على أن هناك جانبًا آخر مهمًّا في غزل مهيار، هو ما نراه عنده من تشبثه بالعناصر البدوية وحشدها في قصائده، بحيث لا يمر غزل في قصيدة دون أن
[ ٣٦٨ ]
نحس بأنه لشاعر يقيم في نجد أوفي الحجاز؛ فدائمًا صاحبته أمامه أو الرَّباب أو لمياء أو سعدى، ودائمًا هي من سكان: مِنَى أو الخِيف أو قباء أو سَلْع، وهو لذلك يكثر من ذكر الأماكن الحجازية والنجدية من مثل: أُحد وجُمَع وسَلَم ونُعمان والألال والمحصَّب وإضم وزمزم، إلى جَمٍّ من هذه الأمكنة التي تُنْشَر في مطالع قصائده، وهو إلى ذلك ما يزال يعنى بالحديث عن الأطلال عناية شديدة. وقد يعجب الإنسان لمزاوجة مهيار بين ميوعته في غزله وبين ارتفاعه بهذا الغزل عن حياته المتحضرة إلى الحياة المبتدية وما فيها من شظف العيش وخشونة الحياة، وحقًّا إن ذلك يشعر بشيء من التناقض عنده؛ غير أنها حالة عامة انتشرت في الشعر العربي لهذه العصور وعرفت عند مهيار وغيره كالمتنبي، وكان يعنى في نسيبه مثله بالبدويات على نحو ما مر بنا في الفصل السابق.
وأكبر الظن أن هذه الحال من التبدي في الغزل تسربت للشعراء من تأثرهم بأساليب المتشيعة والمتصوفة في شعرهم الخاص، إذا كان هؤلاء ينحون بغزلهم منحى بدويًّا، يعبرون فيه بالأماكن النجدية والحجازية، وكأنهم يريدون أن يعطوه بذلك ضربًا من العبادة والقداسة، وهم لذلك يتشبثون خاصة بالأماكن المقدسة في الحجاز. وقد ربطنا سابقًا بين المتنبي وأساليب المتصوفة؛ أما مهيار فقد رأينا في أول هذا الفصل أنه كان متشيعًا بل كان من غلاة الرافضة، وقد نحا بغزله هذا المنحى الذي يعبر فيه هذا التعبير الواسع عن حبه، على الرغم مما قد يظن بأن هذه العناصر البدوية تقيد في خواطره وأفكاره. والحق أنها أعطت للغزل عند مهيار وعند غيره من الشعراء ضربًا من الاتساع في التعبير عن الوجدان والعاطفة، وماذا نطلب في الغزل؟ ألسنا نطلب التعبير عن الحب والعواطف؟ وهو تعبير ليس من الضروري له أن يرتبط بحياة الشعراء الحاضرة؛ إنما هي العاطفة ينوِّع الشعراء في التعبير عنها، هم قد يعبرون بعناصر حاضرة، وقد يرجعون إلى عناصر قديمة تشع منها ضروب مختلفة من المشاعر والأحاسيس.
ولعل من الغريب أن نجد جماعة من النقاد المعاصرين يتلومون من يذهب
[ ٣٦٩ ]
هذا المذهب من استخدام العناصر البدوية القديمة في الشعر، كأنما التعبير عن العاطفة تعبير يقيده الحاضر، وما الحاضر؟ إن العاطفة أوسع من أن تقيد بمكان خاص أو زمان خاص، وربما كان التعبير بالعناصر الماضية يعطيها من الاتساع في التعبير ما لا يعطيها التعبير بالعناصر الحاضرة، وما لنا نذهب بعيدًا؟! إن التعبير العاطفي إنما هو ضرب من الرمز عما في نفوسنا، ومن حق الشعراء أن يرمزوا إليه بالعناصر الماضية أو العناصر الحاضرة، وربما وجدوا في العناصر الماضية ما يسعفهم بالتعبير عما في نفوسهم تعبيرًا أدق وأعمق عمق هذه العناصر في الماضي والقديم. وأكبر الظن أن ذلك ما دعا أصحاب التصوف والتشيع إلى أن يرتبطوا في شعرهم بتلك العناصر؛ فقد اتخذوها للتعبير عن عواطفهم العميقة، واستطاعوا أن يحدثوا بها ضربًا من الشعر الرمزي في اللغة العربية.
على كل حال كان مهيار يكثر من العناصر البدوية في شعره، سواء منها ما يتصل بأسماء صواحبه أو أماكنهن أو ما في هذه الأماكن من النباتات والأشجار والأودية والرياح، كأن يقول في مطلع إحدى قصائده:
بَكَرَ العارِضُ تحدُوه النُّعامَى فسقاكِ الرَّيَّ يا دارَ أُماما١
وتمشَّتْ فيك أرواحُ الصَّبا يتأرَّجنَ بأنفاسِ الخُزامَى٢
فإنك تراه يتشبث منذ المطلع بهذه العناصر القديمة، وهي لا شك تعطي غزله ضربًا من الاتساع في التعبير، وانظر إليه يقول في قصيدة أخرى تلك القطعة الجيدة المعروفة:
سَل طريقَ العيسِ من وادي الغضا كيف أغسقتَ لنا رَأْدَ الضُّحى٣
ألشيءٍ غير ما جيراننا نفضوا نجدًا وحَلّوا الأَبطحا
يا نسيمَ الصُّبحِ من كاظمةٍ شدَّ ما هِجتَ الجوَى والبُرَحا
الصَّبا إن كان لا بدَّ الصَّبا إنها كانتْ لِقَلْبي أرْوَحا
_________________
(١) ١ العارض: السحاب. النعامى: ريح الجنوب. ٢ الخزامى: نبات طيب الرائحة. ٣ العيس: الإبل. رأد: ارتفاع.
[ ٣٧٠ ]
يا نداماي بسلْعٍ هل أرى ذلك الْمَغْبَقَ والمصْطَبَحا١
اذْكُرونا قد ذكرَنا عهدَكُم ربَّ ذكَرى قرَّبتْ مَن نَزَحا
واذكروا صبًّا إذا غنى بكم شرب الدَّمعَ وعافَ القَدَحَا
ولا يروعك الآن ما تجد في هذه القطعة من موسيقى جيدة؛ فهي لا تطَّرد له في بقية قصيدته فضلًا عن قصائده الأخرى؛ إنما هي أبيات وقطع تأتي نادرة في ديوانه تستقيم له الموسيقى فيها ويستقيم له التعبير على أن جمال هذه القطعة في الواقع يأتي قبل كل شيء مما فيها من تواجد وحنين، وهو لا ينقلب إلى تلك الميوعة التي نعرفها في مهيار، ولذلك يقع منا موقعًا طريفًا. وحقًّا إننا لا ننكر الوجد في الغزل ولكننا ننكر الميوعة وما يطوى فيها من ليونه وتخنث. ولعل أهم شيء جعل مهيار لا يسقط في غزله سقوطًا تامًّا هذه العناصر البدوية التي كان يستعين بها في شعره والتي كانت تطوى في داخلها جانبًا من الشعور بالألم والحزن. وهو شعور جاء مهيار من تشيعه؛ فالشيعة دائمًا محزونون، وهم لذلك دائمًا يشعرون بالألم، وقد تسرب هذا الألم وتسرب هذا الحزن إلى غزل مهيار فشع منه حنين وتواجد بل إغراق في الحنين والتواجد، وكأنما نقرأ في ديوان مهيار لشاعر متشيع، بل نحن نقرأ حقًّا لشاعر متشيع يحز الألم في صدره، وهو ألم يفضي به إلى هذا التواجد في الحب، ولعل ذلك ما جعل المتصوفة يغنون بغزله، فهم يذكرون أن من سماعهم قوله٢:
مَنْ ناظرٌ لي بين سَلعٍ وقُبَا كيف أضاءَ البرقُ أم كيف خَبَا٣
نبَّهَني وميضُه ولم تَنمْ عيني ولكن رَدَّ عقلًا عَزَبا
برقٌ لهُ قد صار قلبي خافقًا واستبردتْه أضلعي مُلْتهبا
يا لَبعيدٍ من مِنىً دَنَا به يوهمني الصدقَ بُرَيْقٌ كَذَبا
_________________
(١) ١المغبق: مكان الغبوق وهو الشرب في المساء، والمصطبح: مكان الصبوح، وهو الشرب في الصباح. وقد ذكرهما على التشبيه. ٢ محاضرات الأبرار: لابن العربي ١/ ٢١٤. ٣ قباء: موضع قرب المدينة.
[ ٣٧١ ]
ولَنسيمِ سَحَرٍ بحاجرٍ رَدَّتْ به عهدَ الصِّبَا ريحُ الصَّبا١
أليَّة ما فتح العطَّارُ عن أعبقَ منه نَفَسًا وأطيبا
سل مَن يدُلُّ الناشدين بالغضا على الطَّريدِ ويردُّ السَّلَبا
أراجعٌ لي والمُنَى هَلْهَلَةٌ فطالعٌ نجمُ زمانٍ غَرَبا
وطوفةٌ بين القِبابِ بِمنىً لا خائفًا عينًا ولا مرتَقبَا
وليس من شك في أن هذه المقطوعة تمثل روح المتصوفة لا بما فيها من الأماكن الحجازية فقط؛ بل بما في داخلها من التواجد في الحب. وهذا الجانب عند مهيار يجعلنا نلتفت إلى أن التشيع والتصوف أصبحا منذ القرن الرابع أصلين مهمين من أصول الشعر العربي؛ فهما يدخلان في المواد التي تكونه، إما لأن الشاعر من المتصوفة أو من المتشيعة، أو لأنه يستعير من هاتين البيئتين في شعره، كما رأينا عند المتنبي؛ إذ أدخل كثيرًا من مواد التصوف وعناصره في ألفاظ شعره وعباراته. وهذا هو سر ما نجده من صلة واضحة بين الشعر العربي العام وشعر المتشيعة والمتصوفة، وهل هناك من فارق بين مقدمات مهيار وشعر شاعر متصوف كابن الفارض؟ إن القصيدة عندهما جميعًا تُملأ بهذا التواجد في الحب، ثم بتلك البقع الحجازية وما تنشره في الشعر من حنين عاطفي غريب. وحقًّا امتاز المتصوفة باتساع الرمز في التعبير عن حبهم الإلهي، ولكن أي رمز؟! إنهم كانوا يرمزون بنفس هذه المواد البدوية والعناصر القديمة التي كانت تتخذ أيضًا كرمز عند شعراء الحب الإنساني، فتعبر هذا التعبير الفسيح الذي ينطلق فيه الخيال ويسبح فيه الشعور والوجدان.
_________________
(١) ١ الحاجر: جبل بديار غطفان شرقي المدينة.
[ ٣٧٢ ]