كان أبو تمام يعتمد في شعره على الغموض وإن تغشاه سحب زاهية من الفلسفة والثقافة، وإن الإنسان ليشعر شعورًا واضحًا في أثناء قراءة ديوانه بأن الحواجز التي كانت تفصل بين الشعر العربي من جهة وبين الثقافة والفلسفة من جهة أخرى قد رفعت، ولم يعد هناك ما يعوق التزاوج والاتصال الشديد بين التفكير الفني والتفكير الفلسفي والثقافي. وإن الإنسان ليحار إزاء هذه الموهبة النادرة في المزج بين التفكير الثقافي والتفكير الفني؛ فكل منهما يغمس في ليقة الآخر ويصبغ بأصباغه؛ فيتغير عن شِياته المعروفة وهيئاته المألوفة. ونحن نستطيع أن نلاحظ هذا الصنيع الغريب من المزج والاتحاد في جانبين متقابلين، إذ نرى الأفكار الدقيقة تدور في وعاء التصوير فيحدث ضرب من الرمز البديع كما نرى الطباق يدور في وعاء الفلسفة فيحدث ضرب من الطباق الفلسفي الطريف.
الرَّمْزُ:
أما الرمز فولَّده تفكيره العميق؛ إذ كان يلتفُّ لون التصوير على هذا الجانب العقلي في شعره، أو بعبارة أدق الجانب الفلسفي، فتحدث تلك الرمزية الواسعة التي يلاحظها كل من يقرأ في أشعاره. وكان يستعين على أحكامها بصبغين مهمين من أصباغ التصوير، وهما: التجسيم والتدبيج؛ إذ نراه يجسم معانيه العميقة في صور حسية لا يلبث أن يدبجها بألوان مادية. وانظر إلى قوله في بعض ممدوحيه:
أبديت لي عن جلدة الماء الذي قد كنت أعهده كثيرَ الطُّحْلُبِ
[ ٢٤٧ ]
ووردتَّ بي بحبوحة الوادي ولو خلَّيتني لوقفت عند الْمِذنَبِ١
يقول له: إنك صفَّيت لي العطاء وكنت أراه من غيرك كدرًا وعسرًا؛ ولكن انظر كيف رمز لهذه الفكرة، فإنك تراه يبدأ فيجعل للماء جلدة، كما قالوا: جلدة السماء وأديم الأرض، ثم يستمر فيعبر عن الكدر والعسر بركوب الطحلب للماء، ويصور نفسه مع ممدوحه في بحبوحة الوادي وقطع الرياض؛ بينما غيره يقف به عند المذنب فلا يُنيله إلا الوَشل القليل.
وعم هذا التجسيم في شعر أبي تمام بحيث لا تخلو منه صفحة من صفحات ديوانه كأن يقول لابن أبي دؤاد:
يا أبا عبد الله أوْرَيتَ زندًا في يدي كان دائمَ الإصلادِ٢
أنت جبت الظلام عن سبل الآمال إذ ضلَّ كلُّ هاد وحادِ
فقد عبر عن نُجْح مطلبه عنده وإخفاقه عند غيره بهذا الزناد الذي أوراه في يده، واستمر فقال: إنه كشف الظلام عن طريق الآمال؛ بينما ضل الحداة والروَّاد هذه الطرق. وكما كان أبو تمام يستخدم التجسيم للرمز عن أفكاره البعيدة كان يستخدم التدبيج، ومرت بنا في الفصل الأول من هذا الكتاب صور منه عند زهير؛ إذ ذكر في معلقته الأنماط والسدول الحمراء، كما ذكر المياه الزرقاء وفتات العهن الذي يشبه حَبَّ الفنا، وهي جميعها صور كان زهير يعطيها الألوان الحسية حتى تثبت في نفوسنا؛ غير أنها كانت تستعمل عنده في حال ساذجة، فهي لا تعبر عن فكر إنما تعبر عن حس وواقع، أما عند أبي تمام فإنها تتحول لتعبر عن فكر بعيد على نمط ما نراه يقول في رثاء ابن حميد الطوسي وقد قتل في الحرب:
تردَّى ثيابَ الموتِ حمرًا فما دجى لها الليلُ إلا وهي من سندسٍ خضرِ٣
فقد جنح في التدبيج يستمد منه ما يريد من الرمز عن أفكاره، ألا تراه
_________________
(١) ١ بحبوحة الوادي: أواسطه. المذنب: الساقية. ٢ أورى الزند: أظهر ناره. الإصلاد: أن لا يوري الزند نارًا. ٣ دجى: أظلم.
[ ٢٤٨ ]
يعبر عن قتل ابن حُمَيد بتلك الثياب الحمراء التي غرقت في أصباغ الدم؛ حتى إذا دجى الليل وأظلم القبر أبدله منها ثيابًا سندسية خضراء ليعبر عن رضوان ربه. واقرأ هذا البيت يقوله في الحرب أيضًا حين فتح العرب لعمورية:
إن الحمامين من بيضٍ ومن سمر دلوا الحياتينِ من ماءٍ ومن عشبِ
فقد جعل للحِمام أو للموت لونين يختلفان باختلاف السمرة والبياض في ألوان القنا والسيوف، واستمر فعبر عن الحياة بلونين يقابلان هذين اللونين السابقين، وهما لونا الماء والعشب، وكل ذلك ليرمز عن أسباب الحياة والموت، وانظر إليه يقول في انتصار بعض القواد على بابك بأذربيجان:
جلوتَ الدُّجى عن أذربيجان بعدما تردَّت بلون كالغمامة أربدِ١
وكانت وليس الصبح فيها بأبيض فأمست وليس الليلُ فيها بأسودِ
فإنك تراه يعتمد على التدبيج في التعبير عن أحوال أذربيجان الكئيبة والسعيدة، وانظر إليه يقول:
أما وأبى الرَّجاء لقد ركبنا مطايا الدهر من بيضٍ وسودِ
فقد استخدم التدبيج للرمز عن حوادث الدهر: النحس منها والسعيد بتصويره لتلك المطايا من بيض وسود. وعلى هذا النمط نرى كثيرًا من جوانب ديوان أبي تمام يذهب هذا المذهب الرمزي في التعبير عن المعاني والأفكار بالصور والأخيلة الحسية والألوان المادية.
وكما كان أبو تمام يستخدم التصوير في التعبير عن أفكاره العميقة، كذلك كان يستخدم الطباق والجناس والمشاكلة. ونحن نلاحظ من طرف آخر أن ألوان التصنيع القديمة كانت تمر في ظلال الثقافة والفلسفة؛ فإذا هي تتحول عن شياتها وهيئاتها، وكما أن اللون يتحول عن شكله حين يمر في ضوء صناعي أحمر أو أزرق أو أخضر، كذلك اللون من التصوير والجناس والمشاكلة والطباق عند أبي تمام حين يمر في فلسفته وثقافته العميقة. ولعل خير لون قديم يفسر ذلك هو لون الطباق؛ فقد مر في أصباغ قاتمة من الفلسفة أحالته إلى لون
_________________
(١) ١ أربد: قاتم.
[ ٢٤٩ ]
جديد مخالف للطباق المألوف، واقرأ هذا البيت:
هي البدرُ يغنيها تودُّد وجهِهَا إلى كلِّ من لاقت وإن لم تودَّدِ
فإنك ترى طباقًا فلسفيًّا جديدًا ما يزال أبو تمام يستخرج منه صورًا نادرة، وانظر إلى صاحبته فهي تودُّ من لا تود، وهو يثبت هذا التضاد الغريب بتلك المفارقة الطريفة؛ فوجهها يتودد بسحره وجماله، وإن رفضت هي هذا التودد وأظهرت الإباء والامتناع، أرأيت إلى هذا الطباق؟ أنه من نوع آخر غير طباق الذاكرة الذي رأيناه عند البحتري والذي يعتمد على العبث اللفظي حين نذكر الوصل فيأتي الهجر، والليل فيأتي النهار.
نَوافِرُ الأَضْدَادِ:
لم يكن أبو تمام يستخدم الطباق استخدامًا ساذجًا بسيطًا؛ بل كان يستخدمه استخدامًا معقدًا؛ إذ يلوِّنه بأصباغ فلسفية قاتمة ما تزال تغير في إطاره بل في داخله تغيرات تنفذ به إلى لون جديد مخالف للطباق؛ فإذا هو من طراز آخر غير معروف، طراز فلسفي إن صح هذا التعبير، ففيه تناقض وفيه تضاد وفيه هذه الصور الغريبة. وكان أبو تمام يستخدمه قاصدًا إليه عامدًا، وكان يسميه: نوافر الأضداد، يقول في مديح ابن أبي دؤاد:
قد غرستم غرس المودة والشَّحْـ ـناءِ في قلب كل قارٍ وبادي١
أبغضوا عزَّكم وودوا نداكم فقروكم من بغْضَة ووِدادِ٢
لا عدمتم غريب مجدٍ رَبقتم في عراه نوافر الأضداد"٣
قال المرزوقي: "يعني بنوافر الأضداد: ما قاله في البيت الثاني: الناس يحسدونهم لشرفهم ويحبونهم لجودهم"٤؛ فهم يأتون بوصفين متضادين ويجمعون بين متناقضين.
وتعلقت هذه النوافر من الأضداد بعُرى تفكير أبي تمام وتصويره، ولم
_________________
(١) ١القاري: نازل القرى. ٢ قروكم: أطعموكم. ٣ربقتم: شددتم. ٤ التبريزي على أبي تمام ١/ ٣٧١.
[ ٢٥٠ ]
تَخْلُ منها صفحة من صفحات ديوانه، ويظهر أنه لم يكن يأتي بها عن فلسفة فقط؛ بل كان يأتي بها أيضًا عن مزاج، ولعله من أجل ذلك كان يعجب بجهم بن صفوان؛ فقد ذكره مرارًا كثيرة في شعره. وكان جهم معروفًا بالتناقض في فكرته عن عمل الإنسان، إذ يمنع أن يكون له اختيار وقدرة على ما أُمر به فهو مجبرٌ ومع ذلك يجعله مكلفًا يعاقب على ما يفعل، وأشار أبو تمام إلى ذلك في قوله لبعض ممدوحيه:
عمريٌّ عظم الدينِ جَهميُّ النَّدى ينفي القُوى ويثبِّت التكليفا
يقول التبريزي: "أي هو في دينه وعفَّته مثل عمرو بن عبيد وعلى مذهبه، وفي جوده وسخائه على مذهب جهم بن صفوان؛ لأنه ينفي أن يكون للعبد قدرة على ما هو مأمور به ومع ذلك يجعله مكلفًا أي هو مجبر على البذل فلا يمكنه تركه"١. وانظر كيف استغل هذا المذهب من الجبر استغلالًا فنيًّا واتخذه ليعبر عن فكرة عنده تعبيرًا من طراز غير مألوف. وأراد مرة أخرى أن يصف الخمر وأن يُغرب في وصفه فلم يجد إلا مذهب جهم وإلا عقدة أخرى من عقده، فذهب يقول:
جهميةُ الأوصاف إلا أنهم قد لقبوها جوهر الأشياءِ
فهي جهمية أي ليس لها اسم ومع ذلك تلقب بجوهر الأشياء، وأصل الفكرة أن جهم بن صفوان "كان يمتنع من أن يسمي الله باسم، ويعتقد أن الاسم إنما يطلق على الجواهر والأعراض، فيقول أبو تمام رقَّت هذه الخمرة حتى كادت تخرج من أن تكون عَرَضًا أو جوهرًا وأن تسمى شيئًا إلا أنها لفخامة شأنها لقبت جوهر الأشياء"٢؛ فهي مسماة وغير مسماة في الوقت نفسه. وكان أبو تمام يرى هذه الأضداد مظهرًا من المظاهر الأساسية في الحياة، يقول في بعض أشعاره:
فلأذربيجان اختيالٌ بعدما كانت معرَّس نكبة ونكالِ
سَمُجت ونبَّهنا على استسماجها ما حولها من نضرةٍ وجمالِ
_________________
(١) ١ التبريزي ٢/ ٣٨٧. ٢ التبريزي ١/ ٣٤ وما بعدها.
[ ٢٥١ ]
ومن يدرس أبا تمام يرى هذه الأضداد متصلة بأخلاقه فهو تارة كريم جدًّا وتارة بخيل جدًّا، وهو تارة متدين مسرف في تدينه وتارة ملحد مسرف في إلحاده. يقول صاحب مروج الذهب: "كان أبو تمام ماجنًا خليعًا في بعض أحواله، وربما أداه ذلك إلى ترك موجبات فرضه تماجنًا لا اعتقادًا. قال المبرد وهو مع هذا الذي يقول:
وأحقُّ الأنام أن يقضي الدَّيـ ـن امرؤٌ كان للإله غريما
وهذا قول مباين لهذا الفعل١. وبينما نرى في ديوانه وصفًا لحِجَّة حجَّها، إذا بهم يروون أنه ظهر منه في أثناء زيارته لابن رجاء بفارس ما جعل هذا الوالي يرتاب في قيامه بفروض الدين فسأله عن ذلك؛ فأبدى أنه يشك في قيمة أداء هذه الفروض٢.
وكل ذلك يدل على أن عقل أبي تمام كان مفعمًا بنوافر الأضداد، وقد راح يستخدمها في أبياته استخدامًا فنيًّا واسعًا؛ فإذا هي تتحول إلى لون زاهٍ من ألوان الفن الزاهية. واقرأ هذا البيت يقول في بعض ممدوحيه:
صيغت له شيمةٌ غرَّاء من ذهب لكنها أهلكُ الأشياءِ للذَّهبِ
فستجدك أما تفكير جديد، شيء يهلك نفسه، بل هو ذهب يهلك نفسه هذا الإهلاك الغريب الذي يستخرجه أبو تمام من نوافر الأضداد؛ فإذا هو يعبر عن ممدوحه بصورة متضادة، صورة ذهبية تروع السامعين لغرابتها وما بها من لمعان الذهب، بل من لمعان الفلسفة والفن، وانظر إلى قوله:
بيضاء تَسري في الظلام فيَكتسي نورًا وتسرُبُ في الضياءِ فيُظْلِمِ
أرأيت إلى هذا التضاد وهذا الضياء المظلم؟ إن حقائق الأشياء تتغير في شعر أبي تمام على هذه الصورة التي نرى فيها الضياء المظلم وإنه لضياء عجيب لا يستطيع شيء أن يعبر عن فتنته؛ إلا أن يعود أبي تمام فيأتي بصورة أخرى ولكنها متعاكسة، صورة ظلال مشرقة؛ إذ يقول:
_________________
(١) ١مروج الذهب للمسعودي "طبع أوربا" ٧/ ٣٥١. ٢ دائرة المعارف الإسلامية، المجلد الأول ص٣٢٠.
[ ٢٥٢ ]
أصل كبرد العَصبِ نيطَ إلى ضُحى عبقٍ بريحان الرياض مطيَّبِ١
وظلالُهنَّ المشرقاتُ بخرَّد بيضٍ كواعبَ غامضاتِ الأكعُبِ
فهو يتصور الظلال مشرقة إشراق الشمس، وهو يتصور الضياء مظلمًا ظلام الليل، وهو على هذه الشاكلة يشوِّه في الطبيعة تشويهًا يزينها؛ فإذا الظلال مشرقة، وإذا الأضواء مظلمة، بل إن جوانب اليوم نفسه ليحل بعضها مكان بعض في ارتباك طريف؛ فالصبح كأنه مغرب على نحو ما نرى في وصف أخلاق الحسن بن وهب:
متعت كما متع الضحى في حادثٍ داجٍ كأن الصبحَ منه مغربُ٢
والليالي كأنها أسحار، يقول في بعض ممدوحيه:
أيامنا مصقولة أطرافُها بك والليالي كلُّها أسحارُ
والأسحار كأنها ضحى، يقول في وصف الربيع:
لما بكت مُقَلُ السحابِ حيًا ضحكت حواشي خدِّه التَّربِ
فكأنه صبحٌ تبسم عن سحر ضئيل في ضُحى شحِبِ
بل أنوار الشمس مختلطة بأزهار الرُّبى كأنها أضواء القمر:
يا صاحبيَّ تقصَّيا نظريكما تريا وجوهَ الأرضِ كيف تصوَّرُ
تريا نهارًا مشمسًا قد شابَهُ زهرُ الرُّبى، فكأنما هو مقمرُ
وعلى هذا النمط تمتزج أصباغ الطباق عند أبي تمام بهذه الأصباغ الفلسفية الغريبة من نوافر الأضداد؛ فإذا بها تخرجنا من أوقاتنا التي تقيدنا، وتطلقنا من عقال أمكنتنا، وتجعلنا نتحرر في داخلنا من كل ما يتعلق بنا. ولعل هذا هو معنى ما يقولونه من أن الشاعر الممتاز له جو غريب ينقلنا من عالمنا الذي نعيش فيه إلى عالم آخر طليق من الوهم، عالم ينشر فيه أبو تمام من عبق هذه الأضداد ما يؤثر به على أعصابنا وحواسنا تأثيرا يخلد في أذهاننا، فإذا الظلال
_________________
(١) ١ أصل: جمع أصيل. العصب: ثوب يماني منقوش. نيط: علق. ٢ متع الضحى: بلغ آخر غايته.
[ ٢٥٣ ]
أضواء، وإذا الأضواء ظلال، وإذا الليالي أسحار، وإذا الأسحار ضحى، وإذا الصبح مغرب والنهار المشمس ليل مقمر، بل إذا الصحو يمطر والمطر يصحو:
مطرٌ يذوبُ الصحوُ منه وبعده صحو يكاد من النضارة يُمطرُ
أرأيت إلى هذه الصورة الغريبة من المطر الذي يذوب منه الصحو، والصحو الذي يذوب منه المطر؟ ثم أرأيت إلى هذه النضارة الخاصة التي توشك أن تجعل الصحو يمطر؟ إنها نضارة غريبة يعرف عقل أبي تمام كيف يحيلها إلى هذه الصورة من الحياة والمطر. وإن كنت تعجب من هذه النضارة الممطرة؛ فارجع إلى شعره تجد نضرة أخرى شاحبة ولكن لا تقل
عنها غرابة؛ إذ يقول:
رب خفضٍ تحت السُّرى وغناءٍ من عناءٍ ونضرةٍ من شُحُوب١ِ
فالنضرة قد تكون زاهية، وقد تكون باهتة، ويستخرج أبو تمام من أحوالها صورًا متضادة؛ فإذا هو يؤثِّر في مشاعرنا وينفخ في أرواحنا وعقولنا بهذا البوق الغريب من نوافر الأضداد. وإنا لنتبين من خلال هذا الصنيع كيف كان يملك أبو تمام ناصية الفن والفلسفة جميعًا؛ فهو يعرف كيف يستخدم الفلسفة في شعره استخدامًا فنيًّا؛ إذ يمزج بينها وبين ألوان التصنيع القديمة التي تركها أستاذه مسلم فتخرج له ألوان تصنيع جديدة.
الأَقْيَسةُ الفَنِّيَّةِ:
ولعل مما يتصل بذلك ما نراه عنده من استخدام الأقيسة المنطقية؛ فقد كان يستغلها استغلالًا فنيًّا إذ ما يزال بها حتى يغير شياتها المنطقية ويحدث لها شيات جديدة من الشعر والفن. إنها لم تعد أقيسة منطقية بالمعنى القديم بل أصبحت أقيسة فنية، يمتزج فيها القياس المنطقي بالموسيقى والشعر والتصوير. وانظر إلى هذا القياس الطريف يقوله في الرثاء:
إن ريبَ الزمانِ يحسن أن يهـ دي الرَّزايا إلى ذوي الأحسابِ.
_________________
(١) ١الخفض: سعة العيش. السرى: السير ليلًا.
[ ٢٥٤ ]
فلهذا يجفُّ بعد اخضرارٍ قبل روض الوهاد روض الرَّوابي
ويقول في تحبب الرحلة ومفارقة الأوطان:
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ لديباجتيه فاغترب تتجدد١
فإني رأيت الشمس زيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد٢
وانظر إليه يخاطب صاحبته وهي تلومه على الارتحال، وما يلقى فيه من أهوال:
أعاذلتي ما أخشنَ الليل مركبًا وأخشن منه في الملمَّات راكبهْ
ألم تعلمي أن الزّماع على السُّرى أخو النُّجْح عند النائبات وصاحبهْ٣
ذريني وأهوال الزمان أُفانها فأهوالُه العُظمى تليها رغائبهْ٤
دعيني على أخلاقي الصمِّ للتي هو الوفر أو سِربٌ ترنّ نوادبه٥
فإن الحسام الهندواني إنما خشونتُه ما لم تفلَّل مضاربه٦
وعلى هذه الشاكلة كان يعرف كيف يقنع بقياسه في أحرج المواقف، وليس هناك موقف أحرج من الشيب حين تشتعل به الرأس، وقد استطاع أن يخلص من هذا الموقف مصورًا أسى صاحبته عليه، ضاربًا لها أقيسته الفنية الطريفة، يقول:
يومي من الدَّهرِ مثل الدهر مشتهرٌ عزمًا وحزمًا وساعي منه كالحقبِ
فأصغري أن شيبًا لاح بي حدثًا وأكبري أنني في المهد لم أشِبِ
فلا يؤرقك إيْماضُ القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي في الأدب٧
_________________
(١) ١ مخلق: من أخلق إذا بلى، ويريد بالديباجتين: الوجه والمنزلة الأدبية. ٢ سرمد: دائم. ٣ الزماع: العزم، والسرى: السير ليلًا. ٤ ذريني: اتركيني، أفانها: من الإفناء أي أفنيها وتفنيني. ٥ الصم: القوية الصلبة، الوفر: المال، السرب: الجماعة من النساء والظباء، ترن نوادبه: تندبه. ٦ الهندواني: نسبة إلى الهند. ويريد بالبيت أنه ينبغي أن يتجشم المشاق وهو شاب قبل أن تهده السنون فينبو نبو السيف المفلل. ٧ القتير: الشيب. إِيْمَاض: الْتِمَاع.
[ ٢٥٥ ]
لا تنكري منه تخديدًا تجلَّله فالسيفُ لا يُزدرى أن كان ذا شطبِ١
وعلى هذا النمط يستمر أبو تمام يستخرج من الفلسفة والثقافة زخرفًا جديدًا يضيفه إلى الزخرف القديم، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما رسخت الثقافة والفلسفة في ذهنه وتحولتا هناك إلى ما يشبه صندوق الألوان عند الرسامين. وقد أخذ يحكم استخدام تلك الألوان في شعره، كما أخذ يحكم استخدامه لألوان التصنيع القديمة: تارة بما يستخرجه من أصباغها على نحو ما رأينا عنده في لون التصوير وأصباغه من تدبيج وتجسيم وتشخيص، وتارة بإضافته اللون إلى لون آخر على نحو ما رأينا عنده في الطباق والجناس حين كانا يمران في وعاء التصوير. وأخيرًا هو يبتكر ألوانًا جديدة يستنبطها من الثقافة والفلسفة ثم يمزج بينها وبين ألوان التصنيع القديمة، فتتغير شياتها وهيئاتها على نحو ما رأينا في حواشي الطباق حين طرزها بنوافر الأضداد. وحقًا إن أبا تمام كان أستاذًا ماهرًا في فن مزج الألوان ومعرفة خباياها وأسرارها؛ إذ نراه يغمس البيت في لون كالجناس، ثم يعود فيغمسه في لون آخر كالتصوير، ثم يعود مرة ثالثة فيغمسه في طباق أو مشاكلة، ولا يكتفي بذلك، بل نراه يعود فيغمسه في لون قاتم بل في لون زاهٍ من الفلسفة والثقافة فإذا البيت يختال في ألوان وأصباغ ثرية منوعة اختيال الطاوس في ألوانه وأصباغه.
_________________
(١) ١التخديد: تجعدات الوجه، وشطب السيف: الطرائق التي فيه.
[ ٢٥٦ ]