ازدهرت الخطابة في هذا العصر، وقد عملت في هذا الازدهار، وهيأت له أسباب مختلفة، منها السياسي، ومنها الديني، ومنها القعلي، أما من حيث السياسة، فقد كثرت الأحزاب السياسية المعارضة لبني أمية، وكثر مشعلو الفتن والحروب الداخلية. ومعروف أ، الدولة الأموية قامت على أنقاض فتنة عثمان، وما انتهت إليه من حروب صفين بين علي ومعاوية، وبمجرد أن قبل علي التحكيم خرج عليه فريق من جيشه سمي الخوارج، وشهروا سيوفهم في وجهه، وعبثا حاول العودة بهم إلى صفوفه، فحاربهم وتصدى له أحدهم فقتله، وخلص
[ ٦٣ ]
الأمر لمعاوية وخلفائه من بني أمية، فظل هؤلاء الخوارج ينازلونهم، ويعدون دار المسلمين دار حرب، فيجب أن يجاهدوهم، إذ جعلوا الخلافة في قريش، وهي ليست حقا من حقوقها وإنما هي حق لله، وينبغي أن يليها من يستحقها بمشورة المسلمين، وأن يكون خيرهم تقوى وزهدا وورعًا، ولو لم يكن قريشا، بل لو كان عبدا حبشيا. وقد تعددت فرقهم، وأهمها الأزارقة في فارس، والنجدات في اليمامة وحضرموت والبحرين، والصفرية في الموصل وشمالي العراق، والإباضية في اليمن وحضرموت.
ولا نتقدم إلى عصر يزيد بن معاوية حتى يرسل شيعة علي إلى ابنه الحسين أن يفد عليهم في الكوفة لمبايعة، وإعلان الثورة على بني أمية وصاحبهم يزيد، وما يكاد يلم بالعراق حتى يقعدوا عن نصرته، فيسفك دمه، ويندمون على ما كان من تضييعه، ويتجهون إلى الدعوة السرية لأبناء علي، ومن حين إلى حين تنشب ثوراتهم، ولعل أهمها ثورة المختار الثقفي لعهد مصعب بن الزبير، ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين لعهد هشام بن عبد الملك، وقضى الأمويون على الثورة الأخيرة بينما قضى مصعب على ثورة المختار، وكان هذا الحزب الشيعي يؤمن بأن الخلافة من حق أبناء علي فهم ورثة الرسول ﷺ، وهم لذلك ورثتها الشرعيون، وقد ذهبوا إلى أن إمامة علي نص عليها الرسول، ومن هنا تأتي عقيدة الوصية التي يدين بها الشيعة جميعا، كما يدينون يعقيدة المهدي، وهو الإمام المنتظر الذي يخلص العالم مما فيه من شرور، وأسباب مختلفة جعلت الفرس يدخلون في هذه العقيدة، إذ كانوا قبل الإسلام يؤمنون بتوارث الملك في أسرة بعينها، على هذا القياس يصبح أحق الأسر القرشية بالملك العربي بني هاشم، وأبناء علي خاصة، فهم أقرب الناس إلى الرسول، وأيضا فإن عليا كان يسوي بينهم، وبين العرب في الحقوق بينما كان يضطهدهم الأمويون وولاتهم، ولعل شيئا من تشيعهم يرجع إلى كرههم لمن غلبوهم على بلادهم، وكأنما رأوا فيه ضربا من المقاومة لهؤلاء الغالبين.
وبجانب الحزبين السابقين، حزبي الشيعة والخوارج، توالت الثورات على
[ ٦٤ ]
بني أمية، فثار عبد الله بن الزبير في الحجاز أثناء خلافة يزيد، واستقل بها نحو عشر سنوات، وتبعته العراق ومصر، إلا أن عبد الملك بن مروان استطاع القضاء عليه، وثار في العراق وإيران عبد الرحمن بن الأشعث، ودوخ الحجاج طويلًا قبل أن يقضي على ثورته. وفي أوائل القرن الثاني للهجرة ثار بالعراق أيضًا يزيد بن المهلب، وكان مصيره ابن الأشعث، ولا نصل إلى أواخر هذا العصر حتى يجمع أمرهم في خراسان، ويؤلفوا جيشا يقضون به على الدولة الأموية قضاءً مبرمًا.
وهذه الأحزاب والثورات لم تكن تستعين في انتقاضها على الأمويين بالسيوف فحسب، بل كانت تستعين بالخطب والخطباء يدعون لها، ويحمسون الناس على الانفضاض عن بني أمية، ومن المهم أن نعرف أن السياسة على ألسنة هؤلاء الخطباء كانت تقترن بالدين لسبب بسيط، وهو أن الخليفة عند المسلمين يعد إمامهم الذي تنتظم به مصالحهم، وقواعد ملتهم على مقتضى الشريعة الإسلامية.
وبجانب هذا السبب السياسي الذي دلع الخطابة، وسعر بها الفتن والثورات على الأمويين سبب ديني خالص، إذ أسست في كل بلد إسلامي مدرسة دينية تعلم الناس أصول دينهم وفروعه، وكان العلماء القائمون عليها كثيرًا ما يختلفون، فيتحاورون في وجهات نظرهم١. ولم تلبث أن انبثقت أبحاث كثيرة، ومناقشات طويلة في القدر، وإرادة الإنسان ومدى حريته، وفي الإيمان وهل من الضروري له أن يرافقه العمل، وفي صفات الله وهل هي عين الذات الإلهية، وسرعان ما ظهرت فرق الجبرية والقدرية والمرجئة، فكان ذلك باعثا على ظهور المناظرات، وهي فرع مهم من فروع الخطابة.
وليس هذا فحسب ما أنتجه الدين في خطابة القوم، فدق بقي ركنان مهمان هما القصص والوعظ، إذ كانت هناك طائفة تعرف بالقصاص، تفسر
_________________
(١) ١ ابن سعد ج٧ ق٢ ص٥، والبيان والتبيين ١/ ٢٤٣.
[ ٦٥ ]
القرآن الكريم، وتمزج تفسيرها بقصص كثيرة تستمدها من موروثات أهل الكتب السماوية، وكانوا يستغلونه ميل الناس إلى الأخبار العجيبة، فيتزيدون في قصصهم، وكانت الأحزاب السياسية تتخذ نفرا منهم وسيلة للدعوة لها، ولتحميس جنودها حين تثور بالدولة١، وكان للأمويين في كل بلد قاص يقص على الناس في المسجد الجامع، ويدعو إلى طاعتهم٢. واتسعت بجانب ذلك موجة الزهد والعبادة والنسك، وتبعها ظهور وعاظ كثيرين، تموج كتب الأدب بمواعظهم، وما كانوا يدعون إليه من الزهد في حطام الدنيا، ومجاهدة النفس حتى ترفض عرض الحياة، ومتعها الزائلة، وتطلب ما عند الله من ثواب الآخرة.
ورافق هذا السبب الديني في ازدهار الخطابة سبب عقلي مرده إلى عناصر الثقافات الأجنبية التي أخذ يدعم بها العقل العربي منذ هذا العصر الأموي، مما فتق فيه قوة الجدل والحجاج. ومعروف أن الثقافة لهذا العصر لم يكن يضطلع بها العرب وحدهم، بل كان يشركهم فيها الموالي الذين اتخذوا العربية لسانهم، وقد أخذوا يزودونها بمعارفهم وثقافاتهم القديمة، وقد تعود مؤرخو الأدب العربي أن يقفوا في هذا الجانب من التزاوج بين العرب، والموالي في الفكر والثقافة عند العصر العباسي، عصر الترجمة المنظمة لما كان عند اليونان والفرس والهند، وينبغي أن نلاحظ أن هذا العصر الذي نظمت فيه الترجمة سبقه عصر، هو العصر الأموي، لم تكنتعرب فيه الكتب إلا نادرا، كما هو معروف عن خالد بن يزيد بن معاوية، وطلبه لما عند الأجانب من معارف، ولكن كان يعرف فيه لسان حملة هذه الكتب، وكانوا سيولا من شعوب الشرق الأوسط وأممه، دخلوا في الإسلام، ودخلت معهم ثقافتهم، وقد أقلبوا على الدراسات الدينية، والعقلية يسهمون فيها بالحظ الأوفر، فإذا قلنا: إنهم ارتقوا بالعقل العربي
_________________
(١) ١ الطبري، القسم الثاني ص٩٥٠، وابن الأثير "طبعة ليدن" ٤/ ٣٤١. ٢ خطط المقريزي ٣/ ٢٥٣، والولاة والقضاة الكندي "طبعة جيست" ص٣١٤؛ وقارن بالهامش في ص٣٠٤.
[ ٦٦ ]
وكل ما أنتجه في ذلك العصر من خطابة، وغير خطابة لم نكن مبالغين، فقد كثرت المعرفة، وتشعبت المعاني ودقت الفطن، ولم يعد لها حد تنتهي إليه، وانسابت تمن ذلك أسراب كثيرة في خطابتهم، فصاروا أقدر على البيان والتصرف في الألفاظ.
ويخيل إلى من يقرأ في أخبار القوم أنهم أصبحوا جميعا خطباء، فهم يخطبون في نظرياتهم السياسية، وفي معتقداتهم الدينية، ويتناقشون فيها بكل مكان، في المسجد الجامع وفي الطرقات والأسواق، وفي السلم وحين يتحاربون، ومن ورائهم القصاص والوعاظ، وقد جعل ذلك الجاحظ ينبهر إنبهارًا شديدًا، فيخص العرب بالخطابة، ويرفعهم درجات فوق الفرس واليونان١، وقد يكون مصيبا فيما يختص بالفرس، أما اليونان فأكبر الظن أنه لم يقرأ شيئا واضحا عن خطابتهم، وإلا ما بالغ في رأيه وذهب هذا المذهب، فإن من المعروف أن الخطابة نهضت عند اليونان نهضة واسعة، إذ كانت لديهم مجالس شورية، وقضائية أعدت لازدهار الخطابة عندهم ازدهارا أتاح لأرسططاليس أن يكتب فيها، وفي أنواعها وأغراضها وأساليبها كتابا كبيرا، وأكبر الظن أن الجاحظ لم يعرف شيئا من ذلك كله، وهو كذلك لم يعرف شيئا عن خطباء اليونان المشهورين أمثال ديموستين وبركليس.
ومهما يكن فقد ارتقت الخطابة رقيا بعيدا في العصر الأموي، ونشطت نشاطا لعل العرب لم يعرفوه في عصر من عصورهم الوسيطة، إذ اتخذوها أداتهم للظفر في آرائهم السياسية، والانتصار في مجادلاتهم المذهبية، وعولوا عليها في قصصهم ومواعظهم، وفي وفادتهم على الخلفاء والولاة. ومن ثم أينعت فيها فروع ثلاثة، هي الخطابة السياسية، وخطابة المحافل والخطابة الدينية، ونلم بكل فرع من هذه الفروع إلمامة قصيرة.
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ٣/ ٢٧، وما بعدها.
[ ٦٧ ]
الخطابة السياسية:
كان كل حزب من الأحزاب السياسية يتخذ الخطابة وسيلة إلى نقد خصومه، وبيان نظريته السياسية، واستمالة الناس إليها، وكذلك كال يصنع الثائرون على بني أمية من أمثال يزيد بن المهلب في تحريك الناس إلى الثورة عليهم، وكأنما قامت عندهم جميعا بما تقوم به الصحافة في عصرنا من الدعاية للآراء السياسية، فانبرى خطباء كل حزب يدعون إل نظرية حزبهم، وبيان أنهم على الحق وخصومهم على الباطل، فهم الجديرون بأن يعتنق الناس مبادئهم ويذودوا عنها ذيادًا.
وكان الخوارج يصفون بني أمية بجورهم في الأحكام وتعطيلهم حدود الله، ويتناولونهم بألسنة حداد، وقد يضيفون إلى ذلك مواعظ تصور عمق تدينهم، وتمسكهم بالعروة الوثقى، ومن أشهر خطبائهم قطري بن الفجاءة، وتحتفظ كتب الأدب له بموعظة رائعة١، ومن خطبائهم أبو حمزة الخارجي، وقد روى الجاحظ خطبة طويلة ألقاها في أهل مكة٢، وهو يفتتحها بالحدث عن رسول الله وهديه، واقتداء أبي بكر وعمر به، أما عثمان فعنده أنه أتى بما أحبط به الأوائل، وأما علي فلم يبلغ -في رأيه- من الحق قصدًا، ثم اقتص خلفاء بني أمية خليفة خليفة يثلبه، إلا عمر بن عبد العزيز فإنه أعرض منه، ونراه ينحى باللائمة على من يتشيعون لآل البيت، ثم يصف أصحابه، ونضالهم دون عقيدتهم وصفا رائعا، ومن خطباء الخوارج المشهورين زيد بن جندب خطيب الأزارقة٣ وابن صديقه، وكان صفريا ناسكا، وشبيل بن عزره الضبعي، وعمران بن حطان، وحبيب بن حدرة الهلالي، والمقعطل وعبيدة بن هلال اليشكري٤، ومنهم الضحاك بن قيس ونصر بن ملحان٥، وعبد الله بن يحيى طالب
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ٢/ ١٢٦، والعقد الفريد ٤/ ١٤١، وعيون الأخبار ٢/ ٢٥٠. ٢ البيان والتبيين ٢/ ١٢٢، وانظر العقد الفريد ٤/ ١٤٤، والأغاني ٢٠/ ١٠٤. ٣ البيان والتبيين ١/ ٤٢. ٤ نفس المصدر ١/ ٣٤٣-٣٤٧. ٥ انظر في هؤلاء الخطباء نفس المصدر ٢/ ٣٦٤، وما بعدها.
[ ٦٨ ]
الحق١ والطرماح٢، وغيرهم كثير.
ولا يقل خطباء الشيعة كثرة عن خطباء الخوارج، ومن أشهرهم الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين وزيد بن علي، والمختار الثقفي وسليمان بن صرد، وعبد الله بن مطيع وعبيد الله المري، ومنهم بنو صوحان: صعصعة وزيد وسيحان، وكانوا يكثرون من القدح في بني أمية، وأنهم اغتصبوا الخلافة من أصحابها الشرعيين ورثة النبوة، وحملة الرسالة القدسية الهادية المهديين، والأئمة المنتظرين٣.
ولم تطل مدة عبد الله بن الزبير، ومع ذلك فقد ملأ دفاتر العلماء كلامًا٤، وكان أخوه مصعب، وإليه على العرقا خطيبا مفوها، وله خطبة جعلها كلها آيات قرآنية٥، وكان حول ابن الأشعث كثير من الخطباء٦، وكان يزيد بن المهلب خطيبًا مفوهًا، وقد روى الجاحظ بعض خطبه٧.
وكان يقف في الصف المقابل من خطباء الأحزاب، والثورات خطباء بني أمية يدعون الناس إلى التمسك بحبل الجماعة، وتأييد الأمويين في حقوقهم التي اكتسبوها عن آبائهم، وتقديمهم لهم فروض الطاعة والولاء، وكثيرًا ما يخلطون ذلك بالترهيب والترغيب، وقد يشيرون إلى مقتل عثمان، وأن الأمويين أولياء دمه وورثة خلافته، ولهم مواعظ لا نشك في أنهم قالوها في صلاة الجمعة، والعيدين ككثير مما روي عن زياد والحجاج، وعن بعض خلفائهم وخاصة عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد المشهور، وأكثر خلفائهم كان خطيبًا، ولهم خطب تدور في كتب الأدب والتاريخ، ومن خطبائهم بجانب من قدمنا عتبة بن أبي سفيان، والي معاوية على مصر وعبيد الله بن زياد، وخالد بن عبد الله القسري، ويوسف
_________________
(١) ١ الأغاني ٢٠/ ٩٨. ٢ البيان والتبيين ١/ ٤٦. ٣ الطبري، القسم الثاني ص١٩٦١. ٤ البيان والتبيين ١/ ٣١٤، وانظر خطبه في العقد الفريد ٤/ ١٠٧. ٥ البيان والتبيين ٢/ ٢٩٩، والعقد الفريد ٤/ ١٣٥. ٦ البيان والتبيين ١/ ٤٨، وانظر ٢/ ١٥٥. ٧ البيان والتبيين ١/ ٢٩٢، وانظر العقد الفريد ٤/ ١٢٧.
[ ٦٩ ]
ابن عمر الثقفي، وسعيد بن العاص وابنه عمرو الأشدق، ومن قوادهم الخطباء موسى بن نصير، وطارق بن زياد اللذان فتحا الأندلس، وقتيبة بن مسلم ونصر بن سيار، فاتح التركستان.
وعلى هذا النحو كان لكل حزب خطباؤه الذين يذودون عنه، وينافحون عن مبادئه، ولم يكن هناك داع لفكرة، أو لنضال في حرب لا يقف في الناس خطيبًا، وقد بعث ذلك على نهضة الخطابة السياسية في هذا العصر نهضة واسعة، ولعل هذه النهضة هي التي جعلت المؤرخين حين يعرضون علينا الآراء السياسية، أو المذهبية لزعماء هذا العصر يعرضونها علينا في شكل خطب، على نحو ما نجد في الطبري وابن الأثير، فهم إذا أرادوا أن يعرضوا علينا رأيا للحسين بن علي، أو لحفيده زيد أو لأي داع شيعي أو خارجي، أو أي ثائر زبيري وغير زبيري، أو لأي وال أموي أو قائد يقود الجيوش عرضوه في صورة خطبة، فهم لا يقولون: إن فلانا كان يرى كذا أو كذا، وإنما يقولون خطب فلان فقال كذا وكذا، فهم لا يتصورون صاحب نحلة سياسية يعرض رأيه في شكل حديث، بل لا بد أن يعرضه في شكل خطبة يقرع بها الأسماع، ويجذب القلوب.
خطابة المحافل:
نمت الخطابة الحفلية في هذا العصر بحكم نمو السلطان العربي، فكانت الرجال والوفود تقدم على الخلفاء والولاة لأغراض مختلفة: للشكوى أو للاستمناح، أو للتهنئة أو للتعزية أو للموعظة، أو لغير ذلك من الأغراض، وقد روي في كتب الأدب كثير من أخباره هذه الوفادات، وممن قد على معاوية النخار بن أوس العذري١، وعمرو بن سعيد الأشدق٢، وزرعة بن ضمرة، وهو الذي كان يقال فيه: "لولا غلو فيه ما كان كلامه إلا الذهب"، وكان ابنه النعمان من أخطب الناس، وقد وقع في يد الحجاج بعد قضائه على ثورة ابن الأشعث
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٢٣٧، ١/ ٣٣٣. ٢ نفس المصدر ١/ ٣١٥-٣١٦.
[ ٧٠ ]
فتخلص منه بكلام لطيف١. وممن وفد على معاوية روح٢ بن زنباع، وصحار العبدي، ويروى أن معاوية قال له: ما هذا الكلام الذي يظهر منك؟ قال: شيء تجيش به صدورنا، فتقذفه على ألسنتنا٣، ومن الوافدين عليه سحبان وائل، وقد اشتهرت له خطبة خطب بها بين يديه، وكانت العرب تسميها الشوهاء من حسنها٤، ومنهم الأحنف بن قيس سيد تميم، ومما نطق به في حضرته، معبرًا عن شكاة لقومه٥:
"إن دافة دفت٦، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، ونابتة نبتت٧، كلهم به حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره، فقال معاوية: حسبك يا أبا بحر، قد كفيت الشاهد والغائب".
ولما فكر معاوية في جعل ابنه زيد وليا لعهده استقدم وفود العرب من الأمصار والبادية، فكانوا يخطبون بين يديه منوهين بيزيد، ومبايعين له، سياسة حكيمة منه، حتى يبرم الأمر من بعده لابنه٨، ولما توفي وجلس ابنه يزيد مكانه دخل عليه عطاء بن أبي صيفي الثقفي، فخطب بين يديه بقوله٩:
"يا أمير المؤمنين أصبحت قد رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، وقد أعطيت بعده الرياسة، ووليت السياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واشكره على أفضل العطية".
وكان عبد الملك يجلس للوفود وخطبائها، وممن وفد عليه سعيد بن عمرو بن
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣٥٤-٣٥٥. ٢ نفس المصدر ١/ ٣٥٨. ٣ البيان والتبيين ١/ ٩٦، وقارن ٤/ ٤٦ والعقد الفريد ٤/ ٣١. ٤ نفس المصدر ١/ ٣٤٨، وانظر زهر الآداب ٤/ ٣٣. ٥ البيان والتبيين ٢/ ٨٨. ٦ دافة دفت: نازلة شديدة نزلت فاستأصلت ما بأيديهم، ويمكن أن يكون ذلك استعارة لفقراء البادية الذين أجدبوا ونزلوا بهم. ٧ النابتة هنا: الصغار الناشئون، أما النائية، فيمكن أن يراد بهم الأضياف ينوبون القوم، وينزلون بهم. ٨ البيان والتبيين ١/ ٣٠٠، وانظر العقد الفريد ٤/ ٣٦٩ حيث روى طرفا من تلك الخطب. ٩ البيان والتبيين ٢/ ١٩١، وقارن بزهر الآداب ١/ ٤٩.
[ ٧١ ]
سعيد١، والهيثم بن الأسود بن العريان، وقد سأله عبد الملك كيف تجدك؟ قال: "أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد"٢، ولما توفي عبد الملك وجلس ابنه الوليد دخل عليه الناس، وهم لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فأقبل غيلان بن سلمة الثقفي فسلم عليه، ثم قال٣:
"يا أمير المؤمنين! أصبحت قد رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعظم الله لكعلى الرزية الصبر، وأعطاك في ذلك نوافل الأجر، وأعطانك على حسن الولاية والشكر، ثم قضى لعبد الملك بخير القضية، وأنزله بأفضل المنازل المرضية، وأعانك من بعده على الرعية".
ولم يكن يتولى الخلافة أموي إلا وتقدم الوفود عليه من الأمصار، ويقوم خطباؤها بين يديه مهنئين مبايعين ذاهبين في خطبهم كل مذهب، ومن حين إلى حين كانت تقدم هذه الوفود على الخليفة لترفع مظلمة لها، أو لتنال بعض
الرفد والعطاء، ونجد الوعاظ كثيرًا ما يلمون بمجالس الخلفاء ويعظونهم، على نحو ما كان يعظ أبو حازم الأعرج سليمان بن عبد الملك٤، ولما تولى عمر بن عبد العزيز كان يقدم عليه النساك، والزهاد لوعظه، لما اشتهر عنه من نسكه وعبادته، من مثل زياد بن أبي زياد، وكان يلزمه محمد بن كعب القرظي، وله أخبار معه ومواعظ٥، وكان خالد بن صفوان يلزم هشام بن عبد الملك ويعظه٦.
وعلى نحو ما كانت تفد الوفود والوعاظ على الخلفاء كانت تفد على الولاة، وممن وفد على زياد وخطب بين يده في وفد من قومه عمران بن حطان٧،
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣١٦. ٢ نفس المصدر ١/ ٣٩٩، ٢/ ٦٩. ٣ البيان والتبيين ٢/ ١٩١-١٩٢. ٤ البيان والتبيين ٣/ ١٣٥. ٥ نفس المصدر ٢/ ٣٤، ٣/ ١٤٣، ٣/ ١٧٠. وانظر عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ٣٤٣، ٢/ ٣٧٠. ٦ عيون الأخبار ١/ ٣٤١. ٧ البيان والتبيين ١/ ١١٨.
[ ٧٢ ]
وكان الأحنف يفد على ابن الزبير كما كان يفد على معاوية، ويفد معه خطباء ومن قومه١، وكم من خطيب تخلص من عقاب الحجاج بحسن منطقه٢، ولما دخل أيوب بن القرية عليه قال له: "ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة حروف، كأنهن ركب وقوف: دنيا وآخرة ومعروف"، وقال له في بعض القول: "أقلني عثرتي وأسغني ريقي، فإنه لا بد للجواد من كبوة، وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة"٣. وكان كثيرًا ما يستنطق الوافدين عليه٤. ولما ولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز على العراق، كان يحضر مجلسه الوعاظ، ويعظونه٥ كما كانوا يعظون أباه.
ومما يدخل في هذا الضرب من خطابة المحافل خطابة الإملاك والتزويج٦ وخطابة الصلح بين العشائر٧، وما كان من منازعات، ومفاخرات في مجالس الخلفاء٨، ويسوق الجاحظ في بيانه أخبارًا كثيرة عن هذه الصور من الخطابة وما كان يفترق به بعضها عن بعض٩.
الخطابة الدينية والوعظ والمناظرات:
تمت هذه الخطابة في عصر بني أمية نموا واسعا، فقد كانت فريضة مكتوبة على المسلمين في صلاة الجماعة والعيدين، وكان الخلفاء والولاة يؤمون الناس في تلك الصلاة، ولذلك نقرأ لكثير منهم خطابات زاهدة، يحضون الناس فيها على الانصراف عن الدنيا، والتعلق بالآخرة، ويحثونهم على الخير والفضيلة
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣٠٠. ٢ نفس المصدر ١/ ٢٥٩-٢٦٠، والعقد الفريد ٢/ ٤٦٤. ٣ البيان والتبيين ١/ ٣٥٠، وزهر الآداب ٤/ ٤٩، وعيون الأخبار ١/ ١٠٢. ٤ البيان والتبيين ٢/ ١٦٤. ٥ البيان والتبيين ١/ ٢٤. ٦ انظر البيان والتبيين ١/ ٤٠٤، ٤/ ٧٣ العقد الفريد ٤/ ١٤٩، وعيون الأخبار ٤/ ٧٢. ٧ البيان والتبيين ٣/ ١٣٥، وانظر ١/ ١٠٥، ١/ ١٧٣. ٨ انظر البيان والتبيين ٢/ ٩٠-٩٢، وانظر العقد الفريد ٤/ ٤ وما بعدها والنزاع والتخاصم بين بني أمية، وبني هاشم للمقريزي. ٩ البيان والتبيين ١/ ١١٦، ٣/ ٦.
[ ٧٣ ]
والأعمال الصالحة، وأخطب الخلفاء في هذا الباب عمر بن عبد العزيز، وله خطب كثيرة، يدعو فيها الناس إلى طاعة الله والنفور من معصيته، وأن يفكروا في الموت وما بعده من البعث والحساب والجنة والنار، ولعل واليا لم يؤثر عنه من الخطب الدينية ما أثر عن الحجاج، وكان دائما يقول: "أيها الناس إن الكف عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله"١، وللولاة من قبله وبعده مواعظ ترويها كتب الأدب والتاريخ٢.
وإذا كان هذا اللون من الخطابة قد شاع على ألسنة الخلفاء الأمويين، وولاتهم فإن خصومهم من الخوارج والشيعة كانوا لا يقلون عنهم دعوة إلى التقوى والورع، بل لعلهم كانوا يتقدمونهم، إذ لم يكن بأيديهم شيء من الدنيا، وكانوا يمزجون خطابتهم السياسية بالدين، وقد يجعلونها دينية خالصة، على نحو ما صنع قطري بن الفجاءة في موعظته المشهورة٣، وشداد بن أوس أحد شيعة علي في موعظته بين يدي معاوية، وقد طلب إليه أن يتنقص عليا٤، وتدور في كتب الأدب كلمات كثيرة لزيد بن علي بن الحسين، هي من بقايا خطبه٥، وكان ينازعه جعفر بن حسن بن الحسن بن علي في الإمامة، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما، ومجادلاتهما في أيهما الأحق بها٦.
غير أن هؤلاء جميعا لم يتخصصوا بالخاطبة الدينية، ولم يعيشوا لها، وإنما الذي عاش لها هم القصاص والوعاظ، وقد نشأ القصص منذ عصر عمر بن الخطاب، فكان هناك قصاص يقصون في المساجد٧، وآخرون يقصون في
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣٨٧. ٢ نفس المصدر ١/ ٣٨٧ و٢/ ١٤٣، والعقد الفريد ٤/ ٣٤ وما بعدها وعيون الأخبار ٢/ ٢٤٦، ١/ ٢٥١. ٣ البيان والتبيين ٢/ ١٢٦، وعيون الأخبار ٢/ ٢٥٠. ٤ البيان والتبيين ٤/ ٦٩، وعيون الأخبار ١/ ٥٥. ٥ البيان والتبيين ١/ ٣٥٣، وزهر الآداب ١/ ٧٢. ٦ البيان والتبيين ١/ ٣٣٤، وانظر زهر الآداب ١/ ٧٣. ٧ طبقات ابن سعد ٥/ ٣٤١.
[ ٧٤ ]
مقدمة الجيوش الفاتحة١. واتسعت هذه الموجة اتساعا شديدا في عصر بني أمية، إذ استخدمها الدولة كما استخدمها خصومها في الدعوة السياسية، وقد أمر معاوية أن يكون ذلك مرتين في اليوم، مرة بعد صلاة الصبح، ومرة بعد صلاة المغرب٢، وعين للقصاص مرتبات خاصة٣. وكان للخوارج قصاص كثيرون، أشهرهم صالح بن مسرح، وإن يخلط مواعظه وقصصه بالدعوة إلى الجهاد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يزال يذم الدنيا والتعلق بها.
وهؤلاء القصاص الرسميون كان يقابلهم قصاص من الناسكين العابدين من مثل الأسود بن سريع، وهو أول من قص بالبصرة٤، ومثل زيد بن صوحان في الكوفة٥، وعبيد بن عمير في المدينة٦، وكان عبد الله بن عمر يحضر قصصه ووعظه، ومنهم إبراهيم التيمي وكان الناس ينتفضون أمامه انتفاض الطير٧، وسعيد بن جبير، وكان يقص كل يوم مرتين بعد الفجر، وبعد العصر٨، وذر بن عبد الله وكان من أبلغ الناس في القصص٩، ومسلم بن جندب قاص مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم١٠، ومطرف بن عبد الله الشخير١١، ويزيد بن أبان الرقاشي، وكان قاصا مجيدا، ومن قوله١٢:
"ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلد".
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٥/ ٢١٦. ٢ الولاة والقضاة الكندي ص٣٠٤ في الهامش، وخطط المقريزي "طبعة بولاق" ٢/ ٢٥٣. ٣ الولاة والقضاة ص ٣١٧. ٤ ابن سعد ج٧ ق١ ص٢٨. ٥ ابن سعد ٦/ ٨٤. ٦ ابن سعد ٥/ ٣٤١، والبيان والتبيين ١/ ٣٦٧. ٧ طبقات ابن سعد ٦/ ١٩٩. ٨ ابن سعد ٦/ ١٨٠. ٩ انظر العقد الفريد ٣/ ١٩٨، وعيون الأخبار ٢/ ٢٩٨. ١٠ البيان والتبيين ١/ ٣٦٧. ١١ نفس المصدر ١/ ٣٦٧، وصفة الصفوة ٣/ ١٤٤، وعيون الأخبار ٢/ ٢٨٩. ١٢ البيان والتبيين ١/ ٢٦٢.
[ ٧٥ ]
وهو عم الفضل بن عيسى القصاص المشهور١، ومن كبار القصاص مالك بن دينار، وكان يقول في قصصه: "ما أشهد فطام الكبير"٢. ومن القصاص أيضا وهب٣ بن منبه.
وكن هؤلاء القصاص يمزجون قصصهم بالحديث عن الرسل والأنبياء والأمم الدائرة، كما كانوا يمزجونه بآي الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول ﵇، وكان يجانبهم كثر من الزهاد الوعاظ مثل رجاء٤ بن حيوة والأوزاعي٥ في الشام، وسعيد٦ بن المسيب وأبي حازم٧ الأعرج سلمة بن دينار في المدينة، وعبد الله بن عمرو بن العاص في مصر٨، وكان العراق يكتظ بهم، ومنهم ابن شيرمة٩ وأيوب السختياني١٠ ومؤرق العجلي، وكان يقول: "ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه"١١. ومنهم بكر بن عبد الله المزني القائل: "أطفئوا نار الغضب بذكر جنهم"١٢، والشعبي١٣ ومحمد بن واسع الأزدي، وكان يقول: "يعجبني أن يصبح الرجل، وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله"١٤، ومن الوعاظ المشهورين محمد بن كعب القرظي واعظ عمر بن عبد العزيز١٥، ومالك بن دينار١٦، والحسن البصري هو أكبر وعاظ العصر وقصاصيه، وكان الوعظ عليه أغلب، وله مواعظ كثيرة تدور في البيان والتبيين وعيون الأخبار، والعقد الفريد، وقد أفرد له ابن الجوزي
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٢٩٠، ٣٠٦-٣٠٨، وانظر الحيوان ٧/ ٢٠٤. ٢ البيان والتبيين ١/ ١٢٠، وصفة الصفوة ٣/ ١٩٧، وما بعدها. ٣ انظر بعض قصصه الوعظي في عيون الأخبار ٢/ ٢٧٢-٢٧٦، ٢/ ٢٨ -٢٨٣، ٢/ ٣٢٨. ٤ انظر صفة الصفوة ٤/ ١٨٦. ٥ صفة الصفوة ٤/ ٢٢٨. ٦ صفة الصفوة ٢/ ٤٤. ٧ عيون الأخبار ٢/ ٢٨٦، ٢/ ٣٣٠ والبيان والتبيين ٣/ ١٤٣، والعقد الفريد ٣/ ١٦٣. ٨ عيون الأخبار ٢/ ٢٩٤. ٩ البيان والتبيين ١/ ٣٣٦، والعقد الفريد ٣/ ١٥٠، ٣/ ١٨٣. ١٠ انظر صفة الصفوة ٣/ ٢١٢. ١١ البيان والتبيين ٢/ ١٩٨. ١٢ نفس المصدر ٣/ ١٤١. ١٣ البيان والتبيين ٢/ ٣٢٢، وصفة الصفوة ٣/ ٤٠. ١٤ العقد الفريد ٣/ ١٧٠. ١٥ البيان والتبيين ٣/ ١٤٣. ١٦ عيون الأخبار ١/ ٥٤.
[ ٧٦ ]
كتابا ساق فيه وعظا كثيرًا، وهو لا يبلغ من الثقة به مبلغ المصادر السابقة. ونراه في وعظه دائم التذكير بالبعث، ويوم الحساب مكثرا من الحض على التقوى والعمل الصالح الذي يبقى. وهو يعرض ذلك في صورة من الخوف الشديد، والخوف من الجحيم، حتى لكأنه يراها بين عينيه، وكأن الناس واقفون على شفيرها، وهو يدعوهم أن يبتعدوا عنها مخالفة أن يهووا فيها وهم لا يشعرون، وفي أثنار ذلك يحثهم على التحلي بالفضائل فاتحًا عليهم من جهة أبواب النار، ومن جهة ثانية أبواب الرجاء، بل أبواب المحبة الإلهية. ونراه يغترف في مواعظه اغترافا من القرآن الكريم وآيه، فهو المنبع الذي يستمد منه وعظه وخوفه ورجاءه، وحزنه العميق، ولعله من أجل ذلك كان يقول: "والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدون في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك"١.
وعلى هذا النهج نفسه نقرأ مواعظ الوعاظ من حوله التي تتناثر في الكتب الأدبية الآنفة الذكر، وكانوا كثيرا ما يلمون بمجالس الخلفاء والولاة، فيعظونهم ويبكونهم، ويحدثنا الرواة أن خالد بن صفوان، وشبيب بن شبية والفضل بن عيسى الرقاشي، وواصل بن عطاء تباروا في الوعظ بمجلس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حين ولي العراق، وكان ذلك في سنة ١٢٨ للهجرة، فبزهم واصل لطول خطبته؛ ولأنه جانب فيهخا الكلمات ذات الراء، للثغة كانت له فيها، فكان يتحاشاها في منطقه٢.
وخالد بن صفوان وشبيب بن شيبة هما اللذان يقول فيهما الجاحظ: "ما علمت أنه كان في الخطباء أحد كان أجود خطبا من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، للذي يحفظه الناس، ويدور على ألسنتهم من كلامهم"٣، ويقول في خالد: "ومن الخطباء المشهورين في العوام، والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان.. ولكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين"٤، وكان الفضل بن عيسى
_________________
(١) ١ حلية الأولياء لأبي نعيم "طبعة الخانجي" ٢/ ١٣٣. ٢ البيان والتبيين ١/ ٢٤. ٣ نفس المصدر ١/ ٣١٧. ٤ نفس المصدر ١/ ٣٣٩-٣٤٠.
[ ٧٧ ]
الرقاشي من أخطب الناس وكان متكلما، وكان قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد وكثير من الفقهاء١، ولم يكن عمرو بن عبيد يقل عنه بلاغة وبيانا، أما واصل فلم يكن أبين ولا أجود لسانا منه، وكان يلثغ في الراء، فرام إسقاطها من كلامه، فلم يزل يكابد ذلك يناضله ويساجله، حتى تخلص من تلك الهجنة، وانتظم له ما حاول، حتى في محاجة الخصوم، وفي الكلام البديه المرتجل، ويعلل الجاحظ لذلك بأنه "كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة، والفخامة وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني"٢، فما زال يمرن نفسه على نفادي الكلمات ذات الراء، حتى تأتي له ذلك، واتسق له ما أراد.
ويقول الجاحظ: إن واصلا كان داعيه مقالة ورئيس نحلة، والمقالة التي يريدها هي مقالة الاعتزال، وهي نفسها النحلة، ويحدثنا صفوان الأنصاري في قصيدة مدحه بها، وأنشدها الجاحظ٣ أنه كان له دعاة خطباء يطوفون بأركان الأرض حتى يبلغوا الصين شرقا وبلاد البربر غربا، ويشيد ببيانهم، وفصاحتهم وما أوتوا من اللسن وبراعة القول وقوة الحجة.
ويلفتنا الجاحظ إلى ما كان ينهض به واصل من الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، فقد كان يناظر أصحاب الديانات، وكان يناظر أصحاب النحل من جماعة المسلمين، ومن يقرأ في أخبار هذا العصر يعرف أن المناظرات كانت مشتعلة بين الفرق، اشتعلت أولًا بين الفرق السياسية، بين فرق الخوارج نفسها، ثم بينهم وبين الشيعة ومن يميلون إلى طاعة أولي الأمر من الأمويين، ثم اشتعلت بين أرباب الفرق الدينية التي كانت تبحث في العقيدة والإيمان
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣٠٦. ٢ نفس المصدر ١/ ١٤. ٣ نفس المصدر ١/ ٢٥.
[ ٧٨ ]
وصفات الله. فكان هناك القدرية الذين قالوا بحرية الإرادة وعلى رأسهم الحسن البصري، وكان هناك الجبرية الذين يقولون بتعطيل إرادة الإنسان، وأنه مجبر لا حول له على ما يأتي من الأمر ولا قوة، وكان هناك المرجئة الذين يفصلون بين الإيمان والعمل، ولا يحكمون على مسلم في أعماله، بل يفوضون الحكم إلى ربهم، واحتدم الجدال بين هذه الفرق، كما احتدم بين الفقهاء في اجتهادهم، ومدى أخذهم بالقياس، فكان الفقهاء يتناقشون، وكان المتكلمون من أصحاب الفرق الدينية يتجادلون كما كان الخوارج، والشيعة والأمويون يتحاورون، كل يدافع عن رأيه، ويحاول أن يقنع به خصمه أو خصومه، وقد وصلتنا أخبار كثيرة عن تلك المحاورات، والمجادلات والمناقشات، فهم يروون أن الفقهاء كانوا يتناقشون في مجلس الشعبي١، وأن سليمان بن عبد الملك عقد مناظرة بين قتادة والزهري، فغلب الأول٢ كما غلب إياس بن معاوية عبد الله بن شبرمة في مناظرة طويلة، تناولت اثنين وسبعين سؤالا٣. وكثيرا ما كان الخوارج يتناظرون مع خصومهم في نظريتهم السياسية وأمور الدين٤، وكذلك كان يصنع صنيعهم الشيعة، وخاصة مع المرجئة٥، وكانت المناظرات بين المرجئة والجبرية والقدرية مشتعلة في مجالس الوعاظ، بل لقد وصل شررها إلى مجالس الخلفاء، إذ يروى أن عون بن عبد الله، وموسى بن كثير وعمر بن حمزة، وفدوا على عمر بن عبد العزيز وناظروه في الإرجاء٦، كما يروى أنه ناظر غيلان، وصالح بن سويد في القدر٧، وكذلك يروى أن الأوزاعي، وغيلان تناقشا فيه أيضًا أمام هشام بن عبد الملك٨، وقد احتفظ المرتضى في أماليه بمناظرة واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد في مرتكب الكبيرة أمام الحسن البصري٩، وكان
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ٢/ ٣٢٢. ٢ البيان والتبيين ١/ ٢٤٣. ٣ ابن سعد ج٧ ق٢ ص٥. ٤ انظر مناظراتهم مع ابن عباس أول خروجهم، ومع ابن الزبير، ومع عمر بن عبد العزيز في العقد الفريد ٢/ ٣٨٨-٤٠٣. ٥ ابن سعد ٦/ ١٩٢، والبيان والتبيين ٣/ ٣٥٠. ٦ ابن سعد ٦/ ٢١٨. ٧ سرح العيون لابن نباتة ص١٨٤. ٨ العقد الفريد ٢/ ٣٧٩. ٩ أمالي المرتضى "طبعة الحلبي" ١/ ١٦٥.
[ ٧٩ ]
الخوارج يكفرونه، بينما كان الحسن يدعوه مؤمنا فاسقا، وكان واصل يرى أنه في منزلة بين المنزلتين، وتناظر هو وعمرو بن عبيد في تلك المشكلة، واستطاع أن يقنعه بوجهة نظره.
ومن يرجع إلى تلك المناظرة يلاحظ أنها تبدو في أولها تطبيقا لأشكال القياس المنطقي، وهي كذلك في أثنائها وفي خاتمتها تستعيت بالمنطق، ومما لا ريب فيه أن نفس الفكرة التي انتهى إليها واصل، وهي أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتي المؤمن، والكافر فكرة دقيقة، لا يصل إليها إلا عقل دعم بالثقافة، وتعود النظر العميق، والنفوذ إلى دقائق الأفكار والمعاني.
وطبيعي أن نجد الجاحظ مفتونا أمام قدرة هؤلاء الخطباء الدينيين، فقد أشاد بهم في كل موضع من كتابه البيان والتبيين، وتحدث عن تصرفهم في الألفاظ، والأساليب وكيف صفوها، وروقوها ونخلوها نخلا، حتى لا ينطقوا إلا بلب اللب، وإلا بما عليه حلاوة ورشاقة، وسهولة وعذوبه.
[ ٨٠ ]