من الصفات التي تميز عرب الجاهلية أنهم كانوا يحبون البيان، والطلاقة والتحبير والبلاغة، ودفعهم ذلك إلى الاحتفال بخطابتهم احتفالا شديدا، لا من حيث الصقل، وتجديد الألفاظ فحسب، بل أيضا من حيث مخارج الكلم، ولعلهم من أجل ذلك كانوا يتزيدون في جهارة الأصوات، كما كانوا ينتحلون سعة الأشداق، وهدل الشفاه١، حتى إن فريقا منهم كانوا يتخللون كلامهم بألسنتهم تخلل البقرة الكلأ بلسانها٢، ومن لم يصنع ذلك عمد
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١/ ١٣-١٤. ٢ البيان والتبيين ١/ ٢٧١.
[ ٣٣ ]
إلى ضروب من التقعير والتمطيط والجهورة والتفخيم١.
وليس بين أيدينا نصوص وثيقة نستطيع بها أن نحكم أحكاما دقيقة على خطابتهم وصناعتهم فيها، وحقا نجد بعض خطب مبثوثة في الطبري، والأغاني
والأمالي والعقد الفريد، ولكن هذه الخطب جميعا ينبغي أن نتلقاها بشيء من الاحتراس، وخاصة ما رواه الكتاب الأخير من خطب طويلة لهم في وفودهم على كسرى وغير كسرى، فإن الانتحال ظاهر فيها، أما الخطب الأخرى، فأكبر الظن أن الرواة جمعوا بعض شظايا وقطع للقوم، وزادوا عليها من خيالهم، ومن ثم لا يصح الاستدلال بهذه الخطب جميعا على أنها تمثل الخطابة الجاهلية تمثيلا صحيحا، وهذا الجاحظ على كثرة ما روى في بيانه من خطب لم يستطع الاستشهاد للجاهليين، إلا بجمل وصيغ متفرقة لا تكون خطبة
كاملة.
ومهما يكن فنحن نؤمن بأن أكثر ما يروى من الخطابة الجاهلية لا يصح الاطمئنان إليه من الوجه التاريخية لطول المسافة بين روايته وكتابته، وإن كان ذلك لا يمنعنا من تسجيل بعض الظواهر، والخصائص لتلك الخطابة، فإن من يرجع إلى ما روي منها من كتب الأدب والتاريخ يلاحظ أن أغلب ما روي من خطب القوم روي مسجوعا، ويؤكد الجاحظ أن النبي ﷺ هو الذي روى خطبة قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ، ويقول: إنه إسناد تعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الآمال، ومع ذلك لم يستطع روايتها كاملة إنما روى أجزاء منها، هي قوله:
"أيها الناس اسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ضوء وظلام، وبر وآثام، لباس ومركب، ومطعم ومشرب، ونجوم تمور٢، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسمات ذات أبراج، مالي أرى الناس بموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا".
_________________
(١) ١ راجع البيان والتبيين في مواضع متفرقة وانظر ١/ ١٢٠، وما بعدها. ٢ تمور: تذهب وتجيء.
[ ٣٤ ]
وروى له الجاحظ أيضا قطعة من خطبة أخرى على هذا النحو: "يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر"١.
وواضح أن هذه القطع من خطابة قس بنيت على السجع، وقد روى الطبري كلمة لنفيل بن عبد العزوى في منافرة عبد المطلب بن هاشم، وحرب بن أمية، وهي مسجوعة٢ كما روى أبو عبيدة في النقائض منافرة جرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن أرطاة الكلبي إلى الأقرع بن حابس، وهي مسجوعة أيضا٣، وبنيت على السجع كذلك منافرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل٤.
ولم نسق ذلك لنسلم بصحة هذه المرويات من المنافرات وصحة صياغتها، ولكنا سقناه لتخلص منه إلى أنه ثبت عند من كانوا يروون المنافرات والخطب الجاهلية أنها كانت تعتمد اعتمادا شديدا على السجع، ويؤيد ذلك قول الجاحظ: إن "ضمرة بن ضمرة وهرم بن قطبة، والأقرع بن حابس ونفيل بن عبد العزى كانوا يحكمون وينفرون بالأسجاع، وكذلك ربيعة بن حذار"٥، وقد اشتمل هذا النص على خطباء من تميم، وأسد وفزارة وقريش، وفي ذلك ما يدل على شيوع السجع في الخطابة الجاهلية. وما من شك في أن صناعة السجع تحتاج إلى قيم موسيقية كثيرة، حتى تتم معادلاته الصوتية وموازناته الإيقاعية، وكانوا يدمجون كثيرا من الصور والتشبيهات والاستعارات في هذا السجع، كما كانوا يدمجون كثيرا من التجويد والتحبير، ويشهد لهم الجاحظ بما كانوا يعانونه في خطبهم وخاصة الطويلة منها إذ يقول: "لم نرهم يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد، وفي صنعة طوال الخطب وكانوا إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير، ومهمات الأمور ميثوه٦ في صدورهم، وقيدوه على أنفسهم، فإذا قومه
_________________
(١) ١ انظر هذه القطع من خطابة قس في البيان والتبيين ١/ ٣٠٨-٣٠٩. ٢ الطبري، القسم الأول ص١٠٩١. ٣ النقائض لأبي عبيدة ١/ ١٤١. ٤ أغاني "طبعة الساسي" ١٥/ ١٥. ٥ اليبان والتبيين ١/ ٢٩٠. ٦ ميثوه: ذللوه وأعدوه.
[ ٣٥ ]
الثقات وأدخل الكير وقام على الخلاص أبرزوه محككا منقحا، ومصفى من الأدناس مهذبا"١، وقد عبر العرب أنفسهم في شعرهم بصور مختلفة عن مدى تجويدهم في خطابتهم، وانظر إلى لبيد يقول لهرم بن قطبة في حكومته بين علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل٢:
إنك قد أوتيت حكما معجبا فطبق المفصل واغنم طيبا
يقول له: احكم بين الرجلين بكلمة فصل تفصيل بها بين الحق، والباطل كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين.
ويقول لبيد عن نفسه مدلا ببيانه وبراعته، وما أوتي من حسن الجدل والعلو على خصومه٣:
ومقام ضيق فرجته ببيان ولسان وجدل
ويقول قيس بن عاصم المنقري التميمي واصفا ما فيه قومه من الخطابة والفصاحة، وإحسان هذا الجانب من البيان والبلاغة٤:
إني أمرؤ لا يعتري خلقي دنس يفنده ولا أفن٥.
من منقر في بيت مكرمة والأصل ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم بيض الوجوه مصاقع لسن
وعلى نحو ما وصفوا الخطيب بأنه مصقع، ولسن وصفوه بأنه مدره، يقول زهير بن أبي سلمى في مديح هرم بن سنان٦:
ومدره حرب جميعا يتقى به شديد الرجام باللسان وباليد
وواضح أنه يشبه ما يلقيه من لسانه كلاما بما يلقيه من يده سهامًا.
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ٢/ ١٤. ٢ نفس المصدر ١/ ١٠٩. ٣ البيان والتبيين ١/ ٢٦٥. ٤ البيان والتبيين ١/ ٢١٩. ٥ يفند: ينقض ويضعف، والأفن: ضعف الرأي. ٦ ديوان زهير "طبعة دار الكتب" ص ٢٣٣. والمدره: الذي يدافع عن قومه، الرجام: المراماة في القتال.
[ ٣٦ ]
وقد وصفوا اللسان بأنه عصب وقاطع وجارح، كما وصفوا الخطيب بأنه لوذعي، يقول شاعرهم١:
هو الشجاع والخطيب اللوذعي والفارس الحازم والشهم الأبي
ولعل من الطريف أننا نجدهم يصفون خطابهم بأنها كالوشي المنمق، ففيها تدبيح، وتزيين يشبه ما يجدونه في الثياب اليمانية الموشاة، يقول أبو قرد ودة الطائي في رثاء ابن عمار خطيب طيئ، وقد مات مقتولًا٢:
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبرة٣
ويقول فيه أيضًا:
ومنطق خرق بالعواسل لذ كوشي اليمنة المراحل٤
فأبو قردودة يحس في خطب ابن عمار ما يحسه في وشي الحلل المنمقة، وهو إحساس بالغ، عبر به هو وأضرابه عن عنايتهم بخطابتهم، ومقدار ما كانوا يحققون لها من مهارة وصنعة، وبلغ من جمال بعض خطبهم أن اقترحوا لها أسماء، وإن كانوا يحفظونها ويتوارثونها، لروعة بيانها وجودة فصاحتها وبلاغتها، يقول الجاحظ: "ومن خطب العرب العجوز، وهي خطبة لآل رقبة، ومتى تكلملوا فلا بد لهم منها، أو من بعضها ومنها العذراء، وهي خطبة قيس بن خارجة في حرب داحس والغبراء، سميت بذلك؛ لأنه كان أبا عذرها٥.
والحق أن خطباء العصر الجاهلي نهضوا بخطابتهم نهضة واسعة، ولذلك لم يكن غريبا أن يستمع الرسول ﷺ إلى بعضهم وهو يخطب، فيقول: "إن من البيان لسحرا" ٦. ولم يكن هذا البيان الساحر شيئا خاصا بهذا الخطيب، بل كان شيئا عاما بين الخطباء، إذ ذهبوا جميعا مذهب التجويد والتحبير، حتى يستميلوا الأسماع ويخلبوا الألباب.
_________________
(١) ١ أغاني "طبعة دار الكتب" ١١/ ١٥٠. ٢ انظر في التبيين التاليين البيان والتبيين ١/ ٣٤٩. ٣ الإزاء في البيت: مصب الماء في الحوض، واليمنة: ضرب من برود اليمن. ٤ العواسل: الرماح، المراحل: جمع مرحل، وهو ما نقش فيه تصاوير الرحال. ٥ انظر البيان والتبيين ١/ ٣٤٨. ٦ نفس المصدر ١/ ٥٣.
[ ٣٧ ]