هو، القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، ولد بضاحية من ضواحي البصرة تسمى المشان١ عام ٤٤٦هـ، وتوفي في عام ٥١٦هـ٢، ولما شب ذهب إلى البصرة حيث "سمع الحديث، وقرأ الأدب واللغة"٣. وسرعان ما أصبح بفضل فطنته، وذكائه صاحب الخبر في ديوانه الخلافة، وهي وظيفة تشبه وظيفة "مصلحة الاستعلامات" في العصر الحديث٤، واستمرت هذه الوظيفة في أولاءده إلى آخر المقتفوي نحو سنة ٥٥٦هـ، إذ زار العماد الأصبهاني البصرة، ورأى أولاده يقومون عليها٥، وكان الحريري يسكن في البصرة بمحلة بن حرام٦، وكان قبيحًا دميم الحلقة قذرا في لبسته، وهيئته مبتلى بنتف لحيته٧. ومن الطرف التي تروى بصدد ذلك "أن رجلا قصده ليقرأ
_________________
(١) ١ معجم الأدباء طبع مصر ١٦/ ٢٦١. ٢ نفس المصدر ١٦/ ٢٦١. ٣ المنتظم لابن الجوزي ٩/ ٢٤١. ٤ انظر تاريخ الطبري القسم الثالث ص ١٢٦٠. ٥ انظر الخريدة للعماد الأصبهاني "قسم العراق -تحقيق محمد بهجة الأثري" ٤/ ٢/ ٦٠١. ٦ معجم الأدباء ١٦/ ٢٦١، والخريدة ٤/ ٢/ ٦٠١. ٧ معجم الأدباء ١٦/ ٢٦٢.
[ ٢٩٢ ]
عليه، فاستدل على مسجده الذي يقرأ فيه، فلما أراد الدخول، رأى شخصًا دميم الخلقة، فاحتقره، وقال: لعله ليس هو هذا، فرجع، ثم قال في نفسه: لعله يكون هذا ثم استبعد أن يكون هو، والشيخ يلحظه، فلما تكرر هذا منه، تفرس الشيخ فيه ذلك، فلما كان في المرة الأخيرة، قال له: ارحل، فأنا من تطلب أكبر من قرد محنك"١، وربما كان هذا القبح هو الذي ولد فيه ميله إلى الدعابة في أعماله، وآثاره.
وكان مما خفف قبح الحريرة، أنه كان ذكيًا ذكاء شديدًا يقول ابن الجوزي: "إنه فاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة"٢، ويقول العماد الأصبهاني: "طلعت ذكاء ذكائه في المغرب والمشرق، وامتلأ ببضائع فوائده، ونواصع فرائده حقائب المشئم والمعرق"٣، ويقول ياقوت: "كان غاية في الذكاء والفطنة"٤، واستغل هذا الذكاء في جانبين، أما الجانب الأول، فالأدب شعره ونثره، وقد ترك في هذا الجانب مجموعة من الشعر، كما ترك مجموعة من الرسائل، وأيضًا فإنه ترك أهم مجوعة ألفت في المقامات، وأما الجانب الثاني فهو جانب التأليف في النحو، إذ نراه يترك -كما يقول ياقوت- كتاب "ملحة الإعراب"، وهي قصيدة في النحو، كما يترك كتاب شرح ملحة الإعراب، وأيضًا فله كتاب "درة الغواص في أوهام الخواص"، وهو معروف.
على أن الحريري إنما اشتهر بجانبه الأول، إذ يعتبر أهم كاتب ظهر في المشرق بعد أبي العلاء، وقد نال شهرة مدوية في عصره وبعد عصره، لما كان يقوم به من عناية بآثاره عناية تحيلها إلى ضروب خالصة من الزخرف، والوشي الأنيق حتي ليقول العماد الأصبهاني: إن "وشي بلاغة الحريري ذهبي الطراز، سحباني الإعجاز قسي الإسهاب والإيجاز، ومتى قد رقس على ترصيع كلمه، وتصريع حكمه، حريري الوشي، عراقي الوشم، لؤلؤي النظم، كلامه يتيمة
_________________
(١) ١ طبقات الأدباء لابن الأنباري ص٤٥٦. ٢ المنتظم: القسم الثاني من المجلد السابع ورقة ٤٨٧. ٣ الحريدة ٤/ ٢/ ٦٠٠. ٤ معجم الأدباء ١٦/ ٢٦٢.
[ ٢٩٣ ]
البحر، وتميمة النحر"١، ولكن لا تظن من وصف العماد أن الحريري كان من ذوق أصحاب التصنيع، فقد انتهى هعذا المذهب في المشرق، وانتهى أنصاره وحل محله مذهب جديد هو مذهب التصنع، وهو مذهب كان يعتمد على التلفيق، والتعقيد، وإحالة الزخرف القديم إلى أشكال هندسية جديدة، وقد تشبث أصحابه بزخرف الجناس، واستخرجوا منه كل ما يمكن من عبث، وعقد على صور مختلفة.
والحريري لم يكن يشذ على هذا المذهب الجديد، بل كان ينساق فيه، وفيما اقترحه أبو العلاء من تصعيب، وعرف القدماء ذلك، فقالوا: إنه يستعير منه بعض صوره٢، ولكن ليس هذا هو الجانب المهم، فقد استعار منه كثيرًا من عقده التي بثها في أعماله وخاصة عقدة الجناس، إذ ذهب يستعين بها في تعقيد فنه تعقيدًا شديدًا، وإن من يرجع إلى ما اقتبسه العماد الأصبهاني في خريدته، وياقوت في معجمه من رسائله يجد ظاهرة التعقيد واضحة فيها، وقد رويا له جميعًا رسالتين غريبتين بنهاهما جميعًا على حرف واحد، أما الأولى فبناها على حرف السين، ولذلك سميت بالرسالة السينية، أما الثانية فبناها على حرف الشين، ولذلك سميت بالرسالة الشينية، وكتب الأولى على لسان بعض أصدقائه يعاب صديقًا له أخل به في دعوة دعا إليها، وهو يستهلها على هذا النمط٣.
"باسم القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح، سجية سيدنا سيف السلطان سدة سيدنا الإسفهسلار، السيد النفيس سيد الرؤساء حرست نفسه، واستنارت شمسه وبسق غرسه، واتسق أنسه، استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومواساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب، والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس
_________________
(١) ١ الخريدة ٤/ ٢/ ٦٠٠. ٢ نقد مقامات الحريري لابن الخشاب طبع المطبعة الحسينية ص٨. ٣ الخريدة: ٤/ ٢/ ٦١٦، وانظر معجم الأدباء ١٦/ ٢٧٦.
[ ٢٩٤ ]
تدارس الألسن سلافة خندريسه، في سلسال كئوسه، ومحاسن مجلس مسرته، وإحسان سمعة سيادته، فاستسلفت الاستدعاء، وتوسمت السراء، وسوفت نفسي بالاحتساء، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل، وأستطلع الرسل، وأستبعد تناسي اسمي، وأسامر الوساوس لاستحالة رسمي١ وحسبنا السلام وسلامه على رسول الإسلام".
أرأيت إلى هذه المقدرة الجديدة عند الحريري؟ لقد حكاها العماد في شيء من الدهشة، والإعجاب وحق له فقد كان ذلك ذوق عصره، بل لقد كان ذوق الكتاب منذ أبي العلاء، فهم يبحثون عن كل صعوبة في الأداء يجتذبونها إلى آثارهم، ونماذجهم كي يدلوا على مهارتهم وبلاغتهم، ولكن أي مهارة، وبلاغة هذه؟ لقد أصبحت النماذج الأدبية أشبه ما تكون بعمل عمال المطابع، إذ يرصون الكلمات بعضها بجانب بعض، فتتكون صناديق من الكلمات، ولكن لا يتكون شعور ولا إحساس، وأي إحساس وشعور في مثل هذه الرسالة، التي شغل فيها الحريري بأن يجمع ألفاظًا من ذوات السين، ويرصها على هذا النمط، فإذا بنا نقرأ سينيات، لا أفكارًا ولا شعورًا، وإنما كلمات بنيت بناء من حرف السين! وما من ريب في أنه كان يريد بذلك، أن يدل على مدى تفوقه على معاصريه في استخدام طرق مذهب التصنعه، وإنه ليبحث عن طرق جديدة، فإذا هو يهتدي بعد البحث إلى هذه الفكرة البديعة، وهي أن يؤلف رسالة سينية، وأخرى شينية ليثبت مقدرته وبراعته، وانظر إليه كيف يسوق رسالته الشينية، التي كتب بها إلى طلحة بن محمد النعماني الشاعر لما قصده في البصرة يمدحه، ويشكره، ويتأسف على فراقه٢:
"شغفي بالشيخ شمس الشعراء ريش معاشه، وفشا رياشه٣ وأشرق شهابه، واعشوشبت شعابه٤، يشاكل شغف المنتشي بالنشوة، والمرتشي بالرشوة، والشادن
_________________
(١) ١ استحالة رسمي: يقصد تغير المعتاد. ٢ الحريدة ٤/ ٢/ ٦١٩، ومعجم الأدباء ١٦/ ٢٧٨. ٣ الرياش: الثياب الفاخرة. ريش: زين. ٤ اعشوشبت شعابه: كثر عشب نواحيه.
[ ٢٩٥ ]
بشرح الشباب، والعطشان بشبم الشراب، وشكري لتجشمه ومشقته، وشواهد شفقته، يشابه شكر الناشد للمنشد، والمسترشد للمرشد، والمستبشر للمبشر، والمستجيش١ للجيش المشمر، وشعاري إنشاده شعره، وإشجاء المكاشر والمكاشح بنشره، وشغلي إشاعة وشائعه، وتشييد شوافعه٢، والإشادة بشذوره وشفوفه، والمشورة بتشفيعه وتشريفه، وأشهد شهادة تشده المقشر المكاشف٣، والمشنع الكاشف لإنشاده يدهش الشائب والناشي، ويلاشي شعر الناشي٤ ولمشافهته تباشير الرشد، واشتيار الشهد٥، ولمشاحنته تشقي المشاحن، وتنشر المشاين، ولمشاغبته تشظي الأشطان٦، وتشيط الشيطان، فشرفًا للشيخ شرفًا، وشغفًا بشنشنته شغفًا:
فأشعاره مشهورة ومشاعره وعشرته مشكورة وعشائره٧
شأي الشعراء المشمعلين شعره فشانيه مشجو الحشا ومشاغره
وشوه ترقيش المرقش رقشه فأشياعه يشكونه ومعاشره
وأشهد شهادة شاهد الأشياء، ومشبع الأحشاء، ليشعلن شواظ اشتياقي شحطه، وليشعثن شمل نشاطي نشطه، فناشدت الشيخ أيشعر باستيحاشي لشسوعه، واجهاشي لتشييعه، ووشتايتي بنشيده الموشي، وتشكلي شخصه بالإشراق والعشي، حاشاه تعتشيه٨ شبهة وتغشاه، فليستشف شرح شجوي بشطيرنه، وليرشحني لمشاركة شجونه عاش منتعش الحشاشة، مستشري٩ البشاشة، مشحوذ الشفار، منتشر الشرار، شتامًا للأشرار، شحاذًا بالأشعار، يشرخ ويحوش، فينتفش المنقوش "
_________________
(١) ١ المستجيش: مجمع الجيش. ٢ شوافعه: شفاعاته، وشائعه: طرائقه. ٣ المقشر: المجرح. الكاشف: المعلن ما عنده. ٤ الناشي الأولى بمعنى الصغير، والثانية إشارة إلى شاعر عباسي يسمى الناشئ. ٥ اشتيار: جني. ٦ تشظى: تفرق. الأشطان الحبال. ٧ شأي: سبق. المشمعل: الفائق. مشاغر: معادي. ٨ تعتشيه: تقصده. ٩ مستشري: قوي.
[ ٢٩٦ ]
ونحن لا نشك في أن الحريري استحوذ على إعجاب معاصريه بهذه الطرفة الغريبة، كما استحوذ على هذا الإعجاب بطرفته السابقة، وهل يستطيع أحد أن يجري على هذه السنة الحريرية، فإذا هو يؤلف رسالة من حرف واحد؟
وإن نفسه ليمتد على هذا النحو الذي نجده في تلك الرسالة الشينية، وليس كل ما في هذه الرسالة من تعقيد، هو هذا الإغراب في بنائها على حرف واحد، فهناك عقد أخرى خلف هذه العقدة، لا بد أن القارئ لاحظها، ولعل في رأس هذه العقد التزامه ما لا يلزم في نهاية أسجاعه، إذ كان يتقيد غالبًا بحرفين أو أكثر، وأيضًا فإنه عنى بالجناس على جميع صوره، إذ نراه يحشد جناس الاشتقاق بكثرة، كما يحشد الجناس الناقص بوفرة، وإنه ليعدل في أثناء ذلك إلى ضروب من اللفظ الغريب، كما نرى في الكلمات التي ختم بها الرسالة: يشرخ ويحوش ويقنفش، ومعانيها على الترتيب: يعلو ويظفر ويجمع.
وأكبر الظن أننا قد تعرفنا الآن على فن الحريري، وهو فن يندمج في مذهب التصنع، وما اقترحه له أبو العلاء من عقد مختلفة، وإن الحريري ليحاول أن يأتي ببعض عقد جديدة، فإذا هو يقع على هذه الفكرة، وهي أن يبني كلمات رسالته من حرف واحد، ولكن لا تظن أن هذا هو كل ما عند الحريري، فإن رسائله لم تستوعب جميع ألوان مهارته في هذا الجانب، إنما الذي استوعب مهارته حقًا هو مقاماته.
[ ٢٩٧ ]