إذا تركنا العصر الإسلامي إلى العصر العباسي وجدنا الغناء وما يستتبعه من رقص وموسيقى يتحول من الشام إلى العراق مع الملك العربي والدولة العربية. وأعدَّت لهذا الانتقال أسباب مختلفة يرجع بعضها إلى اتصال أهل العراق بالبلاط الأموي؛ فقد كانوا يذهبون هناك ثم يعودون متأثرين بهذا الذوق الجديد، ويرجع بعضها الآخر إلى أسباب فارسية؛ فإن من المعروف أن الفرس مشغوفون بالملاهي والطرب١، ولكنهم لم يدخلوا في الحياة الإسلامية دخولًا واضحًا إلا في العصر العباسي.
ونفس الكوفة والبصرة كانت المعيشة فيهما في أثناء العصر الإسلامي أقرب إلى البداوة، أما في العصر العباسي فتصبح الحياة فيهما حضرية مبالغة في الحضارة، وتنشأ بجانبهما بغداد ينشئها المنصور على طراز كأنه اشتُقَّ من الفرس؛ فالحياة فيها فارسية أو تكاد: الناس يحتفلون بالنيروز وأعياد الفرس، ويلبسون ملابسهم ويتعودون عاداتهم في مآكلهم ومشاربهم، والخلفاء يعيشون معيشة كسروية،
_________________
(١) ١ مروج الذهب ٢/ ١٥٧، وانظر ٨/ ٩٣.
[ ٥٩ ]
يعيشون محجوبين عن العالم يخاطبون الناس من وراء حجاب، وقد أقبلوا على الغناء كما كان يقبل عليه ملوك الفرس١، وكما كان يقبل عليه يزيد وابنه الوليد من خلفاء بني أمية. والمهدي هو أول خليفة عباسي يحتفل بهذا الجانب؛ إذ كان يحب القيان وسماع الغناء٢، ثم يأتي هارون الرشيد فيبالغ في ذلك ويجعل المغنين مراتب وطبقات على نحو ما وضعهم أردشير بن بابك٣.
وليس معنى ذلك أن العراق لم يكن به غناء في العصر الإسلامي؛ فقد كان به حُنَين الحيريّ٤، ولكنه لم يخلف هناك مدرسة كالتي نجدها في مكة أو المدينة إنما يحدث الغناء في العراق حدوثًا أو يكاد في العصر العباسي على نحو ما نرى في كتاب الأغاني؛ إذ تتصل سلسلة المغنين ورُقُمهم الموسيقية بالحجاز مباشرة، وقد كثر المغنون والمغنيات في هذا العصر كثرة مفرطة، نجد من أشهرهم في زمن الرشيد إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن جامع، وفليح بن أبي العوراء، وهؤلاء الثلاثة هم الذين أمرهم الرشيد أن يختاروا له الأصوات المائة التي أدار أبو الفرج كتابه الأغاني عليها، وقد طلب إليهم أن يختاروا من هذه المائة عشرة ثم من تلك العشرة ثلاثة على نحو ما يفصله أبو الفرج في أول كتابه، واشتهر بجانب هؤلاء جماعة منهم زَلْزل، وكان له شهرة في الضرب على الوتر ولم يكن يغني؛ وإنما كان يضرب على ابن جامع وإبراهيم الموصلي أيضًا، ومنهم عَلَوَّية، وكان يقول فيه الواثق غناء علوية مثل نقر الطست يبقى ساعة في السمع بعد سكوته٥، ومنهم إسحاق الموصلي وهو الذي هذب صناعة الغناء٦. وكان يستطيع الضرب على العود المشوّش الأوتار فيوهم السامع أنه يضرب على عود صحيح٧، وعَرف في مجلس المأمون خطأ في وتر بين ثمانين وترًا وعشرون جارية يغنين٨. واشتهر
_________________
(١) ١ مروج الذهب ٨/ ٩٥. ٢ البيان والتبيين ٣/ ٣٧٠. ٣ التاج للجاحظ ٣٧. ٤ أغاني "دار الكتب" ٢/ ٣٤١. ٥ أغاني "دار الكتب" ١١/ ٣٣٧. ٦ أغاني "دار الكتب" ٥/ ٢٦٩. ٧ نفس المصدر ٥/ ٢٨٤. ٨ نفس المصدر ٥/ ٣٥٣.
[ ٦٠ ]
من المغنيات جماعة منهن فريدة وبذل وذات الخال ومتيَّم وعريب ودنانير وغيرهن كثير.
ومن يقرأ في كتاب الأغاني يخيل إليه أنه لم يكن في العصر العباسي إلا الغناء والمغنون والمغنيات، ولعل مما يدل على قيمة الغناء أن الجارية إذا كانت مغنية قُوِّمت تقويمًا ممتازًا؛ فهم يذكرون أن جارية عُرضت بثلاثمائة دينار؛ فلما علمها إبراهيم بن المهدي الغناء عُرض في ثمنها ثلاثة آلاف دينار١، وقد بيعت عريب المغنية بخمسة آلاف دينار٢، وعلم دحمان جارية اشتراها بمائتي دينار فباعها بعشرة آلاف دينار٣، واشترى الرشيد من إبراهيم الموصلي جارية بستة وثلاثين ألف دينار٤، وكان في داره ثمانون جارية يعلمهن فن الغناء٥.
وأغدق الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة العطايا على هؤلاء المغنين وأسرفوا في ذلك إسرافًا شديدًا، ويكفي أن نذكر ما يقال من أن إبراهيم صار إليه أربعة وعشرون ألف ألف درهم سوى أرزاقه الجارية وهي عشرة آلاف درهم في كل شهر.
ولعل مما يدل على مبلغ ما وصلت إليه هذه الصناعة من قيمة في هذه العصور أننا نجد طائفة من الخلفاء تترك فيها أصواتًا ممن مثل الواثق والمنتصر والمعتز وابن المعتز، وقد فتح أبو الفرج في كتابه فصلًا يدرس فيه ما تركه أولًا الخلفاء من صنعة في الغناء٧، وصنيع إبراهيم بن المهدي -وكان من كبار المغنين- في هذا الباب معروف، واشتهرت أخته عُلَيَّة بالغناء أيضًا، وتركت فيه أصواتًا كثيرة٨.
ونحن نجد الغناء في هذا العصر في كل مكان، نجده في قصور الخلفاء ودور الأمراء، كما نجده في الشوارع وعلى الجسور، ونجده في البَرِّ، كما نجده
_________________
(١) ١ مروج الذهب ٢/ ٣٠٩، وانظر الأغاني "ساسي" ١٤/ ١٠٥. ٢ أغاني "ساسي" ١٤/ ١٠٩. ٣ أغاني "دار الكتب" ٦/ ٢٥. ٤ أغاني "دار الكتب" ٥/ ١٦٤. ٥ أغاني "دار الكتب" ٥/ ١٦٤. ٦ نفس المصدر ٥/ ١٦٣. ٧ أغاني "دار الكتب" ٩/ ٢٥٠. ٨ انظر ترجمتها في الجزء الخاص بأشعار أولاد الخلفاء من كتاب الأوراق للصولي.
[ ٦١ ]
في النَّهر. وأحسن المغنون صناعتهم إحسانًا بالغًا؛ حتى ليذكر الرواة أن مغنيًا هو مخارق غنَّى ذات يوم في متنزه، وقد سنحت ظباء فجاءت إعجابًا بغنائه، وتوسط دجلة يومًا وغنى فلم يبقَ أحد إلا بكى، وكان غناؤه يسر من جماله كل قلب١، ولعل ذلك يفسر انفعال الناس إزاء هذا الفن الذي أحكمه أصحابه؛ فهم يروون أن بعض من كانوا يحضرون المغنين كانوا ينطحون العمد من حسن ما يستمعون٢؛ بل لقد كانوا يرمون بأنفسهم في الفرات من شدة الطرب لا يدرون٣، وقد يمزقون أثوابهم ويعلقون نعالهم في آذانهم، لا يعرفون ما يصنعون٤.
ووُجدت في هذا العصر ضروب الغناء المختلفة التي سبق أن شاهدناها في العصر الإسلامي؛ فكان هناك الغناء العادي كما كان هناك الغناء المصحوب بجوقة والآخر الذي كان يُصْحَب بالرقص. روى صاحب الأغاني أنه اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصومًا بين يدي الرشيد فضرب زلزل وزمر برصوما وغنى إبراهيم٥، كما روي أن أحمد بن صدقة "دخل على المأمون في يوم الشعانين٦، وبين يديه عشرون وصيفة روميات مزنَّرات قد تزين بالديباج الرومي وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب وفي أيديهن الخوص والزيتون فقال له المأمون: ويلك يا أحمد! قد قلت في هؤلاء أبياتًا، فغنني بها. فغناه ولم يزل يشرب وترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص"٧.
وكانت آلات الموسيقى في أغلب الأحيان أربعًا، كأن تكون العود والطنبور والمزمار والْجَنْك. ونما الرقص نموًّا عظيمًا حتى لنرى المسعودي يفرد له فصلًا في مروج الذهب، وفيه نراه يقيسه بمقاييس الغناء من خفيف ورمل وهزج ونحو ذلك٨. ومهما يكن فقد ارتقى الغناء في العصر العباسي، وكثرت ملاهيه وتعددت نواديه، ومن النوادي المشهورة في هذا العصر نادى ابن رامين،
_________________
(١) ١ محاضرات الأدباء ١/ ٤٤٣. ٢ أغاني "ساسي" ١٥/ ١٤٩. ٣ العقد الفريد ٤/ ١٢٤. ٤ العقد الفريد ٤/ ١٢٤. ٥ أغاني "دار الكتب" ٥/ ٢٤١. ٦ الشعانين، عيد للنصارى. ٧ أغاني "ساسي" ١٩/ ١٣٨. ٨ مروج الذهب ٨/ ١٠٠.
[ ٦٢ ]
وممن كان يختلف إليه ابن المقفع ومعن بن زائدة ومحمد بن الأشعث وروح بن حاتم الباهلي١، وكذلك نادي القراطيسي "كان مألفًا للشعراء؛ فكان أبو نواس وأبو العتاهية ومسلم وطبقتهم يقصدون منزله ويجتمعون عنده فيقصفون ويدعو لهم القيان وغيرهم من الغلمان"٢، وهنا نلاحظ أن الغناء اتصل مرة أخرى بالشعر العربي في العراق اتصالًّا وثيقًا. وسادت حياة الشعراء في هذا العصر على تآخي الفنين وتآلفهما؛ إذ كان يعيش أكثرهم معيشة فنية خالصة قوامها الخمر والغناء والمجنون.
_________________
(١) ١ أغاني "ساسي" ١٣/ ١٢٦. ٢ أغاني "ساسي" ٢٠/ ٨٨.
[ ٦٣ ]