هو، أبو الفضل محمد بن الحسين، وهو فارسي من مدينة قم١، وهي مدينة شيعية، ولذلك لا نعجب إذا رأيناه شيعيًا على مذهب الإمامية، وقد نشأ في بيت أدب وكتابة، إذ كان أبوه كاتبًا لما كان بين كاكي، ولما قتله السامانيون في بعض مواقعهم معه، أخذوا كاتبه أبا عبد الله الحسين بن محمد، المعروف بكلة، والد صاحب الترجمة أسيرًا معهم، ثم أفرجوا عنه وأكرموه، ورتبوه في الدار
_________________
(١) ١ انظر فيها معجم البلدان لياقوت.
[ ٢٠٥ ]
السلطانية، وسرعان ما تقلد ديوان الرسائل للملك نوح بن نصر، ولقب الشيخ كالعادة فيمن يلي ذلك الديوان كما لقب بالعميد، ويقول أبو إسحاق الصابي في كتابه التاجي: إن رسائل العميد لا تقصر في البلاغة عن رسائل ابنه أبي الفضل ابن العميد١، ويظهر أن العميد لم يأخذ ابنه معه إلى بلاط السامانيين، بل تركه في رحال البوهيين، ويقول صاحب اليتيمة: "ولم يزل أبو الفضل في حياة أبيه، وبعد وفاته بالري وكور الحبل، وفارس يتدرج إلى المعالي، ويزداد على الأيام فضلًا، وبراعة حتى بلغ ما بلغ، واستقر في الذروة العليا من وزارة ركن الدولة ورياسة الجبل"٢، وكان تقلده هذه الوزارة عام ٣٢٨ هـ، وظل يتلقدها إلى وفاته عام ٣٦٠هـ.
ولسنا نعرف شيئًا ذا قيمة عن أساتذة ابن العميد سوى ما عرفناه عن أبيه، ثم ما ذكره صاحب الفهرست، عن أستاذ له يسمى محمد بن علي بن سعيد المعروف باسم سمكة٣، وقد سماه صاحب اليتيمة ابن سمكة٤، ويقول صاحب الفهرست: إن له كتابًا في أخبار العباسيين٥، على كل حال ليس بين أيدينا ما يدل دلالة واضحة على المنابع الثقافية، التي نهل منها ابن العميد، غير أننا لا نتابعه في آثاره، وفي حياته أثناء وزارته حتى نجده يلم بجميع ضروب الثقافة لعصره، ولعله من أجل ذلك سمي باسم الجاحظ الثاني٦، وألمع مسكويه قيم دار كتبه في كتابه "تجارب الأمم" إلى ثقافته فقال:
إنه "أكتب أهل عصره وأجمعهم لآلات الكتابة حفظا للغة والغريب، وتوسعا في النحو والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارت، وحفظًا للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام، فأما القرآن وحفظ مشكله ومتشابهه، والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار، فكان منه في أرفع درجة وأعلى رتبة"، ويقول
_________________
(١) ١ اليتيمة طبع الصاوي ٣/ ١٣٨. ٢ اليتيمة ٣/ ١٣٩. ٣ الفهرست لابن النديم "طبع مصر" ص٢٠٠. ٤ اليتيمة ٣/ ١٤٣. ٥ الفهرست ص٢٠٠. ٦ وفيات الأعيان ٢/ ٥٧.
[ ٢٠٦ ]
مسكويه: "أما المنطق وعلوم الفسلفة والإلهيات منها خاصة، فما جسر أحد في زمانه أن يدعيها بحضرته إلا أن يكون مستفيدًا، أو قاصدًا قصد التعلم".
ويروي مسكويه أن أبا الحسن العماري الفيلسوف الينسابوري قصد إليه، وقرأ عليه عدة كتب مستغلقة من كتب الفسلفة، وليس هذا كل ما ذكره مسكويه عن ثقافة ابن العميد، بل إنه يقول أيضًا: "كان ابن العميد يختص بغرائب من العلوم الغامضة، التي لا يدعها أحد كعلوم الحيل "الميكانيكا"، التي يحتاج فيها أواخر علوم الهندسة والطبيعة، والحركات الغريبة، وجر الثقيل، ومعرفة مركز الأثقال، وإخراج كثير مما امتنع على القدماء من القوة إلى الفعل"١.
وأكبر الظن أن هذا الاتساع في الثقافة الفلسفية، وما يتصل بها من علوم الطبيعة والهندسة، والحيل هي التي جعلت الرازي يتقدم إليه بتفسيره للمقالة العاشرة في أصول الهندسة من كتاب إقليدس بعد أن نسقها وجودها٢، وأكبر الشعراء في ابن العميد هذا الجانب، كما أكبروا فيه بلاغته وفصاحته، وقد عبر عن ذلك المتنبي تعبيرًا بديعًا في قصيدته الرائية، والدالية، ومن قوله الأولى:
من مبلغ الأعراب أني بعدهم شاهدت رسطاليس والإسكندرا
وسمعت بطليموس دارس كتبه متملكًا مبتديًا، متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما رد الإله نفوسهم والأعصرا
ويقول في الثانية:
عربي لسانه، فلسفي رأيه، فارسية أعياده خلق الله أفصح الناس طرا في بلاد أعرابه أكراده
وهذا كله يؤكد أن ابن العميد أتاح لنفسه ثقافة واسعة، وكما عمل علي تثقيف نفسه عمل أيضًا كل ما يستطيع في خدمة ركن الدولة، ثم ابنه عضد الدولة، كان يقود الجيوش بنفسه، واستطاع بمقدرته أن ينشر نفوذ عضد الدولة على بغداد والعراق، وقد خرج في أواخر حياته على رأس جيش لقتال الزعيم الكردي حسنويه، ولكنه توفي في الطريق في صفر عام ٣٦٠هـ٣، وقد نيف عمره على ستين سنة"٤.
_________________
(١) ١ انظر في هذه النصوص فصلًا طويلًا كتبه مسكويه عن ابين العميد في كتابه تجارب الأمم، الجزء الثاني من ص٢٧١-٢٨٢. ٢ الفهرست ص٣٧٢. ٣ انظر ترجمة ابن العميد في دائرة المعارف الإسلامية المترجمة، المجلد الأول ص٢٤٤. ٤ تاريخ ابن الأثير "طبع أوربا" ٨/ ٤٤٦.
[ ٢٠٧ ]