ابن المقفع فارسي الأصل، اسمه روزبه١ بن داذويه، كان أبوه من قرية تسمى جور٢ من أعمال فارس على مقربة من شيزار، وانتقل إلى البصرة، والتحق بديوان الخراج لعهد الحجاج، فاحتجن "اختلس" مالا، فضربه الحجاج حتى تقفعت "يبست" يده، فلقب بالمقفع٣، ولم يسلم، بل استمر مجوسيا مانويا، وعلى دينه نشأ ابنه روزبه، ويظهر أنه عني بتأديبه كما عني بتعليمه العربية، وساعده على ذلك أن ولاءهما كان في آل الأهتم، وهم يشتهرون بالفصاحة من قديم٤.
ولم يمض زمن كبير حتى ظهرت مخايل الفصاحة والبلاغة على ابن المقفع، فكتب لعمر بن هبيرة في دواوينه على كرمان٥ بفارس، ثم كتب لابنه يزيد حين ولي العراق من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، كما كتب لأخيه داود٦، وجعلته وظيفته تلك يفيد أموالًا، كان يبر بها طائفة من أصدقائه، يقول الجهشياري: "وكان سريا سخيا، يطعم الطعام، ويتسح على كل من احتاج إليه وكان يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين
_________________
(١) ١ الفهرست ص١٧٢. ٢ الوزراء والكتاب للجهشياري ص ١٠٩. ٣ الفهرست ص ١٧٢. ٤ البيان والتبيين ١/ ٣٥٥. ٥ الوزراء والكتاب ص ١٠٩. ٦ الفهرست ص ١٧٢.
[ ١٣٤ ]
الخمسمائة إلى الألفين في كل شهر"١.
ولما قامت الدولة العباسية كتب لعيسى بن علي عم المنصور٢، وعلى يديه أعلن إسلامه، وتسمى باسم عبد الله، واكتنى بأبي محمد٣، ويقال: إنه حين حاول إعلان إسلامه سأله عيسى أن يؤجل ذلك إلى الغد، حتى يكون ذلك في حفل يحضره القواد والرؤساء، ثم حضر طعام العشاء، فجلس يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فقال له عيسى: أتصنع ذلك وأنت على عزم الإسلام؟ فقال: أكره أن أبيت على غير دين! وظل يعمل في خدمة عيسى حتى قتله سفيان بن معاوية والي البصرة من قبل المنصور، وهنا يختلف الباحثون في سبب قتله، فيزعم قوم أنه قتل لزندقته، ويؤكد الجهشياري، وكثير من المؤرخين أن السبب في قتله ما كان من تشدده في كتابه الأمان الذي كتبه لعبد الله بن علي أخي عيسى، وعم المنصور فإنه حين فشلت ثورته على ابن أخيه هرب منهزما من أبي مسلم الخراساني، وقصد أخويه عيسى وسليمان بالبصرة، فكاتبا المنصور في أن يؤمنه، ورضي بإعطائه الأمان، فأمر عيسى بن المقفع يعمل نسخة لهذا الأمان، فعملها ووكدها، واحترس من كل تأويل يجوز أن يقع عليه فيها.. وكان الذي شق على أبي جعفر ما جاء في أسفل الأمان من أنه إذا غدر بعمه عبد الله، فهو نفي من أبيه، ومولود لغير رشدة، وقد حل لجميع أمة محمد خلعه وحربه والبراءة منه، ولا بيعة له في رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج من طاعته، وإعانة من ناوأه من جميع الخلق، وأنه إن فعل كان كافرًا بجميع الأديان، ونساؤه طوالق وعبيده أحرار، فغضب المنصور حين قرأ هذا الأمان وسأل عن كاتبه، فقيل له: ابن المقفع، فقال: أما أحد يكفينيه؟ وكتب فيه إلى سفيان بن معاوية، وتصادف أن كان يضطغن عليه، فاستغل الفرصة وطلبه، فلما قدم عليه أمر بتنور فسجر، ثم أخذ يقطعه عضوًا
_________________
(١) ١ الوزراء والكاتب ص ١٠٩. ٢ الفهرست ص ١٧٢، والوزراء والكاتب ص ١٠٣. ٣ الفهرست ص ١٧٢.
[ ١٣٥ ]
عضوًا ويرمى به في التنور١، وأكبر الظن أن هذا هو السبب الصحيح في مقتل ابن المقفع، فالجاحظ يقول في بعض رسائله: إنه أغرى عبد الله بن علي بالمنصور ففطن له، وقتل٢ ومن المحقق أن الجاحظ لا يريد بإغرائه سوى ما كان من كتابة أمانه على هذا النحو الذي ضيق فيه على المنصور، ويقول ابن خلكان: إن ذلك كان عام ١٤٢ أو ١٤٣ أو ١٤٥، ومعنى ذلك أنه لم يعش في الدولة العباسية إلا نحو عشر سنين.
واشتهر ابن المقفع بأنه كان زنديقًا، وأنه إنما اتخذ الإسلام قناعًا لزندقته ومانويته، وممن أكد ذلك أبو الفرج الأصبهاني٣، والبيروني٤ وابن خلكان٥ وصاحب خزانة الأدب٦، ويقول المرتضى في أماليه: روي عن المهدي أنه قال: "ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع"٧، ويقول المسعودي: "أمعن المهدي في قتل الملحدين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، لما انتشر من كتب ماني وابن ديصان، ومرقيون مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره وترجم من الفارسية، والفهلوية إلى العربية"٨، وفي الفهرست أنه ترجم كتابا في سيرة مزدك٩، ويقال: إنه مر ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم فلما رآه تمثل:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل حذر العدا وبك الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل١٠
ويقول بعض الرواة: إنه عارض القرآن بزعمه١١، ونشر ميكائيل أنجلو جويدي سنة ١٩٢٧ كتابا يسمى: "كتاب الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع -
_________________
(١) ١ الوزراء والكتاب ص١٠٣، وما بعدها. ٢ ثلاث رسائل للجاحظ "طبعة فنكل" ص ٤٧. ٣ أغاني "طبعة الساسي" ١٨/ ٢٠٠. ٤ تحقيق ما للهند من مقولة "طبعة ليبزج" ص ٧٦. ٥ انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/ ١٥٠. ٦ خزانة الأدب للبغدادي ٣/ ٤٩٥. ٧ أمالي المرتضى ١/ ١٣٤. ٨ مروج الذهب للمسعودي "طبعة مصر" ٤/ ٢٤٢. ٩ الفهرست ص ١٧٢. ١٠ أمالي المرتضى ١/ ١٣٥. ١١ إعجاز القرآن للباقلاني ص ١٨.
[ ١٣٦ ]
عليه لعنة الله- للقاسم بن إبراهيم عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم"، ونرى القاسم يندد -في مقدمة هذا الكتاب- بمذهب ماني وأتباعه، ويقول: إن ابن المقفع خلفه في إفكه وضلاله، "فوضع كتابا أعجمي البيان، حكم فيه لنفسه بكل زور وبهتان، فنال من عيب المرسلين، وافترى الكذب على رب العالمين، فرأينا من الحق أن نضع نقضه، بعد أن وضعنا من قول ماني بعضه". ثم يعرض القاسم فقرا من أقوال ابن المقفع ويرد عليها، وقد شك بعض الباحثين في هذا الكتاب، ونسبة ما فيه من آراء لابن المقفع١، غير أن ذلك لا ينقض زندقته فقد شهد بها معاصروه ومن جاءوا بعدهم، ويروى أنه لما قتل ابن أبي العوجاء لزندقته رثاه بقوله:
رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله فلله ريب الحادثات بمن وقع
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
فقد جر نفعا فقدنا لك أننا أمنا على كل الرزايا من الجزع
وقال أحمد بن يحيى ثعلب: البيت الأخير يدل على مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر والشر ممزوج بالخير٢.
وعلى الرغم من زندقة ابن المقفع، وتعصبه الشديد لفارسيته لم يفكر في الرجوع إلى لغته، بل اتخذ العربية مثله الأعلى، وكان ذكيا ذكاء شديدًا، ولكن ذكاءه أضله، وكان دقيق الحس، فقد دعاه عيسى بن علي للغداء معه يوما، فقال له: "أعز الله الأمير! لست يومي للكرام أكيلا، فقال له: ولم؟ قال: لأني مزكوم والزكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار"، وكتب إليه يحيى بن زياد الحارثي الزنديق يلتمس عقد الإخاء، والاجتماع على المودة والصفاء، فأخر جوابه، فكتب إليه كتابا آخر، يستريثه، فكتب إليه ابن المقفع: "إن الإخاء رق، فكرهت أن أملكك رقي قبل أن أعرف حسن ملكتك"٣.
_________________
(١) ١ ضحى الإسلام لأحمد أمين ١/ ٢٢٥. ٢ أمالي المرتضى ١/ ١٣٥. ٣ انظر في هذا النص، وسابقه أمالي المرتضى ١/ ١٣٦.
[ ١٣٧ ]