خلف لنا عرب الجاهلية تراثا كبيرًا من الأمثال، وهي عبارات تضرب في حوادث مشبهة للحوادث الأصلية التي جاءت فيها، وقد عني علماء العصر العباسي بدراستها، وممن سبق إلى ذلك المفضل الضبي وأبو عبيدة، ثم خلف من بعدهما خلف أشهرهم أبو هلال العسكري في كتابه "جمهرة الأمثال"، والميداني في كتابة "مجمع الأمثال"، وهو يقول في مقدمته: إنه رجع في تأليفه إلى ما يربو على خمسين كتابا. وقد درج من ألفوا في الأمثال على أن يرتبوها حسب حروفها الأولى على نحو ما ترتب المعاجم ألفاظها، ولذلك نراهم يوزعونها عادة على تسعة وعشرين بابا بعدد أبواب الحروف الهجائية. ثم بعد هذا التوزيع يفسرونها، ويقصون أحيانا حوادثها التي جاءت فيها معتمدين -غالبا- على الظن والتخمين، مما جعل نيكسون يذهب إلى أن قيمة الأمثال محدودة بالنسبة إلى العصر الجاهلي١. وحقا ما يذهب إليه، فقد طال العهد بين العصر الجاهلي، وعصر هؤلاء المفسرين، وإنه لينبغي أن نثني على صنيعهم، ولكن مع شيء من الحذر في الأخذ بتفسيرهم وقصصهم، وما يحكونه من أخبار، ما دمنا نتهم القصص الجاهلي، وما نسب إلى عرب الجاهلية من أخبار وأحداث.
ومعروف أن المثل لا يتغير، بل يجري كما جاء على الألسنة، وإن خالف النحو وقواعد التصريف، فقد جاء في أمثالهم: أعط القوس باريها٢ بتسكين الياء في باريها، والأصل فتحها، وجاء أيضا في أمثالهم: "أجناؤها أبناؤها" جمع جان وبان، والقياس الصرفي: جناتها بناتها؛ لأن فاعلا لا يجمع على أفعال. وتقول: الصيف ضيعت اللبن٣ بكسر التاء إذا خوطب بها المذكر والمؤنث والاثنان والجمع، ومعنى ذلك أن المثل لا يغير، وأنهم يستجيزون فيه ما لا يستجيزون في سائر الكلام.
وينبغي أن نلاحظ أن بعض الأمثال مبهم غامض، لا يفهمه سامعه، أو قارئه إلا إذا رجع إلى كتب الأمثال يستعين بها في شرح المراد منه، من ذلك قول العرب: "بعين ما أرينك"، فإن معناه أسرع، وهو معنى لا يفهم من اللفظ بتاتا، وقد علق عليه أبو هلال العسكري بقوله: "هو من الكلام الذي قد عرف معناه سماعا من غير أن يدل عليه لفظه"٤. ومن هذه الأمثال الغامضة ما اضطرب الشراح في تفسيره على نحو ما نجد في هذا المثل: "لا يعرف
_________________
(١) ١ Nicholson، A Literaty History of the Arabs، ١٩٣٠، p. ٣١. ٢ أي استعن على عملك بأهل الحلق والمهارة. ٣ يضرب هذا المثل في طلب الحلية بعد فوات أوانها. ٤ جمرة الأمثال للعسكري على هامش مجمع الأمثال للميداني ١/ ١٦٨.
[ ٢١ ]
الهر من البر". فقد ذكر بعضهم أن الهر: السنور، والبر: الفأرة في لغة، وقال بعض علماء الكوفة معنى المثل: لا يعرف من بهر عليه "يكرهه" ممن يبره، وقال آخرون: الهر: دعاء الغنم، والبر: سوقها١. على أن هذه الأمثال الغامضة قلية، أما الكثرة فواضحة بينة.
وقد أكثر العرب من صنع الأمثال، وضربها في جميع أحداثهم وشئون حياتهم، وكثيرا ما كانوا يستوقونها في خطابتهم، يقول الجاحظ: "كان الرجل من العرب يقف الموقف، فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع"٢، فقد أودعها تجاربهم، فاتسمت بالقبول وشاعت بالتداول، على شاكلة قولهم:
أي الرجل المهذب -إياك أعني واسمعي يا جارة٣- تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها٤ -رب عجلة تهب ريثا٥- رمتني بدائها وانسلت -لا تعدم الحسناء ذاما٦، لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة -مقتل الرجل بين فكيه٧- المقدرة تذهب الحفيظة٨ -من سلك الجدد٩ أمن العثار- أسمع من فرس
في غلس١٠ -إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد- الحر حر وإن مسه الضر - إنما
المرء بأصغريه: قلبه ولسانه -أسمع جعجعة ولا أرى طحنا١١- من أجدب انتجع ١٢ -ويل للشجي من الخلي١٣- من استرعى الذئب
_________________
(١) ١ المزهر للسيوطي "طبعة الحلبي" ١/ ٥٠٠. ٢ البيان والتبيين للجاحظ "طبع مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر" ١/ ٢٧١. ٣ يضرب في التعريض بالشيء يبديه الشخص، وهو يريد غيره. ٤ لا تأكل بثدييها: أي بثمن لبن ثدييها. يضرب في صيانة الرجل الحر نفسه عن المكاسب الحسيسة. ٥ الريث: البطء، أي رب عجلة تلقي صاحبها في بطء فتفوته حاجته. ٦ الذام: العيب. ٧ بين فكيه: أي في لسانه، وما يأتي به من الكلام. ٨ الحفيظة: الغضب، يضرب في العفو عند المقدرة. ٩ الجدد: الطريق الواضحة. ١٠ الغلس: الظلام. ١١ الجعجعة: صوت الرحى، والطحن: الدقيق. ١٢ انتجع: طالب الكلأ في مواضعه. ١٣ الشجي: المهموم، والخلي: الخالي من الهموم.
[ ٢٢ ]
ظلم -لا تلد الحية إلا حية- كل مجر في الخلاء يسر١ -قبل الرماد تملأ الكنائن٢.
وهناك جماعة اشتهرت في العصر الجاهلي بكثرة ما انزلق على ألسنتها من هذه الأمثال، ومن قدمائهم لقمان عاد؛ تلك القبيلة اليمنية البائدة التي كانت تسكن الأحقاف، فإننا نجد ذاكرة واضحة على ألسنة الشعراء٣، يقول الجاحظ: "كانت العرب تعظم شأنه في النباهة والقدر، وفي العلم والحكم وفي اللسان والحلم"٤. ويقول أيضا: "من القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة، والحكمة والدهاء والنكراء لقمان"٥. وهو غير لقمان الحكيم الذي جاء في القرآن الكريم٦. ويذهب كاتب مادة لقمان في دائرة المعارف الإسلامية إلى أن شخصية لقمان مرث بثلاث مراحل:
أ- مرحلة جاهلية، وفيها يتراءى لنا لقمان عاد المعمر صاحب قصة النسور، إذ يزعمون أنه عاش عمر سبعة نسور، كلما هلك نسر خلف من بعده نسر، وكان آخرها لبدًا الذي ذكره الشعراء كثيرا في أشعارهم٧. ب- ومرحلة قرآنية، وفيها يتراءى لنا لقمان صاحب السورة الخاصة به. وقد ربط المفسرون بين لقمان هذا، وبين بلعام حكيم بني إسرائيل، فقالوا: إنه لقمان بن باعور بن ناحور بن تارخ، وهو نفس نسب بلعام٨. ج- ثم مرحلة متأخرة، وهي مرحلة نسيج فيها حول لقمان قصص كثير على نحو ما نجد في كتاب "أمثال لقمان"، وهو مكتوب بأسلوب ركيك، يغلب عليه الابتذال.
_________________
(١) ١ المجري: الذي يجري فرسه. يضرب مثلا الرجل يحمد بعض خلاله، ولا يشعر بفضائل غيره. ٢ الكنائن: جمع كنانة، وهي جعبة السهام. ٣ البيان والتبيين "طبعة الحلبي" ١/ ١٨٣ - ١٨٩، ٣/ ٣٠٤. ٤ البيان والتبيين ١/ ١٨٤. ٥ نص المصدر ١/ ٣٦٥. ٦ انظر البيان والتبيين ١/ ١٨٤، وراجع تفسير أبي حيان "طبع مطبعة السعادة" ٧/ ١٨٦، وقصص الأنبياء للثعلبي "طبعة القاهرة" ٣٤٠، وخزانة الأدب للبغدادي "طبع بولاق" ٢/ ٧٧. ٧ انظر كتاب المعمرين للسجستاني "طبع مطبعة السعادة" ص٣، وحياة الحيوان للدميري "طبع المطبعة الخيرية" ٢/ ٣٠٦. ٨ راجع الثعلبي ٣٤٠، وتفسير أبي حيان ٧/ ١٨٦.
[ ٢٣ ]
ولا نستطيع أن نسلم بما تقوله دائرة المعارف الإسلامية، إلا إذا سلمنا بأن لقمان عاد هو نفس لقمان المذكور في القرآن، وليس بين أيدينا ما يثبت ذلك، بل على العكس نرى علماء العرب يفرقون بينهما دائما، وقد روت كتب الأمثال عن الأول بعض أمثاله١، بينما روى الإمام مالك في كتابه "الموطأ" بعض أمثال لقمان الحكيم.
وممن عرف بكثرة الحكم، والأمثال في الجاهلية أكثم بن صيفي التميمي٢، ومما ينسب إليه من الحكم: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة -ليس من العدل سرعة العذل- لو أنصف المظلوم لم يبق فينا ملوم، ومن أشهر حكمائهم عامر بن الظرب٣، وكان حكما للعرب تحتكم إليه٤، وافتخر به ذو الإصبع العدواني في بعض شعره٥، ولا يكاد يوجد في العصر الجاهلي سيد مشهور، أو خطيب معروف إلا وتضاف إليه جملة من الحكم والأمثال.
_________________
(١) ١ انظر مجمع الأمثال للميدني ١/ ٢٣، ٥٦. ٢ راجع مجمع الأمثال ٢/ ١٤٥، وجمهرة الأمثال للعسكري على هامشه ١/ ١٢٠، وشرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة "طبع مطبعة دار الكتب العربية الكبرى" ٤/ ١٥٥. ٣ انظر مجمع الأمثال ١/ ٢١١، ٢/ ١٨٣. ٤ البيان والتبيين ٣/ ٣٨. ٥ أغاني "طبع دار الكتب" ٣/ ٩٠.
[ ٢٤ ]