كان للخطابة في العصر الجاهلي شأن عظيم، إذ كانوا يستخدمونها في منافراتهم ومفاخراتهم١، وفي النصح والإرشاد٢، وفي الحث على قتال الأعداء٣، وفي الدعوة إلى السلم وحقن الدماء٤، وفي مناسباتهم الاجتماعية المختلفة كالزواج، والإصهار إلى الأشراف٥، وكانوا يخطبون في الأسواق والمحافل العظام، والوفادة على الملوك والأمراء، متحدثين عن مفاخر قبائلهم ومحامدها، ونحن نعرف قصة وفد تميم إلى رسول الله ﷺ، وما كان من قيام عطارد بين حاجب بن زرارة خطيبا بين يديه٦، ويقول أوس بن حجر في رثاء فضالة بن كلدة٧:
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ أمسوا من الخطب في نار وبلبال
أم من يكون خطيب القوم إذ حفلوا لدى الملوك ذوي أيد وأفضال٨
ويقول فيه أيضا٩:
ألهفا على حسن آلائه على الحابر الحي والحارب١٠
_________________
(١) ١ انظر البيان والتبيين في مواضع متفرقة مثل ١/ ١٠٩، ١/ ١٩٠، ٢/ ٢٧٢، والأغاني ١٥/ ٥١. ٢ البيان والتبيين في موضع متفرقة مثل ١/ ٤٠١، والمزهر للسيوطي ١/ ٥٠١. ٣ انظر الأمالي لأبي علي القالي ١/ ٩٢ الأغاني "طبعة الساسي" ٢٠/ ١٣٧. ٤ البيان والتبيين ١/ ٣٤٨. ٥ انظر البيان والتبيين ٢/ ٧٧، وراجع ١/ ١١٨، ١/ ١٣٤، ٣/ ٦. ٦ تاريخ الطبري: القسم الأول ص ١٧١١، والأغاني "طبع دار الكتب" ٤/ ١٤٦، والبيان والتبيين ١/ ٥٣. ٧ نقد الشعر لقدامة "طبعة الجوائب" ص٣٥، وديوان أوس "طبع فيينا" ص٢٢. ٨ أيد: قوة. ٩ البيان والتبيين: ١/ ١٨١. ١٠ الحارب: المحارب الغائم.
[ ٢٧ ]
ورقبته جثمات الملو ك بين السرادق والحاجب١
ويكفي المقالة أهل الدحا ل غير معيب ولا عائب٢
ورقبته: انتظاره إذن الملوك، وقد تجعله بين السرادق، والحاجب ليدل على مكانة من الملك.
ودلائل مختلفة تدل على أن منزلة الخطيب في الجاهلية كانت فوق منزلة الشاعر، ويقول أبو عمرو بن العلاء: "كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم، ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم، ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر"٣، وتابعه الجاحظ يقول: "كان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم، وتذكيرهم بأيامهم.
فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر"٤.
وواضح أن الجاحظ يجعل كثرة الشعر والشعراء وحدها هي السبب في تقدم الخطباء، أما أبو عمرو فيرد ذلك إلى أن هذه الكثرة استتبعت تحول الشعراء إلى التكسب بشعرهم، ومسارعتهم إلى الطعن في الأعراض، ونظن ظنا أن تفوق الخطيب على الشاعر في الجاهلية يرجع إلى طائفة متشابكة من الأسباب منها أن الخطابة كانت من لوازم سادتهم الذين يتكلمون باسمهم في المواسم والمحافل العظام، ومن أجل ذلك كانت تقترن بها الحكمة والشوق والرياسة٥، كما تقترن بها الشجاعة، ويتضح ذلك في مراثيهم، ومدائحهم لسادتهم على نحو ما تقدم في رثاء أوس بن حجر لفضالة بن كلدة، ويقول الأعشى في مديح قوم٦:
_________________
(١) ١ جثمات الملوك: كبارهم وعظامهم. ٢ الدحال: الدهاء والمراوغة. ٣ البيان والتبيين ١/ ٢٤١. ٤ نفس المصدر ٤/ ٨٣. ٥ نفس المصدر ١/ ٣٦٢، وفي مواضع متفرقة. ٦ نفس المصدر ١/ ١٢٤، والصلاق: جهير الصوت.
[ ٢٨ ]
فيهم الخصب والسماحة والنجـ ـدة جمعا والخاطب الصلاق
ويقول زبان بن سيار الغزاري١:
ولسنا كأقوام أجدوا رياسة يرى مالها ولا يحس فعالها
يريغون في الخصب الأمور، ونفعهم قليل إذا الأموال طال هزالها٢
وقلنا بلا عي وسسنا بطاقة إذا النار نار الحرب طال اشتعالها
ويقول عامر المحربي٣:
أولئك قومي إن يلذ ببيوتهم أخو حدث يوما فلن يتهضما
وكم فيهم من سيد ذي مهابة يهاب إذا مار رائد الحرب أضرما٥
وهم يدعمون القول في كل موظن بكل خطيب يترك القوم كظما٦
يقوم فلا يعيا الكلام خطيبنا إذا الكرب أنسى الحبس أن يتكلما
ويضا إلى هذا السبب في تفوق الخطيب على الشاعر في الجاهلية اتساع وظيفته، إذ كان يفاخر وينافر عن قومه، فيشترك بذلك مع الشاعر كما يشترك معه في الحض على القتال، ثم ينفرد بمواقف خاصة به كالوفادة على الملوك، وكالنصح والإرشاد، وخطبهم في الإملاك والزواج مشهورة، ومن أهم المواقف التي كان ينفرد بها أنه كان يدعو إلى السلم، وأن تضع الحرب بين القبائل المتخاصمة أوزارها، أما الشاعر فلم يكن يدعو إلا إلى الأخذ بالثأر، وإشعال نار الحرب، ولعل ذلك ما جعل ربيعة بن مقروم الضبي يقول٨:
ومتى تقم عند اجتماع عشيرة خطباؤنا بين العشيرة يفصل
ويقول أبو زبيد الطائي٩:
وخطيب إذا تمعرت الأو جه يوما في مأقط مشهود
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٤. ٢ يريغون: يدبرون، والأموال هنا: الإبل ٣ المفضليات، القصيدة، ٩١ البيت ١٨، وما بعده. ٤ يتهضم: ينتقص. ٥ أضرم النار: أشعلها، وكانوا إذا توقعوا حربا وأرادوا الإجماع، أوقدوا نارا على جبلهم. ٦ كظما: جمع كاظم، وهو الساكت غيظا: ٧ الجبس: اللئيم المنقطع. ٨ أغاني "طبع الساسي" ١٩/ ٩٣. ٩ البيان والتبيين ١/ ١٧٦، وتمعرت الوجوه تغيرت واصفرت. والمأقط: موضع القتال.
[ ٢٩ ]
ويقول بشر بن أبي خازم١:
وكنا إذا قلنا: هوازن أقبلي إلى الرشد لم يأت السداد خطيبها
وتتردد في كتاب البيان والتبيين للجاحظ وغيره من كتب الأدب أسماء طائفة كبيرة من خطباء الجاهلية الذين اشتهروا بالفصاحة، ووضوح الدلالة والبيان عما في أنفسهم، مما جعل الأسماع والقلوب تهش إليهم، ويعظم في الناس خطرهم، ويشيع في الآفاق ذكرهم، وكانوا ينتشرون في الجزيرة بمكة، والمدينة وما وراءهما من قبائل البادية، أما مكة فقد كانت بها دار الندوة، وهي أشبه بمجلس شيوخ مصغر، كان يجتمع فيها سادة العشائر القرشية يتشاورون في أمورهم، وفي أثناء ذلك يخطبون ويتحاورون٢، ومن خطبائهم المفوهين عتبة بن ربيعة، وهو خطيب قريش يوم بدر، ومن خطبائها سهيل بن عمرو الأعلم، وهو الذي قال فيه عمر النبي ﷺ: "يا رسول الله انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، فقال الرسول ﵇: "لا أمثل فيمثل الله بي، وإن كنت نبيا، دعه يا عمر فعسى أن يقوم مقاما تحمده" ٣. وقد أسلم وحسن إسلامه، وكانت له مواقف محمودة. ولقريش أيضا خطباء كان ينفر إليهم العرب أمثال هاشم وأمية٤، ونفيل ابن عبد العزى جد عمر بن الخطاب، وإليه نفر عبد المطلب بن هاشم، وحرب بن أمية٥. وأما المدينة فذكر الجاحظ من خطبائها قيس بن الشماس، وثابت ابنه خطيب الرسول ﷺ، وسعد بن الربيع، وهو الذي اعترضت ابنته الرسول صلوات الله عليه، فقال لها: "من أنت؟ فقالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد سعد بن الربيع" ٦.
_________________
(١) ١ المفضليات، القصيدة ٩٦ البيت رقم ٩. ٢ السيرة النبوية "طبعة الحلبي" ٢/ ١٢٤. ٣ البيان والتبيين ١/ ٣١٧، والثنيتان: الأضراس في مقدم الفم. ٤ شرح النقائض لأبي عبيدة "طبعة بيفن" ١/ ٢٢٤. ٥ تاريخ الطبري: القسم الأول ص ١٠٩١. ٦ انظر البيان والتبيين ١/ ٣٥٨-٣٦٠.
[ ٣٠ ]
وإذا تركنا مكة والمدينة إلى القبائل المنبطحة في البادية، وجدنا ممن اشتهروا فيها بالخطابة ابن عمار الطائي، وهو خطيب مذحج كلها١، وهانئ بن قبيصة خطيب شيبان يوم ذي قار٢، وزهير بن جناب خطيب كلب وقضاعة٣، وربيعة بن حذار خطيب بني أسد٤، وإليه احتكم الزبرقان بن بدر والمخبل السعدي، وعبدة بن الطبيب وعمرو بن الأهتم أيهم أشعر٥. ومن الخطباء المشهورين في القبائل أيضا عامر بن الظرب٦ أحد حكام العرب في الجاهلية، ومن كانوا يقضون بينهم في خصوماتهم٧.
وممن اشتهر باللسن والخطابة، والشعر لبيد بن ربيعة العامري، ومن قوله٨:
وأخلف قسا ليتني ولو أنني وأعيي على لقمان حكم التدبر
ومن قوله أيضا٩:
وأبيض يجتاب الحروق على الوجى خطيبا إذا التف المجامع فيصلا
ومن خطبائهم هرم بن قطبة الفزاري١٠، وهو صاحب المنافرة المشهورة بين علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل، وقد رآه عمر بن الخطاب يوما في المسجد، فقال له: "أرأيت لو تنافرا إليك -يعني علقمة وعامر- أيهما كنت تنفر: يا أمير المؤمنين لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة، فقال عمر: لهذا العقل تحاكمت إليك العرب"١١.
ومن الخطباء البلغاء عمرو بن كلثوم خطيب تغلب١٢. وهيذان بن شيخ
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣٤٩. ٢ أغاني "طبعة الساسي" ٢٠/ ١٣٧. ٣ نفس المصدر ٢١/ ٦٥. ٤ نفس المصدر ١٠/ ٦١، والبيان والتبيين ١/ ٣٦٥. ٥ أغاني ١٢/ ٤٠، ٢١/ ١١٣. ٦ أغاني "طبعة دار الكتب" ٣/ ٩٠، وانظر السيرة النبوية ١/ ١٢٩، والبيان والتبيين ١/ ٣٦٥، والمعمرين ٤٤. ٧ أغاني ٣/ ٩٠، والسيرة النبوية ١/ ١٢٨. ٨ البيان والتبيين ١/ ١٨٩. ٩ نفس المصدر ١/ ٢٦٦، ويجتاب: يقطع، الحروق: الفلوات، الوجى: الحفد. ١٠ البيان والتبيين ١/ ٣٦٥. ١١ البيان والتبيين ١/ ٢٣٧. ١٢ نفس المصدر ٢/ ١٤١.
[ ٣١ ]
الذي قال فيه الرسول ﵇: "رب خطيب من عبس" ١، والعشراء ابن جابر، وخويلد بن عمرو خطيب يوم الفجار٢، وقيس بن خارجة بن سنان، ويقال: إنه خطب في حرب داحس والغبراء يوما إلى الليل٣، وكل هؤلاء من غطفان. ومن الخطباء حنظلة بن ضرار خطيب بني ضبة، وقد طال عمره حتى أدرك يوم الجمل٤. ولم تشتهر قبيلة بالخطابة كما اشتهرت إياد وتميم، ومن إياد قس بن ساعدة الذي قال فيه الرسول ﷺ: "رأيته بسوق عكاظ على جبل أحمر، وهو يخطب في الناس" ٥. ومن خطباء تميم المفوهين ضمرة بن ضمرة٦، وأكثم بن صيفي٧ وقيس بن عاصم٨، وعطارد بن حاجب بن زرارة خطب وفد تميم بين يدي الرسول، وعمرو بن الأهتم المنقري، ولم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه٩. وما من ريب في أن هذه الكثرة من الخطباء -ووراءهم كثير لم نذكرهم- تدل دلالة بينه على ما كنت عليه الخطابة من رقي وازدهار.
وكان للخطباء حينئذ سنن خاصة في أداء خطابتهم، منها أنهم كانوا يخطبون على رواحلهم في المواسم العظام، والمجامع الكبار١٠، وكان من عادتهم لوث العمائم على رءوسهم، والإشارة في أثناء خطابتهم بالعصي والمخاطر والقنا والقضبان والقسي١١. وفي ذلك يقول لبيد١٢:
ما إن أهاب إذا السرادق غمه قرع القسي وأرعش الرعديد
وقد حملت الشعوبية حملة شعواء على العرب لاتخاذهم في خطابتهم
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٢٧٣. ٢ نفس المصدر ١/ ٣٥٠-٣٥١. ٣ نفس المصدر ١/ ١٦، وما بعدها. ٤ نفس المصدر ١/ ٣٤١. ٥ البيان والتبيين ١/ ٣٠٨-٣٠٩. ٦ جمهرة الأمثال للعسكري ١/ ١٨٦. ٧ البيان والتبيين ١/ ٣٦٥، والأغاني "طبعة الساسي" ١٥/ ٧٠. ٨ البيان والتبيين ١/ ٥٣. ٩ البيان والتبيين ١/ ٣٥٥. ١٠ نفس المصدر ٣/ ٧. ١١ انظر أوائل الجزء الثالث من البيان والتبيين. ١٢ البيان والتبيين ١/ ٣٧٢، ٣/ ٩. وغمه: علاه، وكثر فيه.
[ ٣٢ ]
المخاصر والعصي، ووصل أيمانهم بالقضبان والقسي، ورد عليهم الجاحظ ردا طويلا مفحما في فاتحة الجزء الثالث من كتاب البيان والتبيين. وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب نرى العرب يمدحون جهارة الصوت وشدته، ويعيبون ضيقه، ودقته كمان يعيبون على الخطيب أن يعترضه البهر، والارتعاش والرعدة، أو يعتريه شيء من الحصر والعي، يقول أبو العيال الهذلي١:
ولا حصر بخطبته إذا ما عزت الخطب
وكان يكرهون أن يمس الخطيب ذقنه، وسباله وشواربه، يقول معن بن أوس المزني في بعض هجائه٢:
إذا اجتمع القبائل جئت ردفا وراء الماسحين لك السبالا
فلا تعطي عصا الخطباء فيهم وقد تكفى المقادة والمقالا
وإذا كانوا قد عاربو ذلك في الخطيب، فقد مدحوا فيه -على نحو ما يلاحظ ذلك الجاحظ في بيانه- شدة العارضة، وظهور الحجة، وثبات الجنان وكثرة الريق، والعلو على الخصوم في مضايق الكلام، ومآزق الخصام.
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ٣. ٢ نفس المصدر ١/ ٣٧٢، والسبال: مقدم اللحية: وهو يهجو صاحبه بأنه ليس رئيسا، ولا خطيبا.
[ ٣٣ ]