١- الأندلس:
تقع الأندلس في الطرف الجنوبي الغربي من أوربًا، وهي تؤلف شبه جزيرة كبيرة تفصلها عن بلاد الغال، في الشمال سلسلة جبال البرانس، كما يفصلها عن أفريقيا في الجنوب زقاق ضيق هو مضيق جبل طارق، بينما يقع في غربيها هذا المحيط الواسع، الذي كان في العصور القديمة والوسطى يشبه صحراء مائية لا نهاية لها، ونقصد المحيط الأطلسي، الذي سماه العرب باسم بحر الظلمات، أما في شرقيها، فيقع بحر الروم الذي كان صلتها بالمدنيات الفينيقية، واليونانية والرومانية ثم العربية، وقد سكن الأندلس -أول الأمر- أقوام من البسك والسلت والجلالقة، وأتى عليها حين من الدهر، وهي منعزلة عن الحضارات القديمة، ولكن سرعان ما أتاها قبس من هذه الحضارات، عن طريق الفينيقيين، واليونانيين الذين استعمروا بعض جهاتها، ولما نشب الصراع بين روما وقرطاجنة الفينيقية، وانتصرت الأولى على الأخيرة استولت على ممتلكاتها، وضمت الأندلس -فيما ضمت- بين جناحيها وسمتها إسبانيا اسمها المعروف الآن، ومنذ ذلك الوقت أصبحت إسبانيا ولاية رومانية، ونشرت روما بها المسيحية، كما نشرت بها لغتها اللاتينية، وكان ذلك سبببًا في أن ساهمت الأندلس -من بعض الوجوه- في التراث اللاتيني، القديم، غير أن موجات القبائل الجرمانية لم تلبث أن اندفعت إلى الأندلس، إذ أغار عليها قبائل القندال، وأسسوا بها دولة أقاموها على نهر الوادي الكبير سموها باسم دولة القندال، ومن اسم هذه الدولة اشتقت كلمة القندالس، التي حورها العرب إلى كملة أندلس، وأطلقوها على تلك البلاد
[ ٣١٣ ]
جميعًا، وأقبلت بعد القندال موجة جديدة جرمانية هي موجة القوط، وتم لها الغلب على الموجة القديمة موجة القندال، وحكمت البلاد من القرن الخامس الميلادي، حتى فتحها موسى بن نصير في أواخر القرن السابع "عام ٩٢هـ".
وكان جيش موسى مؤلفًا من العرب والبربر، إلا أن البربر كانوا أكثر نفرًا، ولما سمع العرب، والبربر جميعًا بخصب الأندلس، وما فيها من كنوز، ومعادن أكثروا من الرحلة إليها، وقد رحلوا ومعهم خصوماتهم التي نعرفها بين القيسية واليمنية، وأضافوا إليها خصومات أخرى، كانت تنشأ دائمًا بين العرب والبربر، وليست هذه الخصومات هي كل ما في الأندلس، فقد كانت هناك خصومات أخرى دائمة بين الجيوش النازحة من العرب، والبربر وبين سكان البلد الأصليين، ومن المعروف أن العرب تسامحوا في إسبانيا مع سكانها، وكان من نتيجة هذا التسامح أن ظل للمسيحيين هناك نظام خاص في تقاضيهم ومعاملاتهم، وبذلك كان لهم برزوهم في الهيئة الاجتماعية، بل لقد كانت بعض البلاد -وخاصة الشمالية- مسيحية خاصلة، مما ساعد على قيام الفتن الدائمة بين المسيحيين والمسلمين، وكان كثير من الشبان المسيحيين يستشهدون في سبيل دينهم بصور فدائية مختلفة، كأن يذهبوا إلى المسجد الجامع، فيسبوا الدين الإسلامي!
وقد عرض "دوزي" في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا" لهذه الظاهرة.
وقد كانت الأندلس في العهد الأموي يحكمها ولاة مختلفون، حتى إذا قامت الدولة العباسية، رأينا عبد الرحمن الداخل يفر إليه، ويؤسس بها دولة أموية تعتبر امتدادًا لدولة الأمويين في المشرق، تلك الدولة التي قوضها العباسيون، وقد سمى أبو جعفر المنصور عبد الرحمن باسم صقر قريش، وهو جدير بهذه التسمية، فقد استطاع أن يقيم لنفسه هناك دولة استمرت في أبنائه، وأحفاده من عام ١٣٨هـ إلى عام ٤٢٢هـ، وكان عهد عبد الرحمن الناصر "٣٠٠-٣٥٠هـ"، من أزهى عهود هذه الدولة، وكذلك عهد ابنه الحكم "٣٥٠-٣٦٦هـ"، وعهد الوزير المشهور: المنصور بن أبي عامر المتوفى عام ٣٩٢هـ، ولكنا لا نترك هذه العهود كلها إلى القرن الخامس، حتى تضعف الدولة وتختل،
[ ٣١٤ ]
فيقوم نظام جديد هو نظام ملوك الطوائف، وفيه تنقسم الأندلس الكبيرة إلى أندلسيات صغيرة، ففي كل بلد كبير تظهر دولة مثل دولة المعتمد بن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس في بطليوس، وذي النون بطليطلة، وقد أدى ضغط المسيحيين في الشمال على هذه الأندلسيات، أو هذه الدويلات أن تفزع إلى دولة المرابطين في المغرب، فتلبيها وتحتل البلاد للدفاع عن المسلمين هناك، ثم تدخل الأندلس في حوزة دول الموحدين، ويظهر بنو هود في أوائل القرن السابع الهجري، ثم بنو الأحمر ملوك غرناطة، وتستمر هذه الدولة الصغيرة في معارك مع المسيحيين، حتى تخر جميع الأعلام التي تبقت للعرب في الدروب الباقية من الأندلس، ويضطر من بقي إلى مغادرة البلاد بعد هذه الحقب المتطاولة، التي قضاها العرب هناك، حيث أقاموا حضارة عظيمة لا تزال آثارها في مباني غرناطة، وغيرها من المدن الكبيرة.
[ ٣١٥ ]