: "كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يبطئ:
إن الأنام ليخطئو ن ويغفر الله الخطيئةْ
كم يبطئون عن الجميـ ل وما مناياهم بطيئةْ
وعلى هذه الصورة التي نجدها في "ملقى السبيل" كان أبو العلاء ينظم في لزومياته ولم يكن ينظم المعنى نثرًا، ثم ينظمه شعرًا، بل كان ينظمه شعرًا، ثم يعود
[ ٣٩٦ ]
فينظمه أيضًا شعرًا؛ ولكن على قافية جديدة، وقيود لفظية جديدة، وهذا كل ما يصنعه من تغيير، وهو تغيير قلما يضيف طرافة في التفكير؛ إذ يدخل عليه أبو العلاء هذا التَّكرار الذي يصيب الصياغة في اللزوميات بضروب واسعة من الابتذال.
وأكبر الظن أننا لا نبعد حين نقول: إن أبا العلاء كان واعظًا في لزومياته، ولذلك لم يحسن صوغ أفكاره في الأساليب الخاصة بالشعر؛ لأن الوعظ من طبيعته التكرار، وهو يلائم النثر، ولا يلائم الشعر، ومن ثم كان الخطباء والوعاظ يتخذون النثر أداة للتعبير عن أفكارهم ومعانيهم المكررة، فإذا جاء خطيب أو واعظ واتخذ الشعر أداته في الخطابة أو الوعظ كان لا بد له أن يسقط في استخدام هذه الأداة الجديدة مهما تكن مقدرته البيانية. ومن أجل ذلك لم يكن غريبًا أن نجد أبا العلاء يخفق في استخدام الشعر أداة لوعظه وتشاؤمه الذي نعرفه في اللزوميات، وخاصة أنه أطال هذا الوعظ والتشاؤم وامتد به نفسه إلى عشرات الصفحات بل مئات الصفحات، فبدا في أساليبه هذا الانهيار والسقوط وما يتبعهما من ابتذال؛ بحيث لا نجد ما يعجب حاستنا الفنية إلا في النادر؛ فالأفكار عارية لا يحول بينها وبين الإسفاف حائل، ولذلك قلما نحس في أثناء قراءتنا اللزوميات ببهجة فنية، إذ لم يستطع أبو العلاء أن ينهض بصياغتها إلا هذا النهوض القاصر الذي يعود بالشعر وكأنه يشبه أساليب الوعظ والإرشاد.
[ ٣٩٧ ]