من ينعم النظر في الأمثال الجاهلية يجد طائفة منها توفر لها ضروب من القيم التصويرية والموسيقية، ففيها أحيانا تشبيه واستعارة وكناية وتمثيل، وفيها أحيانا أخرى صقل وسجع وتنميق، ونحن نصطلح على تسمية هذه القيم الفنية التي تقابلنا في نصوص الأدب الجاهلي نثره، وشعره باسم الصنعة، وقد تسربت إلى الأمثال بعض هذه القيم التي كانت تشيع في نثر الجاهليين وشعرهم، وليس معنى ذلك أنهم حققوا لأمثالهم جميعا ضروبا مختلفة من هذه القيم، فذلك إنما يظهر في القلة القليلة، أما الكثرة فمغسولة من كل فن وبيان، ومرجع ذلك
[ ٢٤ ]
إلى أن الأمثال تجري في لغة التخاطب، وأحاديث الناس اليومية العادية، وقلما نمق أصحاب هذه الأحاديث لغتهم، أو حاولوا أن يوفروا لها ضروبا من الجمال الفني البديع، ومن ثم كان كثير من الأمثال الجاهلية يخلو خلوا تاما من المهارة البيانية، وقد مر بنا أن طائفة منها تخرج على الأصول الصرفية والنحوية، ومن أجل ذلك قالوا: إنه يجوز فيها من الحذف، والضرورات ما لا يجوز في سائر الكلام١.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن الأصل في الأمثال أن لا تكون مصقولة، ولا مصنوعة؛ لأنها من لغة الشعب، وقلما نمق الشعب في لغته، غير أن كثيرا ما تصدر الأمثال عن الطبقة الراقية في الأمة: طبقة الشعراء والخطباء، فتحقق لها هذه الطبقة ضروبا من عنايتها العامة بفنها، وهذا هو مصدر الاختلاط في الحكم على الأمثال، فبينما نجد أمثالًا غير مصقولة نجد أخرى تفنن أصحابها في صوغها، وإخراجها في أسلوب بيلغ على شاكلة تلك الأمثال:
أنقى من مرآة الغريبة -كالمستجير من الرمضاء٢ بالنار- إن البغاث بأرضنا يستنسر٣ -وراء الأكمة ما وراءها- حلب الدهر أشطره٤ -يخبط خبط عشواء٥- تطلب أثرا بعد عين٦ -في الجريرة تشترك العشيرة٧ عند الصباح يحمد القوم السري٨- تحت الرغوة اللبن٩ الصريح -هدنة على دخن١٠- حال الجريض دون القريض١١ -رب صلف تحت الراعدة١٢- وقد يأتيك بالأخبار من لم تزود١٣ -استنوق الجمل١٤- كذى العريكوى
_________________
(١) ١ المزهر للسيوطي ١/ ٤٨٧. ٢ الرمضاء: الأرض شديدة الحرارة. ٣ البغاث: ضعاف الطير. يضرب مثلا للشخص يكون ضعيفا، ثم يقوى كالنسور في عالم الطير. ٤ الأشطر: جمع شطر، وهي أخلاف الناقة. يضرب مثلا لمن عرك الدهر. ٥ العشواء: الناقة ضعيفة البصر. يضرب مثلا في التعثر. ٦ يضرب في فوت الحاجة. ٧ الجريرة: الجناية. ٨ السرى: السير ليلا. ٩ الصريح: الخالص. ١٠ دخن: حقد. ١١ الجريض: غصص الموت، والقريض الشعر. ١٢ الراعدة: السحابة، والصلف: قلة الخير والمطر. يضرب مثلا في البخل مع السعة. ١٣ تزود: تعطه الزاد. ١٤ استنوق: أصبح ناقة. يضرب مثلا لمن يظن أن فيه شجاعة ثم يظهر جبنه، وكذلك لمن يظن أن عنده رأيا، ويظهر عجزه.
[ ٢٥ ]
غيره وهو راتع١ -لا تكن رطبا فتعصر ولا يابسا فتكسر- لا تكن كالعنز تبحث عن المدية -لو ذات سوار لطمتني٢- المكثار كحاطب الليل٣ -المنية ولا الدنية٤.
وما من ريب في أن هذه الأمثال تستحوذ على ضروب من الجمال الفني يرجع بعضها إلى اختيار ألفاظها، وصيغها ويرجع بعضا الآخر إلى ما تعتمد عليه من تصوير، أو سجع وتوفيق، وهذا هو معنى ما نذهب إليه من الأمثال الجاهلية تحتوي في بعض جوانبها آثارا من الصنعة، ولعل ذلك ما جعل الفارابي يقول: إنها من أبلغ الحكمة٥، ويقول ابن المقفع إنها آنق للسمع٦، بينما يقول النظام: إنها "نهاية البلاغة لما تشتمل عليه من حسن التشبيه، وجودة الكناية"٧.
وطبيعي أن تظهر الصنعة في بعض الأمثال الجاهلية، فقد كان العرب حينئذ مشغوفين بالبيان والبلاغة، وصور القرآن الكريم فيهم هذا الجانب، فقال جل شأنه: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .
وفي جميع آثار نثرهم، وشعرهم نجد آثار هذه الرغبة الملحة في استمالتهم الأسماع بجمال منطقهم وخلابة ألسنتهم، وقد دفعتهم تلك الرغبة دفعا إلى تحسين كلامهم، وتحبير ألفاظهم حتى في أمثالهم، وهيأ لذلك أن كثيرا من بلغائهم، وفصحائهم أسهموا في صناعة هذه الأمثال، فكان طبيعيا أن تظهر فيها خصائصهم الفنية التي يستظهرونها في بيانهم، وتدبيج عباراتهم حين ينظمون، أو يخطبون.
_________________
(١) ١ العر: الحرب، وكانوا يداوونه في إبلهم بالكي. ٢ ذات السوار: المرأة. يضربه الرجل الشريف في ظلم الحسيس له. ٣ المكثار: المكثر من الكلام، وشبه يحاطب الليل؛ لأنه ربما نهشته حية أو عقرب. ٤ الدنية: العمل الدنيء. ٥ المزهر ١/ ٤٨٦. ٦ الأدب الصغير بتحقيق أحمد زكي ص٢٨. ٧ مجمع الأمثال ١/ ٥.
[ ٢٦ ]