ونحن نعود فنقرر أن هذه العناصر البدوية السابقة في شعر مهيار هي كل ما كان يحميه من السقوط؛ فقد أصبح الشعر عنده ضربًا من التلفيق والطول.
[ ٣٧٢ ]
الشديد، وهو طول ما يزال به حتى يحدث السأم والملل؛ إذ لم يكن يستعين عليه بثروة عقلية، إنما كان يستعين عليه ببسط الأسلوب ونشره، وارجع إلى الموضوع العام الذي يشغله في ديوانه، ونقصد شعر المديح فإنك تراه يفقد أصباغه العقلية القديمة التي رأيناها عند أبي تمام، بل هو يفقد أصباغه الحسية، وكأني به يتحول كما تحول الغزل إلى ضرب من المديح الباهت؛ بل إن الغزل لم يسقط عند مهيار كما سقط المديح؛ لأنه عرف كيف يستعين عليه بالعناصر البدوية القديمة، وما يمكن أن تعطيه من اتساع في التعبير، أما المديح فلم يستطع أن يحول بينه وبين هذا السقوط. وهذا هو ما يجعلنا نذهب إلى أن الشعر العربي أخذ يركد منذ القرن الرابع، فلم يعد فيه من جديد رائع سوى أن تتجمع مواده القديمة، وهي مواد أثرية إن لم تعن بها الأيدي الحديثة فقدت كل ما لها من روعة فنية.
والحق أن مهيار لم يستطع أن ينوع في معاني المديح؛ إذ كانت تنقصه الثقافة، وكان ينقصه العمق، وهو كذلك لم يستطع أن يحتفظ للعبارة بمنطق العرب الأصيل، كما احتفظ لها الشريف الرضي والمتنبي وأمثالهما، بل لقد ذهب يطيل فيها ويسرف في هذا الطول، بما كان يبسط من الأفكار والصور القديمة، وأضرَّ هذا الصنيع بقصائده لأن الشعر الغنائي حين يبسط كل البسط تصبح خطوطه مهوشة وألوانه مضطربة.
لم يكن مهيار يحكم التعبير في قصيدة المديح؛ إذ كان لا يزال يطيل فيها هذا الطول الممل الذي ينتهي بها إلى ما يشبه الرسالة من الرسائل؛ فهي تبدأ ببراعة الاستهلال، وتنتهي بالدعاء، وتمتلئ بينهما بالحشو وما يطوى من تفكك وتلفيق، وكأنما أجدبت الحضارة العربية أو أجدب التفكير الفني؛ فليس هناك من جديد سوى هذا الأسلوب المنبسط الذي ينشر الفكرة المطوية في أبيات كثيرة. ولعل من الطريف أن نذكر هنا ما رواه صاحب الأغاني عن عبد الملك بن مروان من أنه كان يقول للشعراء: "تشبهونني مرة بالأسد ومرة بالبازي ومرة بالصقر، ألا قلتم كما قال كعب الأشقري:
[ ٣٧٣ ]
ملوكٌ ينزلونَ بكلِّ ثَغْرٍ إذا ما الهامُ يوم الرَّوعِ طَارا١
رِزانٌ في الأمورِ ترى عليهم من الشيخ الشمائلَ والنِّجارا٢
نجومٌ يُهتدى بهم إذا ما أخو الظَّلماءِ في الغمراتِ حارا٣
ولو أن عبد الملك عاش إلى عصر مهيار ووجده ومن حوله من الشعراء يبدئون ويعيدون في صور المديح المحفوظة لكان ذلك أشد إيذاء لنفسه. على أننا نلاحظ أن هذه المعاني التي ذكرها لكعب الأشقري وأمثالها قد تُدوولت واستنفدت في العصر العباسي؛ بحيث لا نصل إلى مهيار حتى نجد الشاعر العربي يقصر عمله على تلفيقها لجميع الممدوحين في مختلف المناسبات بدون تفريق، ومن غير اختلاف في التطبيق.
ونحن لا نتلوم مهيار وغيره من الشعراء لاستعارتهم في المديح الصور المحفوظة والأفكار الموروثة، ولكنا نتلومهم؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يضيفوا إلى هذه الصور والأفكار ثروة زخرفية من التصنيع العقلي والحسي، كما كان الشأن عند أبي تمام، وهل نستطيع أن نقرن قصيدة لمهيار بقصيدة عمورية وما رأينا هناك من مزج أبي تمام بين عناصر الثقافات المختلفة حتى استوت له موسيقاه الرائعة في تلك القصيدة؟ وأكبر الظن أننا لا نبعد إذا قلنا إن من أهم الأسباب في خمود قصيدة المديح لهذه العصور أنها فقدت غالبًا الحادث الخطير الذي تنشد فيه والذي يكسبها ضربًا من الحيوية والقوة على نحو ما نرى عند أبي تمام حين مدح المعتصم بقصيدة عمورية، وعلي نحو ما نرى عند المتنبي في مديحه لسيف الدولة حين كان يصف وقائعه مع الروم؛ غير أنا لا نتقدم بعد المتنبي إلى مهيار حتى يصبح المديح عملًا رسميًّا يقال في المناسبات كتهنئة بنيروز أو عيد أو وزارة، ولم يعد هناك -إذا نحن استثنينا الحروب الصليبية- من البواعث والحوادث الهامة ما يدفع إلى نظمه، وما يعطيه حدة أو قوة، واستمر ذلك شأنه حتى العصر الحديث،
_________________
(١) ١الهام: الرءوس ٢ رزان: جمع رزين. الشمائل: الطباع. النجار: الأصل والحسب. ٣ أغاني "طبعة دار الكتب" ١٤/ ٢٨٧. والغمرات: الشدائد.
[ ٣٧٤ ]
ومهما يكن فقد أصبحت قصيدة المديح عند مهيار وغيره من شعراء هذه العصور غالبًا قصيدة مناسبة، ولم يعد لها شيء من اللذة والروعة الفنية، وبذلك تحول شعر المديح في اللغة العربية إلى ما يمكن أن نسميه شعر التهاني أو شعر المناسبات؛ فقد انطفأت منه كل شعلة يمكن أن تندفع منها حرارة أو ينبعث منها توهج؛ ولم يبق فيه ولا في غيره من موضوعات الشعر سوى هذا التلفيق الذي وصفناه عند مهيار، ولعل ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت المعري ينفر في لزومياته من هذا الشعر الذي لا نجد فيه أفكارًا نادرة ولا ثروة زخرفية واسعة.
[ ٣٧٥ ]