اسمه الحسن بن هانئ، ولد بالأهواز سنة تسع وثلاثين ومائة، وكان أبوه مولى١ لآل الحكم بن الجراح من بني سعد، العشيرة اليمنيين، قدم إلى هذه البلدة مع جند مروان بن محمد، وتزوج بها جارية فارسية أهوازية تدعى جلبان، كانت تغسل الصوف، وأولدها عدة، منهم أبو نُواس الذي تلقن الفارسية عنها وحذقها. ومات هانئ وابنه صغير؛ فانتقلت أمه إلى البصرة، وهو ابن ست سنين، فأسلمته إلى الكتاب، ولم يلبث أن اختلف إلى دروس العلماء حين شبَّ عن الطوق، ويظهر أن رقة حال أمه اضطرتها إلى أن تلحقه بعطار، فمكث عنده مدة، وملكَتُه الشعرية تتفتَّح في نفسه، وتصادف أنَّ عاملَ الأهوازِ دعا هذا العطار إليه، فصحب معه الغلام، وكان والبة بن الحباب يزور هذا العامل لقرابة بينهما، فتعرف على أبي نواس، وكان وضيئًا صبيحًا، وأعجب كل منهما بصاحبه، وأسلم أبو نُواس إليه قِيَادَهُ، فاصطحبه معه إلى الكوفة حيث غمسه في كل ما كان ينغمس فيه مع رفاقه أمثال مطيع بن إياس؛ فخرج ماجنًا على طريقتهم، وهي طريقة لم تكن تخلو من شذوذ٢. ويعود إلى البصرة ويلزم خلفًا الأحمرَ ويحمل عنه علمًا كثيرًا وأدبًا واسعًا، ويتعلق بجنان جارية
_________________
(١) ١ طبقات الشعراء، لابن المعتز، ص١٩٤. ٢ العمدة، لابن رشيق، ١/ ٤٣، وتاريخ بغداد ٧/ ٤٤٠ والديوان ٣١، ٣٢.
[ ١٥٧ ]
الثَّقَفِيين، فتَزْوَّر عنه؛ لسوء سلوكه، وينظم فيها كثيرًا من غزله، وتجذبه بغداد فيتحول إليها ويقدمه إسحاق الموصلي إلى الرشيد، ولا يلبث أن يغضب عليه فيسجن، لما يلجِّج فيه من عصبية مسرفة لمواليه القحطانيين١ ويطرق باب البرامكة في أثناء ذلك، فيحول بينه وبينهم أبان بن عبد الحميد، ويدخلان في معركة هجاء عنيفة، كان أبو نواس هو الذي يكثر فيها من السهام٢، ويظهر أن أبواب الفضل بن يحيى البرمكي فُتِحَت له؛ بينما ظل جعفر أخوه منقبضًا عنه، فهجاه بينما مدح الفضل مدائح رائعة. ولما أوقع الرشيد به وبأخيه وأبيهما سنة ١٨٧ للهجرة حزن أبو نواس، ورحل إلى مصر لغرض الترويح عن نفسه، فمدح والي الخراج بها الخصيب بن عبد الحميد وكان فارسيًّا. ولم يَطِبْ له المقام وحنَّ إلى بغداد، فقدم عليها بعد وفاة الرشيد، واستقبله الأمين استقبالًا حافلًا، ونادمه، فلاكته الألسنة، ويقال: إن المأمون حين خلع أخاه ووجه بطاهر بن الحسين لمحاربته كان يكتب كتبًا تقرأ على المنابر بخراسان يذكر فيها عيوبه وكان مما عابه به أن قال: "إنه استخلص رجلًا شاعرًا ماجنًا كافرًا يقال له: الحسن بن هانئ واستخلصه؛ ليشرب معه الخمر ويرتكب المآثم، ويهتك المحارم"٣. ويقال: إن الأمين حبس أبا نواس زمنًا؛ لخلاعته، ويقال: بل حبسه الفضل بن الربيع وزيره، وفي أشعاره ما يدل على هذا الحبس٤، على أن الأجل لم يطل به؛ فقد توفي قبل دخول المأمون بغداد، وتختلف الروايات في سنة وفاته، هل كانت سنة ١٩٥ أو سنة ١٩٩ كما تختلف في سببها٥.
وتدل نصوص مختلفة على أن أبا نواس في أثناء مكثه في الكوفة والبصرة كان
_________________
(١) ١ انظر في ذلك: طبقات الشعراء، ص١٩٥- ٢٠٠ وأخبار أبي نواس، ص١٥٥ وما بعدها. ٢ طبقات الشعراء، ص٢٠٢، ٢٤١. والأغاني، طبعة الساسي، ٢٠/ ٧٣، والحيوان ٤/ ٤٤٨، والديوان ص١٨٠. ٣ زهر الآداب ٢/ ١١١. ٤ زهر الآداب ٢/ ١١١، ١١٢. ٥ أخبار أبي نواس، ص٩٧، وانظر: طبقات الشعراء، ص١٩٤.
[ ١٥٨ ]
يختلف إلى حلقات اللُّغويين وخاصة حلقة خلف١، وهو الذي دفعه إلى حفظ مئات الأراجيز، ويقال: إنه خرج إلى البادية سنةً؛ لينهل من ينابيع اللغة الأصلية. ولم يختلف أبو نواس إلى حلقات اللغويين وحدهم بل اختلف أيضًا إلى حلقت الفقهاء والمحدثين٢ والمتكلمين، حتى قالوا: إنه بدأ حياته متكلمًا ثم نظم الشعر٣، ومر بنا في غير هذا الموضع كيف كان يجلب إلى شعره ألفاظ المتكلمين ومصطلحاتهم.
ولعلنا بذلك كله نستطيع أن نعرف مكونات شخصيته الأدبية، وهي تقترب من مكونات بشار؛ فقد ألَمَّ بثقافات عصره إلمامًا واسعًا وورِثَ عن الفرس حدَّة مزاجهم وأخذت البيئة الماجنة تؤجج هذه الحدة، بكل ما أخذه عن والبة وأضرابه، حتى لنجده يخطو في الفسق والمجون خطوات بالقياس إلى بشار؛ إذ أخذ يتغنى بالغِلمان، وكأنما لم تكفِهِ الجواري، وإن كان ابن المعتز يلاحظ أنه كان يكثر من ذلك تمويهًا وخداعًا عن فسقه الحقيقي بالجواري والإماء٤، وربما كان لِمَ اتُّهِمَ به من شذوذ أثر في ذلك؛ فاندفع يعلن على رءوس الأشهاد كذب ما يقال عنه، ومن ثم قد يكون من الخطأ أن نبالغ في تصوير هذه الوصمة عند أبي نواس وأن نبحث نفسيته على أساسها.
علي أن من الممكن أن تكون مجاهرة أبي نواس بغلامياته ضربًا من التظرف والدعابة كان يسوقه في مجالس جماعته الماجنة من أمثال الخاركي وأبي يعقوب التمار وأبي هفان والحسين بن الضحاك الخليع٥ ويشهد معاصروه بأنه كان ظريفًا يخلب الناس بظرفه وكثرة ملحه٦، وهو في ذلك يختلف عن بشار؛ فبشار في مزاحه جد وصرامة، أما أبو نواس فليس فيه من الجد والصرامة شيء
_________________
(١) ١ طبقات الشعراء، ص١٩٤، ومن قول أبي نواس في رثائه: كنا متى ما ندن مني نغترف رواية لا تجتني من الصحف ٢ طبقات الشعراء، ص٢٠١. ٣ نفس المصدر، ص٢٧٢. ٤ طبقات الشعراء، ص٣٠٩. ٥ انظر تراجمهم في "طبقات الشعراء" وصلتهم بأبي نواس. ٦ طبقات الشعراء، ص١٩٥.
[ ١٥٩ ]
وكان يشعر بذلك في نفسه؛ بل كان يتخذ إليه كل وسيلة حتى ليقول١:
أتتبَّعُ الظرفاءَ أكتب عنهمُ كيما أحدِّث من أحبُّ فيضحكا
وجعله هذا الجانب قريبًا إلى أهل عصره من خلفاء ووزراء فكانوا يرسلون في طلبه إلى مجالسهم فيفاكههم ويسوق لهم نوادر تضحكهم، ولعل ذلك ما جعله يتحول في بعض القصص إلى شخصية مضحكة، وهي وظيفة كان يقوم بها أبو دُلامة معاصره؛ لكن لا شك أن الناس في بغداد كانوا يتناقلون عنه نوادر كثيرة أعدت لنمو شخصيته القصصية المضحكة مع مر الزمن، ومما يدخل في هذا الباب ورواه الجاحظ عنه أن مجنونًا موسوسًا يسمى أبا الحاسب كان يهذي بأنه سيصير ملكًا وأنه أُلْهِمَ ما يحدث في الدنيا من الملاحم؛ فكان أبو نواس يقول أشعارًا على لسانه، وما يزال يوردها على سمعه له حتى يحفظها، وكان يتحدث فيها عما سيقع عبثًا ودعابة، ويروي الجاحظ من تلك الأشعار٢.
ومثل هذه الشخصية ينبغي أن نتأنى في الحكم عليها، وأن لا نظن أن كل ما تنظمه يصور نفسيتها أو وقائعها؛ فكثير منه نظم تظرفًا ودعابة وعبثًا، ونستطيع أن نضع في هذا الجانب من التعابث أطرافًا مما في شعره من شعوبية وزندقة وخروج على الإسلام من مثل قوله السابق٣:
يا ناظرًا في الدين ما الأمر؟ لا قدرٌ صحَّ ولا جَبْرُ
ما صح عندي من جميع الذي تذكرُ إلا الموت والقبر
وقوله٤:
يا أحمد المترجى في كل نائبة قم سيِّدي نعصِ جبار السماوات
ومثل هذا كثير في ديوانه، ولا نشك في أنه كان ينظمه أثناء معاقرته للخمر هزلا وفكاهة. وأيضًا لا بد أن نلاحظ شيئًا آخر هو كثرة ما حمل عليه من شعر الخمر والمجون، يقول ابن المعتز: "إن العامة الحمقى قد لهجت بأن
_________________
(١) ١ الحيوان للجاحظ، ٤/ ٧٥. ٢ البيان والتبيين، ٢/ ٢٢٨. ٣ انظر: الوساطة، ص٦٣. والموشح، ص٢٧٧. ٤ الديوان ص٢٥٠.
[ ١٦٠ ]
تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر، كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون"١. ولا نبالغ إذا قلنا أن دواوين الحسين بن الضحاك الخليع ونظرائه من المجان تلك التي فقدت قد دخلت في ديوان أبي نواس. لذلك يكون من الخطأ أن نحمل عليه كل ما جاء في ديوانه وإن كنا بعد ذلك لا ننفي عنه جملة خمرياته وغزلياته العابثة فكثير منها روي عند الجاحظ وابن المعتز وأضرابهما من النقاد الأثبات، ومن المؤكد أنه كان ماجنًا عابثًا على فكاهة فيه. وأقوى ما تتجلى ملكة الشعر عنده في خمرياته، وكان يحتذي فيها على مثال الوليد بن يزيد٢، وقد استشهدنا فيما أسلفنا بمثل منها عنده، وطرائفها عند أبي نواس أكثر من أن تستقصى؛ إذ كان يعرف كيف يولد في المعاني وكيف يستخرج دفائنها ودقائقها، كما كان يعرف كيف يأتي بالصور النادرة من مثل قوله٣:
وكئوس كأنههن نجوم جارياتٌ بروجها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاة علينا فإذا ما غربن يغربن فينا
وقوله٤:
وكأسٍ كمصباحِ السماءِ شربتُها على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ
أتت دونها الأيام حتى كأنها تساقط نور من فتوق سماء
وهو على هذه الشاكلة في غزله أيضًا؛ إذ كان يعرف كيف ينوع في معانيه، وكيف يستمد من أوعية القديم في الحنين والصد والإعراض والدلال ما تتلألأ فيه خواطره وتتألق فيه أحاسيسه. وكان ينحو في غزله منحى سهلًا؛ حتى لتصبح بعض غزلياته أسلس على اللسان من الماء العذب، من مثل قوله الذي مر بنا ٥:"
حاملُ الهوى تعبُ يستخفُّهُ الطَّربُ
إن بكى يحق له ليس ما به لَعِبُ
وهو في غزله بالغلمان ينحو كثيرًا منحى التعابث والهزل، ولعل ذلك
_________________
(١) ١ طبقات الشعراء، ص٨٩. ٢ أغاني، طبعة دار الكتب، ٧/ ٢٠. ٣ الديوان، ص٣٣٩. ٤ الديوان، ص٦٣. ٥ معاهد التنصيص والديوان، ص٣٦١.
[ ١٦١ ]
ما جعله يحشد فيه كثيرًا من ألفاظ العامة، وخاصة إذا كان الغلام أعجميًّا؛ فإنه يستحلفه بآلهة العجم وبكتبهم المقدسة وما يؤلهون من كواكب ويقدسون من كهنة النار، ويسوق له في أثناء ذلك كلمات أعجمية كثيرة. وكان في هجائه كغزله بالغلمان يتعابث ويتماجن، وأحيانًا يجد، فيَرْمي بالزندقة ويقذف في الأعراض على شاكلة بشار. وهجاؤه الأول أخف، ومن أمثلته هجاؤه لإسماعيل بن نيبخت، وكان يرتعي على مائدته؛ ولكنه لم يسلم من عبثه، فقال فيه١:
خبز إسماعيل كالوشـ ي إذا ما شُقَّ يُرفا
وقال أيضًا٢:
على خبزِ إسماعيلَ واقيةُ البخل وقد حلَّ في دارِ الأمانِ من الأكلِ
وما خبزُه إلا كآوى يرى ابنها ولم تر آوى في الحزن ولا السهلِ
وما خبزه إلا كعنقاء مغربِ تصوَّرُ في بُسُط الملوك وفي المثل
يحدَّث عنها الناس من غير رؤيةٍ سوى صورة ما إن تمر ولا تحلي
وكان يتوقر في مديحه وشعره الرسمي، ويختار له إطارًا جزلًا قويًّا متينًا، يقدم له بوصف الصحراء على طريقة القدماء، وقد وصف في قصيدته التي مدح به الخصيب رحلته من بغداد إلى الفسطاط، وهي التي يقول فيها٣:
فما جازه جودٌ ولا حلَّ دونه ولكن يصير الجودُ حيثُ يصيرُ
وكان يجنح في مديحه إلى المبالغة والإسراف على نفسه في الارتفاع بالممدوحين عن البشر؛ حتى ليقول في الرشيد٤:
وأَخَفْتَ أهلَ الشِّركِ حتَّى إنَّه لتخافُكَ النُّطَفُ التي لم تُخْلَقُ
ويقول في الأمين -إن صح أنه له- مستغلًا طريقة المتكلمين٥:
ألا يا خيرَ منْ رأتِ العيونُ نظيرُك لا يحسُّ ولا يكونُ
_________________
(١) ١ الديوان ص١٧٢. ٢ الحيوان ٣/ ١٢٩، والديوان ١٧١، وأخبار أبي نواس ١٢٧. ٣ الديوان ص٩٨. ٤ الديوان ص٦٢. ٥ الديوان ص١١٦، ونسب ابن المعتز الأبيات للنظام. انظر: طبقات الشعراء، ص٢٧٢.
[ ١٦٢ ]
وفضلك لا يحدُّ ولا يُجَارى ولا تحوي حيازَتَهُ الظنونُ
خُلِقتَ بلا مشاكلةٍ لشيء فأنت الفوقُ والثَّقلانِ دونُ
ويقول في الفضل بين يحيى البرمكي١:
أوحده اللهُ فما مثلُه لطالبِ ذاك ولا ناشدِ
وليس على اللهِ بمستنكرٍ أن يجمعَ العالَمَ في واحدِ
وبذلك كان من أوائل من أعدوا لاتساع المبالغة في المديح العباسي، ومضى الشعراء من بعده يبالغون حتى رفعوا ممدوحيهم إلى مرتبة الآلهة.
وربما كان -مما يتصل بهذا الفن التقليدي- فن المديح عنده، استخدامه للرجز، وخاصة في طردياته، وهو فيها يتفوق تفوقًا منقطع النظير، وقد أشاد بها الجاحظ إشادة رائعة على ما مر في غير هذا الموضع؛ وبينما نراه يعنى بصناعته اللفظية في المديح والرثاء نراه يفرط في السهولة حين يتغزل، وكان ينظم كثيرًافي أوزان المجتث والمقتضب والمتدارك وما يشاكلها من البحور المجزوءة، معبرًا عن أحاسيس الحب، وملائمًا بينها وبين الغناء الذي عاصره، وله شعر في الزهديات ربما نظمه مجاراة لأبي العتاهية وأمثاله ممن كان تروج أشعارهم في العامة، أما الزعم بأنه كفَّ في آخر حياته عن الملاذ فهو زعم باطل٢، إنما تلك كانت لحظات صحو تعتريه من حين إلى حين. ومن بديع ما نظمه في هذه اللحظات قوله٣:
يا رب وجهٌ في الترابِ عتيقُ ويا رب حسن في الترابِ رفيقُ
فقل لقريبِ الدارِ إنك راحلٌ إلى منزلٍ نائي المحلِّ سحيقِ
وما الناس إلا هالكٌ وابن هالكِ وذو نسبٍ في الهالكينَ عريق
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ له عن عدوٍ في ثيابِ صديقِ
وواضح مما قدمنا أن صنعة الشعر عند أبي نواس كانت تعتمد اعتمادًا شديدًا على الإطار القديم في المديح والرثاء وما يشبهما؛ بينما كانت تنفك من هذا الإطار
_________________
(١) ١الحيوان ٣/ ٦٣ وما بعدها. ٢ انظر في ذلك: طبقات الشعراء ص١٩٤. ٣ الديوان ١٩٢.
[ ١٦٣ ]
أحيانًا في الغزل والخمريات، وقد تظل له قوة البناء فيهما، وتظل له روعة التصوير ودقة العاطفة، وقد يهبط وخاصة حين يتعابث ويهزل إلى لغة العامة وإلى أسلوب ليس فيه شيء من قوة، كان يعمد فيه إلى اللحن أحيانًا١. ولعل ذلك ما جعل بعض القدماء يقول عنه، وهو قول صحيح: "إنه كان لا يقوم على شعره ويقوله على السكر كثيرًا، فشعره متفاوت؛ لذلك يوجد فيه ما هو في الثريَّا جودة وحسنًا وقوة وما هو في الحضيض ضعفًا وركاكة"٢. على أنه ينبغي أن لا ننسى أن شعرًا كثيرًا منتحلًا أضيف إليه، حتى لنجد موشحة مبثوثة بين أشعاره في ديوانه٣، والمشهور أن الموشحات ظهرت بعده بقرن على الأقل، ولم تظهر في الشرق؛ وإنما ظهرت في الأندلس وظلت هناك طويلًا قبل أن تنتشر في العالم العربي. ولعل في ذلك ما يدل على أن العصور التالية لعصر أبي نواس ظلت تضيف إليه كثيرًا من الأشعار، ولم تتورع أن تضيف إليه بعض الموشحات، وكان أهم باب نفذوا منه إلى ذلك باب المجون والأدب المكشوف.
_________________
(١) ١انظر ترجمته في: الموشح للمرزباني. ٢ طبقات الشعراء، ص١٩٥. ٣ الديوان ص٣٤٦.
[ ١٦٤ ]