٣- التصنيع وتصنيع الخوارزمي:
كانت صناعة الخوارزمي في رسائلة تقوم على التصنيع، وما يطوى فيه من سجع وبديع، على أن من يتأمل في هذه الصناعة يحس تسرب ضروب من الصنيع إليها، إذ كان الخوارزمي يعمد إلى ضروب من التهويلات والمبالغات، وكأنما قصر الموضوعات، التي كان يعالجها هو الذي أداه إلى هذه الصورة من التعبير، وانظر إليه يكتب إلى أحد تلاميذه، فيصف أيامه الماضية معه على هذا النحو١:
"كانت أرق من حاشية البرد، ومن طلوع السعد، وأحلى من إنجاز الوعد، وأعذب من القند٢، بل من النقد، وأعبق من الورد، وما أردت إلا ورد الخد، بل من المسك والند، وأطيب من القرب بعد البعد، ومن الوصل في إثر الصد، بل كانت أرق من نسيم الزهر، في السحر، ومن قضاء الوطر، على الخطر، بل كانت أقصر من ليل السكارى، أو نهار الحيارى".
وأنت ترى أساس هذه التعبيرات كلها أنه يهول، ويبالغ في وصف الأيام الماضية، وما كان من حسنها وجمالها، ولكن انظر كيف أطال في نعته لها، وهي إطالة مقصودة، إذ كان يقصد بها إلى بيان مهارته في صوغ هذه الأسجاع التي تتقابل تقابلًا بديعًا على النحو، فإذا هي تتألف من أسجاع دالية أول الأمر، حتى إذا أثبت تفوقه في استخدام الدال، وأسجاعها انتقل إلى الراء يحوك منها ما يريد من سجع، وهو يوشي هذا السجع كله بالجناس، والطباق، والتصوير.
ونحن نتساءل: ما هذه الأوصاف كلها التي "يرصها الكاتب رصًا"؟ والحق أن هذا "الرص"، وما يتبعه من تراكم العبارات أصبح أصلًا من أصول صناعة
_________________
(١) ١ رسائل الخوارزمي ص١١. ٢ القند: عسل قصب السكر.
[ ٢٣٥ ]
الخوارزمي في رسائله، وإنا لنلمح فيه جانبًا من جوانب التصنع، وهل التصنع إلا الخروج عن الطرق الطبيعية في التعبير الفني، إما بمثل هذا التراكم للعبارات، أو بما قد يحدث من تعقيد في زخرف السجع والبديع، أو بما قد ينجم من اجتلاب ألفاظ العلوم ومصطلحاتها، ومهما يكن فنحن نقع عند الخوارزمي على هذه الحال الجديدة، التي أخذت تظهر في مذهب التصنيع، ونقصد هذه العبارات المرصوفة، التي يتراكم بعضها على بعض، والتي يحس الإنسان أنها لا تؤدي شيئًا أسجعا، وضروب من بديع، واستمع إليه يصف قصيدة بعث له بها أحد تلاميذه١:
"وصلت القصيدة الغراء، الزهراء، فكانت أرق من الماء، بل من الهواء، وألذ من الصهباء، وأسر من اللقاء بين الأحباء، ومن هجوم السراء، غب الضراب، وأعذب من مغازلة النساء، ومن مجالسة الندماء، ومن مساعدة القضاء، ومن معاقرة الشراب على الغناء، ومن استماع فوائد الحكماء، وخطب البلغاء، وقلائد الشعراء، ومن أخذ جوائز الأمراء، وتحصيل مراتب الخلفاء، فكانت معانيها أبدع من الوفاء، وأعز من السخاء، وأغرب من النصفة في الأصدقاء، ومن الأمانة في الشركاء، بل أغرب من المغرب العنقاء، وألفاظها أحسن من البدر في الظلماء، وأطيب من وصال الحسناء، ومن الشماتة بالأعداء".
أرأيت إلى هذه المبالغات، والتهويلات و"رص" العبارات؟ إنه الأسلوب الجديد، أسلوب الرسائل الشخصية عند الأستاذ الأديب أبي بكر الخوارزمي، الذي اشتهر بالبلاغة والبيان في عصره، لما كان يسوق في رسائله من مثل هذه العبارات المرصوصة، التي تدل على التصرف والمبالغة، كما تدل على ضرب من الإفراط في استخدام الجمل، والتراكيب المسجوعة، وأكبر الظن أنه كان يعمد إلى ذلك عمدًا، حتى يجمع لتلاميذه في رسائله جميع صور التعبير، التي يمكن أن يستخدموها في فكرة من الأفكار، وكأنه كان يحس أن مهمته ليست هي
_________________
(١) ١ رسائل الخوارزمي ص٣٧.
[ ٢٣٦ ]
أن يعبر عن معان، بل هي أن يعبر عن أساليب يحفظها الطلاب، وما من شك في أن هذا كان أحد الأسباب في شيوع العبارات المحفوظة في اللغة العربية، إذ نجدها تميل منذ الخوارزمي إلى الاحتفاظ بصيغ خاصة من التعبيرات، يرددها الأدباء في كتاباتهم.
وليس هذا كل ما يلاحظ على تصنيع الخوارزمي، وتطرفه فيه، بل إننا نلاحظ عليه أشياء أخرى، لعل في مقدمتها أنه يكثر من الإشارات التاريخية١، كما يكثر من ذكر الشعر، وهي حال أوسع من أن ندل عليها، وأيضًا فإنه كان يكثر من نثر الشعر، وإدماجه في كتابته، بل إنه ليعترف بأنه يكثر من إغارته على الكتاب، الذين سبقوه إذ يقول صراحة: "ما زلت أسرق من هذا كلمة، وأنظر من ذاك فقره، وأستعير من هناك نادرة وثيقة، أغصب الأحياء على بيانهم، وأنبش الموتى من أكفانهم"٢، ونراه في مقدمة إحدى رسائله يقول: "كتابي وأنا في سلامة إلا من الحر الذي يذيب دماغ الضب، ويشبه قلب الصب، وهذا سرقته، من رسائل الوزير الجليل ابن عباد، وليس بأول غارة الكردي على الحاجي، ولا بأول أخذ الطرار، ما التجار"٣، ولعل هذه السرقة وأمثالها هي التي جعلته يصف أسلوبه بأنه "سجع ملزق، وكلام ملفق"٤. والحق أننا نجد عند الخوارزمي ميلا واضحًا إلى الحذلقة في التعبير، وإنها لحذلقة تؤديه أحيانًا إلى أن تصنع لبعض ألفاظ من النجو، إذ يقول لصديق له: "وكيف صرت المستثنى، وقعدت على طريق إلا"٥، وقد نحس هذه الحذلقة نفسها في رسائل التصنيع كقوله في إحدى رسائله: "لقد أراحني الشيخ ببره، لا بل أتعبني بشكره، وفزعني بصادق قيامه لا بل شغلني بتعديد إحسانه وإنعامه، وخفف ظهري من ثقل المحن، لا بل أثقله بأعباء المنن، وأحياني بحقيق الرجاء، لا بل أماتني بقرط الحياء"٦، وعلى
_________________
(١) ١ رسائل الخوارزمي ص٣٥، ٩٧. ٢ رسائل الخوارزمي ص٣٦. ٣ نفس المصدر ص٧٩. ٤ نفس المصدر ص٣٤. ٥ نفس المصدر ص٢٦. ٦ نفس المصدر ص١٠٦.
[ ٢٣٧ ]
هذا النحو نحس دائمًا بضروب من التصنع تتسرب إلى صناعة الخوارزمي، وهي صناعة كانت تقوم على التصنيع، ولكنها أخذت تظهر فيها بعض شيات التصنيع وسماته، مما يدل على أننا وصلنا من التصنيع إلى هذه المنطقة، التي يختلط فيها المذهب بمقدمات مذهب آخر، وهي مقدمات ما تزال تتسع، حتى ينفذ منها الأدباء إلى إحداث المذهب الجديد، ونحن لا نصل إلى أواخر القرن الرابع حتى نجد الرغبات تتكامل للخروج، ومن مذهب التصنيع القديم إلى مذهب جديد من التصنع، وهو مذهب كان يقوم على التعقيد في الأسلوب، والأداء، وما من ريب في أن الخوارزمي عن شيء من هذه الرغبات مع أن فنه عامة يندمج في مذهب التصنيع.
[ ٢٣٨ ]