إذا تركنا زهيرًا والعصر الجاهلي وانتقلنا إلى العصر الإسلامي وجدنا مظاهر الصنعة والتكلف التي قابلتنا في العصر الجاهلي تنمو مع نمو الحياة العربية. ومن المحقق أن الشعراء الذين نبتوا في الجاهلية وعاشوا في صدر الإسلام لم يختلفوا في
[ ٣٢ ]
صناعة شعرهم عن آبائهم الجاهليين إلا قليلًا. فقد ظلوا ينظمون شعرهم على الصورة الجاهلية، ولم يؤثر الإسلام فيهم تأثيرًا واسعًا، على نحو ما هو معروف عن الحطيئة وأضرابه، وحتى حسان بن ثابت لا نجد في نسيج شعره من أثر الإسلام خيوطًا كثيرة، ولذلك لم يخطئ ابن سلام حين قرن في كتابه "طبقات فحول الشعراء" هؤلاء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام إلى الجاهليين.
وإذا مضينا في عصر بني أمية وجدنا تطورًا واسعًا يحدث في الشعر العربي، بتأثير الإسلام ومعانيه الروحية وبتأثير الفتوحات واختلاط العرب بأهل البلاد المفتوحة في خارج جزيرتهم وداخلها. وقد تحولوا يتحضرون ويمصرون الأمصار، ويتخذون القصور، ونهض لهم الموالي بحياتهم المادية في جميع شئونها لا في المدن الممصرة فحسب مثل البصرة والكوفة، بل أيضًا في مدن الحجاز مثل مكة والمدينة، وكان مما نهضوا لهم به نهضة واسعة فن الغناء، إذا استحدثوا فيه نظرية جديدة هي التي نقرؤها في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني حين يعيِّن الرَّقيم الموسيقي الخاص بالصوت أو الأغنية، فيقول مثلًا: الغناء لمعبد، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى أو رمل بالسبَّابة في مجرى البنصر أو ثانٍ ثقيل بالوسطى والخنصر ونحو ذلك.
وليس هذا كل ما جاء به الأجانب، فقد دخلوا أو دخلت كثرتهم في الدين الحنيف بكل ما ورثوه من الثقافة الهيلينية التي كانت منبثقة في العراق والشام ومصر، وهي مزيج من الثقافة اليونانية التي انتشرت في الشرق منذ فتوح الإسكندر وثقافة العصر الإسكندري، ثم ثقافات شرقية مختلفة، منها الدينية وغير الدينية، وكانت هناك مدارس تعنى بهذه الثقافة الهيلينية، كمدرسة جند يسابور وكانت قريبة من البصرة، ومثل مدارس حران والرها ونصيبين في شمالي العراق، ومدرستي قنسرين وأنطاكية في الشام ومدرسة الإسكندرية في مصر. وكانت توجد في بعض الأديرة مدارس صغيرة تعنى بتعليم الدين المسيحي وتتعرض لبعض مبادئ المنطق والفلسفة. ووقف العرب على كثير مما كان في هذه المدارس، وانتقل به إليهم كثير من الموالي. وكانت هناك قوة دافعة تدفع هؤلاء الذين
[ ٣٣ ]
كانوا علي الفطرة للتزود بتلك الثقافات، وتذكر في هذا الصدد أسباب شخصية كشغف خالد بن يزيد بن معاوية بالكيمياء وطلبه من المترجمين ترجمة بعض آثار فيها، ومثل ترجمة ماسرجويه لكتاب أهرن في الطب من السريانية إلى العربية. والحق أن المسألة كانت أوسع من ذلك، فقد كان العرب ناشرين للدين الإسلامي واتصلوا بنصارى ويهود ومجوس وتناقشوا معهم، وسمعوا في أثناء مناقشاتهم آراء متأثرة بالفلسفة وغيرها من الثقافات الدخيلة؛ فأدركوا حاجتهم إلي الإحاطة بتلك الثقافات وما داخلها من أفكار فلسفية، وكان من آثار ذلك أن ظهرت عندهم مذاهب المرجئة والجبرية والقدرية وأخذوا يتعرفون علي طريقة استغلال الأجانب للأرض وكيف يعمون المباني وكيف يشقون الترع والقنوات وكيف يمدون الطرق والمسالك وكيف يضبطون الدواوين مما دفعهم إلى الوقوف على طائفة من العلوم النفعية، بجانب الفلسفة والعلوم الخالصة.
ونحن إذا أخذنا نحلل ثقافة العرب في هذا العصر الأموي وجدناها تستمد من ثلاثة جداول مهمة: جدول جاهلي يتمثل في الشعر والأيام أو الحروب ومعرفة تقاليد الجاهليين، وجدول إسلامي يمثله الإسلام وتعاليمه الروحية، وجدول أجنبي يتمثل في معرفة الشئون الثقافية والسياسية والإدارية الأجنبية. وهذا كله معناه أن العرب أصبحوا في عصر جديد، يختلف عن العصر الجاهلي في كل شيء، في الدين السماوي القويم وفي الحاضرة والثقافة؛ فكان طبيعيًّا أن تتطور فنون شعرهم١، فظهر الشعر السياسي الذي يصور نظريات فرقهم في الخلافة، وهي فرق الخوارج والشيعة والزبيريين والأمويين، وظهرت النقائض تحت تأثير الحياة العقلية الجديدة وحاجة الجماعة العربية في البصرة والكوفة إلى فن شعري تقطع به فراغها في المدينتين، ويحقق لها ما تريد من اللهو والتسلية. وهذان النوعان اللذان يعدان تطورًا واضحًا لفني المديح والهجاء رافقهما تأثر عميق بمثالية الإسلام الخلقية والروحية؛ فكان الشعراء يمدحون الخلفاء
_________________
(١) ١ انظر في هذا التطور كتابنا "التطور والتجديد في الشعرالأموى" طبع دار المعارف.
[ ٣٤ ]
والولاة بالتقوى وإقامة حدود الشريعة ونشر العدل في الرعية، كما كانوا يهجون بالبدع في الدين والخروج على سننه وتعاليمه. وفرق بعيد بين الحماسة الجاهلية والحماسة الإسلامية فتلك كانت تقوم على شريعة الأخذ بالثأر وهذه كانت تقوم على الجهاد في سبيل الله وإيثار ما عنده على متاع الدنيا الزائل. وتطور الغزل تطورًا واسعًا. وأصبح له شعراؤه الذين يمضون فيه حياتهم، يتحدثون عن قصة الحب وحياته وموته وآلامه، وبذلك اختلف في جوهره عن النسيب الذي كان يوضع في مقدمات القصائد الجاهلية، وقد تأثر بنظرية الغناء التي وضعها الموالي في مكة والمدينة، كما تأثرت جوانب منه بما ملأ به الإسلام نفوس العرب في بوادي نجد والحجاز من نُبْل وتسام وطُهْر؛ فظهر الغزل العذري العفيف عند جميل وأضرابه، كما ظهر الغزل المادي في المدينة ومكة عند عمر بن أبي ربيعة وأمثاله. وحتى وصف الصحراء تحول به ذو الرمة إلى لوحات بديعة. وتعهد الرُّجَّاز فن الرجز، حتى أصبح لا يقل عن فن القصيدة أهمية؛ فالأرجوزة لم تعد أبياتًا معدودة تُنشد في الحروب أو في الحداء أو في أثناء أداء عمل من الأعمال؛ بل أصبحت تتناول كل ما تتناوله القصيدة من موضوعات وطالت طولًا مسرفًا. وفي الوقت نفسه ظهرت طلائع الخمرية عند بعض الْمجَّان في الكوفة وعند الوليد بن يزيد.
غير أن هذه الضروب من التطور بالشعر وما داخلها من صور تجديد لم تنحرف بصناعته إلى مذهب جديد في صنع نماذجه؛ فقد ظل المذهب القديم "مذهب الصنعة" الذي رأيناه في العصر الجاهلي؛ ولكنه نما نموًّا واسعًا. فقد أقبل صُنَّاع الشعر يبالغون في الاهتمام بحرفتهم ويوفرون لها كل ما يمكن من تجويد وتحبير، وعبّروا عن ذلك تعبيرات مختلفة، يقول ذو الرمة١:
وشعرٍ قد أرقتُ له طريفٍ أجَنِّبُه الْمُسَانِدَ والمحالا
_________________
(١) ١ الموشح للمرزباني "طبع المطبعة السلفية" ص١٣. والمساند: من السناد، وهو اختلاف ما يراعى قبل الروي من الحركات والحروف، وهو من عيوب القافية.
[ ٣٥ ]
ويقول عديّ بن الرقاع١:
وقصيدة قد بتُّ أجمع بينها حتى أقَوِّمَ مَيْلَهَا وَسِنَادَهَا
نظرَ المثقِّف في كعوب قناته حتى يُقِيمَ ثِقَافُه مُنْآدها٢
ويقول سويد بن كراع العُكْليّ٣:
أبيت بأبواب القوافي كأنما أصادي بها سِرْبًا من الوحش نُزَّعا٤
أكالئُها حتى أعَرَّسَ بعدما يكون سُحَيْرًا أو بُعَيْدُ فَأَهْجَعَا٥
إذا خفتُ أن تُرْوَى عليَّ رَددتُها وراء التراقي خشية أن تطلعا
وجشَّمني خوفُ ابن عَفَّان رَدَّها فَثَقَّفْتُهَا حولًا جريدًا ومَرْبعا٦
وقد كان في نفسي عليها زيادةٌ فلم أرَ إلا أن أطيع وأسمعا
وهذه الأبيات كلها تنطق بما كان يضعه الشاعر الإسلامي في نماذجه من جهد وتعب ومشقة؛ فهو يجنبها المساند والمحال، وهو يثقفها حولًا كاملًا حتى يقوّم ميلها وانحرافها، وهو يحس إزاء استنباط أفكارها ما يحسه الصائد تلقاء سرب من الوحش، وهو ما يزال يحكم فيها حتى يخرجها، وفي نفسه -كما يقول سويد- عليها زيادة. وليس من شك في أن هذا كله دليل على أن "مذهب الصنعة" أخذ ينمو في العصر الإسلامي؛ ولعل كُثَيِّرًا تلميذ مدرسة زهير خير من يفسر لنا هذا النمو؛ فقد كان يعجب كزهير بالصور البيانية، وكان يطلب فيها أن يقع على الغرائب والطرائف حتى يستولي على أذهان الناس وعقولهم، على نحو ما نرى في هذا البيت٧:
غُمْر الرداء إذا تبسم ضاحكًا غَلِقتْ لضحكته رقابُ المالِ
_________________
(١) ١ الموشح ص١٣ والبيان والتبين ٣/ ٢٤٤. ٢ المثقف: المقوم، من الثقاف، وهو آلة تسوى بها الرماح. منآدها: معوجها. ٣ الشعر والشعراء لابن قتيبة ص١٧ والبيان والتبيين ٢/ ١٢. ٤ أصادي: أخاتل. نزعًا: تطلب مراعيها. ٥ أكالئها: أردد نظري فيها. أعرس: من التعريس وهو النزول آخر الليل. ٦ جريدًا: تامًّا. المربع: الموضع ينزلون به في الربيع، وهو يقصد الوقت. ٧ الصناعتين "طبعة عيسى البابي الحلبي" ص٣٥٤. غمر الرداء: كثير المعروف وغلق الرهن: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفك في الوقت المشروط. والمعنى واضح.
[ ٣٦ ]
فماذا يريد كُثَيِّر بغَمْر الرداء؟ وماذا يريد بغَلْق رقاب المال؟ يريد أن يقول إن صاحبه كريم فعطاؤه يصونه، كما يصونه كما يصون الثوب صاحبه، وهو يصنع لك فرحًا به مبتسمًا؛ فتغلق رقاب المال في أيدي أصحاب الحاجة كما يغلق الرهن في يد المرتهن. وما من شك في أن هذا كله تكلف في التعبير والتصوير يجعلنا نذكر صور الحرب القديمة عند زهير أستاذ المدرسة.
وكثيِّر يصور لنا نمو مذهب الصنعة عنده من جانب آخر وهو جانب الموسيقى فقد كان يصعِّب على نفسه؛ إذ نراه يضيِّق الممرات التي يسلكها إلى شعره كما صنع في قصيدته.
خليليَّ هذا رسم عَزَّةَ فاعْقِلا قَلُوصَيْكما ثم ابكيا حيث حلَّت١
فقد التزم اللام المشددة في القصيدة كلها؛ وبذلك كان من أوائل من وضعوا أسس الطريقة التي طبقها أبو العلاء في لزومياته.
وإن الإنسان ليشعر في العصر الإسلامي كأن الشعراء جميعًا يصعبون على أنفسهم، ولعل من أهم الأسباب التي حفزتهم إلى ذلك ما قام بينهم من خصومات فنية استعرت نيرانها، وبخاصة في العراق حيث نشاهد معارك عنيفة بين الشعراء؛ لأن كل منهم يريد أن يشهد له أقرانه بالتفوق والسبق على نحو ما هو معروف في معارك النقائض التي أشرنا إليها، وهي نماذج تحمل غرضين: غرض التفوق الاجتماعي في الفخر والهجاء، وغرض التفوق الفني؛ ولذلك كان الشاعر يتقيد في رده على نموذج خصمه بما اقترحه من وزن وقافية حتى يثبت تفوقه عليه.
_________________
(١) ١ القلوص من الإبل: الشابة.
[ ٣٧ ]